مقالات
محمد بدر الدين
محمد بدر الدين

كاتب وناقد صحفي

في مئوية مبدع: مدخل إلى سينما يوسف شاهين

المرحلة الثالثة هي مرحلة الانطلاق الواضح من الناحية الفنية والحرفية، من جهة "التكنيك" السينمائي، وتجاه ما يضاهي أرفع المستويات العالمية على هذا الصعيد.

مشاركة:
حجم الخط:

مرت – في تقديرنا – مسيرة يوسف شاهين السينمائية، التي استمرت على امتداد ستين سنة، منذ فيلمه الأول “بابا أمين” 1950 إلى فيلم الوداع “هي فوضى” 2007، بثلاث مراحل:

 المرحلة الأولى ـ السنوات العشرون الأولى من المسيرة (خمسينيات وستينيات القرن العشرين):

مرحلة التنوع.. وتلمس الطريق، تفكيراً وتعبيراً. مرحلة الأخذ في التطور ـ والتعمق شيئاً فشيئاً ـ فكرياً، والمزيد من النضج إبداعياً.
وبإمكاننا القول: أن فيلمه “الأرض” 1970 هو قمة هذه المرحلة، بقدر ما بالإمكان القول: أنه المدخل الرائع والكبير للمرحلة الثانية.
* المرحلة الثانية ـ السنوات الخمس عشر بأواسط المسيرة (السبعينيات والنصف الأول من الثمانينيات)

يوسف شاهين ممثلا في فيلمه باب الحديد
يوسف شاهين ممثلا في فيلمه باب الحديد

مرحلة ذروة النضج.. وأروع ثمار المسيرة، على كل المستويات.

ويكفي أنها شهدت روائعه الكبرى، من “الأرض” 1970، إلى “الاختيار” 1971، إلى “عودة الابن الضال” 1976، إلى أول وأقوى جزأين في رباعية سيرته الذاتية “إسكندرية ليه” 1979، و”حدوتة مصرية” 1982. وإذا أضفنا مثلاً من المرحلة الأولى “باب الحديد” 1958، و”الناصر صلاح الدين” 1963، ومن المرحلة الثالثة “المهاجر” 1994، فنحن في رأينا إزاء “أحسن أسبوع لأفلام شاهين”
 المرحلة الثالثة ـ مرحلة ربع القرن الأخير من المسيرة (النصف الثاني من الثمانينيات وحتى نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين)

هي مرحلة ذروة نضج الرؤية الفكرية والسياسية، لكن لم تخل كذلك من “تعثر ما” في التعبير عن هذه الرؤية.

المرحلة الثالثة هي مرحلة الانطلاق الواضح من الناحية الفنية والحرفية، من جهة “التكنيك” السينمائي، وتجاه ما يضاهي أرفع المستويات العالمية على هذا الصعيد.

على أن المرحلة لم تخل في ذات الآونة من الارتباك الظاهر من ناحية التعبير خاصة على صعيد السيناريو والتجسيد الدرامي.

ولعل هذا المعنى أو الحال، والتناقض إذا جاز التعبير، بان واتضح ـ أول وأكثر ما ظهر بجلاء ـ في فيلم “الوداع يا بونابرت” 1985.

السبب الرئيسي عندنا، ليس أن شاهين “قد وضع يده في السيناريو”، فهو قد صنع ذلك عادة، كما أنه أمر محمود، بقدر ما هو منطقي لدى طراز مبدعي السينما الكبار والحقيقيين لدينا وفي العالم.

إنما السبب الرئيسي والمشكلة هنا، أنه “استند إلى نفسه بالأساس في إنجاز السيناريو” بينما لم تكن في هذا المجال أهم ملكاته، ولم تكن تكمن هنا مواهبه الكبيرة التي جعلته أحد أعلام السينما الأهم لدينا وفي العالم.

وقد عاونه مثلاً تلميذه النجيب المخرج القدير يسري نصر الله، في كتابة “الوداع يا بونابرت”، وفي كتابة سواه (كما يشير في حلقة استضافته من برنامج “أنا وأنا” ـ مع المذيعة سمر يسري، رأيناه على قناة أون تي في 4/8/2018)

كتب شاهين فيلم “الآخر” 1999 وغيره مع تلميذه المتميز أيضاً والمخرج المقتدر خالد يوسف، بالمرحلة الثالثة.

فكان شاهين، في كثير من أفلام هذه المرحلة هو الكاتب الأساسي، تعبيراً عن “فكرة ما تلح عليه” وتجسيداً درامياً لرؤية لديه، (مثل قضايا الإرهاب باسم الدين في “المصير” 1997، والنظام العالمي الجديد و”العولمة” أو “الأمركة” في “الآخر”)

وما كان أي مشارك آخر، في هذه الأعمال، سوى من يساعد ويعين، وتحقيق ما يرجو أو يرنو إليه الأستاذ”

نحسب أنه ليس يوسف شاهين وحده، هو الذي ليس لديه ملكات البراعة والاقتدار في كتابة السيناريو، على مدار تاريخ السينما المصرية.

ونحسب أيضاً أن المخرج القدير داود عبد السيد هو من الاستثناءات (إن لم يكن هو الاستثناء)، الذي يؤكد هذه القاعدة، فهو كاتب سيناريو ومجسد درامياً للفيلم السينمائي، بنفس الموهبة في إخراج الفيلم.

ونحسب ثالثاً، أن هذه ميزة كبرى ترصد في صالح عبد السيد وسينماه، لكن وبنفس القدر فإن افتقادها لدى سواه، ليس مما ينقص منهم وسينماهم بأي درجة أو على أي نحو من الأنحاء.

ثم نحسب رابعاً ـ أخيراً هنا ـ أن قيم الفن السابع، فن القرن العشرين، ومفاهيمه الكبرى الجمالية والفلسفية، التي استقرت أو تبلورت خاصة منذ أواسط القرن العشرين، بينها أن السينما ليست كما كان يشاع في مراحل إرهاصاتها وبداياتها عادة هي “فن جماعي”

 إنها مثل أي فن إنساني آخر إبداع فردي حر لإنسان فنان، أن هذا الفنان في فن السينما هو “المخرج السينمائي”

ومن هنا ظهرت الاصطلاحات ذائعة الصيت: “فنان السينما”، و”سينما المؤلف”، و”الكاميرا: القلم”.. إلى ما غير ذلك.

فالكاميرا لدى مخرجنا السينمائي، تظل كالقلم لدى الشاعر والروائي والقاص، أو الريشة لدى الرسام.. إلى آخره

ولم يكن المؤدى الحقيقي لكون هذه “سينما مؤلف”، أن المخرج يؤلفها بالضرورة “قصة وسيناريو وحواراً”، وإنما أن تعبر عن رؤاه الفكرية وتجسيد نظرته للحياة الإنسانية والعالم، وإن استند عمله إلى سيناريو كتبه آخر، أو استمد عمله واستلهمه من نص روائي أو مسرحي.

المهم أن الفيلم في المحصلة النهائية: يعبر عن ذاته وإحساسه وموقفه.. أي المخرج

ونحن نرى أن في صدارة أعمال المرحلة الثالثة، بمسيرة الستين سنة لشاهين: فيلم “المهاجر” 1994، وقد كتبه معه الكاتب والناقد البارز د. رفيق الصبان، لكن تماسك هذا الفيلم درامياً يرجع عندنا أولاً وقبل كل شئ وكل جهد ملحوظ، إلى قوة وقيمة وتماسك قصة و”دراما” النبي يوسف الصديق عليه السلام (أحسن القصص ـ بالتعبير القرآني الكريم) التي يستند إليها فيلم “المهاجر”، ويقدم لها معالجة سينمائية جديدة تستلهم وتستخلص، وتتسم برهافة وبحداثة وتعمق.

ثم نلحظ:

أن أفلام شاهين، فيما اعتبرناه مرحلة سينماه الوسطى، الأنضج وذات الثمار الأروع، استند مخرجنا فيها ـ كلها بلا استثناء ـ إلى سيناريوهات ومعالجات سينمائية، كتبها مجيدون، بل ذات اسم وشأن كبير!.

ففيلم “الأرض” كتبه المبدع الكبير حسن فؤاد عن رواية الأديب القدير عبد الرحمن الشرقاوي المشهورة وبنفس العنوان.

والفيلم التالي “الاختيار”، كتبه الروائي العربي الأكبر نجيب محفوظ.

الفيلم الثالث “العصفور” 1974 ـ وهو عندنا أقل أفلام هذه المرحلة شأناً لأسباب فنية ودرامية وفكرية ـ كتبه الكاتب السياسي والأديب اليساري البارز لطفي الخولي.

الفيلم الرابع “عودة الابن الضال” وبقدر ما هو تحفة أحد شوامخ المخرج يوسف شاهين، هو تحفة العبقري صلاح جاهين كتابة ومعالجة وأغنيات.
والفيلم الخامس “إسكندرية ليه” أول رباعية السيرة الذاتية لشاهين كتبه المبدع الرائع محسن زايد.

ثم استند شاهين إلى إبداع الأديب العملاق يوسف إدريس في فيلم الجزء الثاني من هذه السيرة الذاتية “حدوتة مصرية”
ولعل المفارقة، التي قد نختم بها هذه السطور.
أن هذين الجزئين/ الفيلمين: أعلى أفلام رباعية السيرة الذاتية الشاهينية شأناً، ومن أرفع أفلام مسيرته السينمائية عامة.

مع مهندس الديكور الراحل حامد حمدان في فيلم هي فوضى
مع مهندس الديكور الراحل حامد حمدان في فيلم هي فوضى

لم يستند فيها شاهين إلى كتابته هو “شخصياً” لهما، مع أنهما عنه.شخصياً، وسيرته هو، حياته، بتفاصيلها، ودقائقها.

لكنه ذهب بما لديه من تفاصيل ودقائق، وحياة زاخرة على مختلف الأصعدة والجوانب إلى كاتبين بارعين قديرين، ليضعا الأساس على الأقل.

(نقول ذلك، على الرغم من مزايا مؤكدة تمتع بها كل من فيلمي السيرة الذاتية الثالث “إسكندرية كمان وكمان” 1990، والرابع “إسكندرية ـ نيويورك” 2004، خاصة الثالث.

محمود المليجي ومحسنة توفيق في قيلم اسكندرية ليه أول افلام السيرة الذاتية ليوسف شاهين
محمود المليجي ومحسنة توفيق في قيلم اسكندرية ليه أول افلام السيرة الذاتية ليوسف شاهين

إن هذا شأن مجمل أفلام المرحلة الثالثة

فعلى الرغم من كل التحفظات أو النواقص، تمتعت أفلام ـ وأمتعت ـ بمزايا مؤكدة جميلة.

مثل: اليوم السادس 1986 ـ المصير 1997 ـ الاخر 1999 ـ سكوت هنصور 2001، وغيرها، ورؤية ثورية تحريضية، بليغة وبالغة النبل في فيلم الوداع “هي فوضى”، الذي شارك شاهين في إخراجه خالد يوسف عام 2007)

وبعد

نخلص: إلى أن لشاهين دوماً ومنذ أول أفلامه “بابا أمين” مروراً بأي فيلم في مسيرته، الحافلة بتنوع تجارب الأفلام، وجمال وتجديد التعبير، والانشغال بقضايا حقيقية، والإنجاز المستمر والدأب حتى آخر العمر له عبر مختلف المحطات:

تدخلاته الحميدةمفيدة في السيناريو  ومثل كل “فنان سينمائي حقيقي”

لكنه في مرحلته الأخيرة اعتمد أكثر من أية مرحلة أخرى، على “نفسه” في السيناريو وأيضا الحوار.
اعتمد أكثر من اللازم.

شارك المقال: