هل كانت السودان جزءا من مصر؟ (10)
أدت المذكرة الشهيرة التي أرسلها مؤتمر الخريجين في أبريل 1942 إلى الحاكم البريطاني، والتي طالبت بحق تقرير المصير للسودان، إلى فتح فصل جديد من الصراعات والانقسامات

صورة مستوحاة من سلسلة المقالات
النهاية الحزينة لمؤتمر الخريجين
أدت المذكرة الشهيرة التي أرسلها مؤتمر الخريجين في أبريل 1942 إلى الحاكم البريطاني، والتي طالبت بحق تقرير المصير للسودان، إلى فتح فصل جديد من الصراعات والانقسامات.
فقد وقع صدام بين الإدارة البريطانية والمؤتمر، الذي رأى أن رفض بريطانيا للمذكرة جاء بأسلوب متعجرف ومهين.
على إثر ذلك، انقسم أعضاء المؤتمر إلى معسكرين:
الأول بقيادة “إبراهيم أحمد”، رئيس المؤتمر، الذي رأى ضرورة استمرار العلاقة مع الإدارة البريطانية رغم رفض المذكرة
والثاني، بقيادة “إسماعيل الأزهري”، الذي رفض استمرار التفاهم مع البريطانيين.
كما دارت معركة أخرى داخل المؤتمر بين الزعيمين الدينيين علي الميرغني، زعيم طائفة الختمية المؤيد لوحدة وادي النيل، وعبد الرحمن المهدي زعيم طائفة الانصار الذي يرفض ربط السودان بمصر.
ساهمت المنافسة الحادة والطموحات الشخصية للزعيمين في تعميق الاستقطاب المدمر بين الاعضاء، ما أدى إلى تشتتهم بين دعاة الاتحاد مع مصر، ودعاة التحالف مع بريطانيا، ودعاة الاستقلال.
كما أدي التنافس الشرس على الكراسي القيادية للمؤتمر في اللجوء إلى الطائفية طلبا للدعم، وهو ما شكل بداية انكفاء المؤتمر عن دوره الوطني الجامع.
في عام 1943، أُطيح برئيس المؤتمر إبراهيم أحمد المدعوم من طائفة الأنصار، وتم انتخاب “إسماعيل الأزهري” رئيسا بدعم من طائفة الختمية.
انسحب الأنصار على أثر ذلك من المؤتمر وأسسوا حزب الأمة رافعين شعار السودان للسودانيين.
فشكل “الازهري” حزب الأشقاء بالتحالف مع الختمية وشعاره الوحدة مع مصر، وأدى هذا التحول إلى انقسام الحركة الوطنية.
هذا الانقسام استغلته دولتا الحكم الثنائي، مصر وبريطانيا، إذ دعمت كل منهما الحزب الذي يتوافق مع مصالحها، وهكذا غرق مؤتمر الخريجين في دوامة الصراعات الداخلية التي أفرزت الأحزاب المختلفة، ليتحول المؤتمر إلى مجرد واجهة شكلية.
جاءت النهاية الفعلية للمؤتمر عام 1945، عندما تم دمجه في الحزب الوطني الاتحادي الذي تأسس بدلا من حزب الأشقاء، وبذلك انسدل الستار على أهم التجارب الوطنية السياسية في تاريخ السودان.
علي الأفريقي يواصل تسأولاته: هل كان السودان جزءا من مصر؟ (4)
علي الأفريقي يجيب: هل كانت السودان جزءا من مصر؟ (3)
دراسة علي الأفريقي: هل كانت السودان جزءا من مصر؟ (2)
علي الأفريقي يفند: هل كان السودان جزءًا من مصر؟ (1)
السودان لا يلدغ من معاهدة مرتين
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية طلب النقراشي باشا رئيس وزراء مصر من بريطانيا فتح المفاوضات لإعادة النظر في معاهدة 1936.
حيث أن بنود المعاهدة تمس باستقلال مصر وكرامتها خاصة ما يتعلق بمسالة جلاء القوات البريطانية، وقضية وحدة وادي النيل.
ردت الحكومة البريطانية بان المبادئ الأساسية للمعاهدة سليمة في جوهرها، وأبدت استعدادها لإعادة النظر في بعض احكامها.
ومع اقتناع الجماهير المصرية باصرار البريطانيين على التمسك بمعاهدة 1936 اندلعت مظاهرات كبري عمت ارجاء مصر.
على إثر المظاهرات استقال “النقراشي باشا”، وتولي رئاسة الوزراء من يستطيع كبح جماح الجماهير العنيدة وهو “إسماعيل صدقي باشا” والذي قرر السفر إلى بريطانيا ليقابل وزير خارجيتها “بيفن” لبدء مفاوضات جديدة حول الجلاء، وتسوية مسالة السودان عقدة العقد.

عندما علم السودانيون بدخول مصر في مفاوضات مع بريطانيا بشان معاهدة 1936 قرر زعماء الاحزاب السودانية الاسراع للمشاركة بوفد رسمي في تلك المفاوضات حتي لا تتخذ قرارات تخص مستقبل السودان دون علمه أو إرادة شعبه.
وكما حدث في المعاهدة السابقة، واعلن حزب الامة بقيادة “المهدي” استعداده للتكاتف والتحالف مع بقية الاحزاب.
لكن ظهرت مشاكل بينهم حيث اختلفوا في نسب تمثيل كل حزب داخل الوفد المسافر الي مصر، واختلفوا حول المطالب الوطنية.
حزب الامة يري استقلال السودان بكامل حدوده الجغرافية مع الحفاظ علي علاقات ودية مع مصر وبريطانيا.

أما الحزب الجمهوري يري قيام سودان جمهوري مستقل رافعا شعار السودان للسودانيين ومصر للمصريين ورافضا التحالف مع بريطانيا.
أما الحزب الشيوعي فيري وضع السودان تحت وصاية مصرية–بريطانية لمدة خمس سنوات، يعقبها الاستقلال التام وجلاء القوات المصرية والبريطانية.
بينما يطالب الحزب الاتحادي وحزب وحدة وادي النيل بالاتحاد مع مصر تحت التاج المصري، اما حزب الاحرار فانقسم الي معسكرين احرار اتحاديين واحرار استقلاليين.
رحلة الوفد السوداني من الاتفاق إلي الانقسام
اتفق وفد الأحزاب السودانية المتجه إلى مصر على نسب تمثيل كل حزب، وأسندت رئاسته لإسماعيل الأزهري، كما توافقوا على طرح مطلب موحد وهو:
“إصدار تصريح مشترك من بريطانيا ومصر يعترف بقيام حكومة سودانية ديمقراطية، ثم تقوم هذه الحكومة لاحقا بتحديد شكل الاتحاد مع مصر، ونوع التحالف مع بريطانيا”
ترحيب مصري
في 22 مارس 1946 وصل الوفد إلى القاهرة، وأعلن “الأزهري” لدى وصوله أن مهمة الوفد هي المشاركة في المفاوضات المصرية البريطانية كطرف ثالث، فيما يخص قضية السودان.
حظي الوفد السوداني في مصر باستقبال حافل من الشعب المصري وترحيب واسع من الأحزاب المصرية، التي حثت أعضاء الوفد على التمسك بوحدة وادي النيل.
انقسام الأحزاب السودانية
بدأت الانقسامات بين الوفد السوداني؛ فالبعض راي ضرورة ربط قضية السودان بالقضية المصرية، والمطالبة بوحدة وادي النيل تحت تاج الفاروق، مقابل الحصول على تعهد مصري بعدم توقيع أي معاهدة دون حل قضية السودان.
وفي المقابل، رفض ممثلو حزب الأمة هذا التوجه، وتمسكوا بالمطلب الأساسي الذي اتفقوا عليه قبل السفر.
فأعلن “الأزهري” أن حزب الأمة لم يعد ممثلًا في الوفد الرسمي، فتكهربت الأجواء، وانسحب حزب الأمة ومعه الأحزاب الاستقلالية الأخرى.
أعلن المنسحبون أن الوفد السوداني تعرض لضغوط كبيرة من الأحزاب والهيئات المصرية، ما أدى إلى تراجع بعض أعضائه عن المطلب الأصلي للوفد.
ورد “الأزهري” أن جوهر المطالب السودانية هو الجلاء التام للإنجليز عن مصر والسودان، وأن مسألة الوحدة شأن داخلي يخص المصريين والسودانيين، وهي لا تجيء إلا بعد تحقق الجلاء.
استغلال بريطاني للانقسام
استغلت بريطانيا هذا الانقسام، فأمرت حاكم السودان بالإسراع في سودنة الخدمة المدنية وأجهزة الحكومة، لمواجهة الضغوط المصرية على الوفد السوداني.
كما أصدرت بيانا رسميا بأنها لن تجري أي تغيير في مركز السودان خلال مفاوضاتها مع مصر إلا بعد استشارة السودانيين.
وأنها تؤيد تعيين السودانيين في المناصب الحكومية العليا لإعدادهم للحكم الذاتي، كخطوة أولى على طريق الاستقلال.






