مقالات
أحمد عبد الجواد
أحمد عبد الجواد

إعلامي وكاتب وشاعر

مقامات الصوفية (22) مقام الاستحالة

في "كيمياء الكتابة"، فإن المقام يقتضي تحويل "اللغة المستهلكة" والمواضيع "اليومية العابرة" إلى نصوص تحمل طابع الأبدية.

مشاركة:
حجم الخط:

عتبة المقام: من الرصاص إلى الذهب

في الكيمياء القديمة كان الهدف هو تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب إبريز، وفي التصوف هي عملية تحويل “النفس الأمارة” إلى “نفس مطمئنة” عبر بوتقة المجاهدة.

أما في “كيمياء الكتابة”، فإن المقام يقتضي تحويل “اللغة المستهلكة” والمواضيع “اليومية العابرة” إلى نصوص تحمل طابع الأبدية.

الكاتب السالك هنا هو “خيميائي لغوي” لا يبحث عن مواضيع خارقة، بل يبحث عن “الخارق” الكامن في العادي.

​أولاً: تقديس التفاصيل الصغيرة

الصوفي يرى في “قطرة الندى” تجلياً للبحر المحيط، وفي “الذرة” رقصة للأكوان.

في الأدب الحديث، نجد هذا التجلي عند مارسيل بروست في ملحمته “بحثاً عن الزمن المفقود”؛ حيث تتحول قطعة “كعكة المادلين” من مجرد طعام عابر إلى مفتاح يفتح أبواب الذاكرة والوجود.

هذا هو “مقام الاستحالة” حيث تُقطّر المادة الحسية لتصبح جوهراً روحياً. الكاتب هنا لا يصف الكعكة، بل يستجلي “الزمن” الكامن فيها.

​ثانياً: أنسنة الأشياء (جماليات التشيؤ الصوفي)

في شعر فرانسيس بونج وتحديداً في كتابه “تحيز للأشياء”، نجد محاولة لاختراق حجاب الأشياء (الحجر، الصابون، المحار).

بونج يكتب “من داخل الشيء” وليس عنه، وهو ما يشبه “الفناء في المذكور” عند الصوفية.

عندما يكتب عن “الحجر”، فإنه يمارس نوعاً من التوحد الوجداني يرفع الحجر من رتبة الجماد المهمل إلى رتبة الكيان الذي ينطق بالحكمة الصامتة.

هذا التحويل هو جوهر الصنعة التي تجعل القارئ يرى العالم كأنه يراه لأول مرة.

ثالثاً: استحالة الألم إلى نور.. بدر شاكر السياب نموذجاً

في الأدب العربي الحديث، يبرز السياب كخيميائي للألم. في قصائده الأخيرة وهو على فراش المرض، لم يعد الجسد المعتل عائقاً بل صار جسراً.

تحول الأنين إلى إيقاع، وتحولت الحمى إلى “رؤيا”. في قصيدة “سفر أيوب”، نجد استحالة الوجع الشخصي إلى صرخة كونية تتقاطع مع صبر الأنبياء ووجد العارفين.

السياب هنا لم يكتب شكوى طبية، بل مارس “كيمياء الحرف” التي تهرس الألم لتستخرج منه عطر الشعر الخالد.

​رابعاً: كيمياء الحذف والإضافة (طريقة الكتابة)

إن منهج الكتابة في هذا المقام يعتمد على “التنقية”؛ أي تخليص المعنى من شوائب الثرثرة. الكتابة هي “تقطير” للواقع وليست “نسخاً” له.

الكاتب الذي يدرك مقام الاستحالة يعرف أن “الكلمة” ليست مجرد صوت، بل هي “عنصر فعال” قادره على تغيير وعي القارئ.

إن وضع الكلمة العادية في سياق “وجداني” غير متوقع هو ما يمنحها قدسيتها، تماماً كما أن السجود هو حركة بدنية عادية، لكن “النية” تحولها إلى صلة بالمتعال.

​خاتمة المقام:

عزيزي المبدع، إن مقام الاستحالة هو مقام “الخلق الثاني” للأشياء. الكاتب لا يكتفي بما هو موجود، بل يعيد صياغة الوجود داخل مختبره اللغوي.

لكي تبلغ هذا المقام، عليك أن تنظر إلى أصغر تفاصيل حياتك اليومية كأنها “رموز” تنتظر من يفك شفرتها.

الكتابة هي الصلاة التي تحول خبز الحياة اليومية إلى نبيذ للروح، وهي البوتقة التي يذوب فيها العالم ليولد من جديد فوق الصفحة البيضاء.

شارك المقال: