زلزال ما بعد خامنئي.. هل تصمد دولة الولي الفقيه أم تنزلق إيران نحو الهاوية؟
إيران بعد الضربة الكبرى: من يرث السلطة… ومن يشعل الحرب؟

طهران – (قراءة تحليلية): في هجوم صاعق غيّر ملامح الشرق الأوسط في وضح النهار، وضعت الضربة “الأمريكية – الإسرائيلية” المنسقة، والتي استهدفت رأس الهرم القيادي في طهران ومرافقها الحيوية، الدولة الإيرانية أمام أخطر مفترق طرق في تاريخها الحديث. غياب المرشد الأعلى علي خامنئي لا يمثل مجرد فراغ في السلطة، بل هو زلزال سياسي وعسكري يفتح الباب أمام احتمالات معقدة تتأرجح بين صمود مؤسساتي صارم، أو انهيار داخلي وحرب أهلية.
“ضربة قطع الرأس”.. هل تنجح؟ في قراءة متعمقة للبنية الإيرانية، يستبعد الباحث في جامعة “رويال هولواي” بلندن، علي هاشم، (في مقال له بمجلة فورين بوليسي)، سيناريو الانهيار السريع الذي تراهن عليه واشنطن وتل أبيب. ويرى هاشم أن النظام الإيراني صُمم بهندسة معقدة لامتصاص الصدمات الكبرى والاغتيالات، مستنداً إلى آليات دستورية وأمنية متجذرة. وبدلاً من السقوط الفوري إثر “ضربة قطع الرأس”، قد يؤدي هذا الاستهداف إلى نتيجة عكسية تتمثل في رصّ صفوف أجهزة الدولة -وعلى رأسها الحرس الثوري- واعتماد إستراتيجيات دفاعية لامركزية تضمن بقاء كيان “الجمهورية الإسلامية”.
صراع الأجنحة وسقوط “العباءة الدينية“ على النقيض من ذلك، يدق كريم سجادبور، كبير محللي مؤسسة “كارنيغي” (في مقال بمجلة فورين أفيرز)، ناقوس الخطر محذراً من “أزمة وجودية” تعصف بالداخل الإيراني. ويرى سجادبور أن رحيل المرشد سيشعل فتيل صراع دموي على السلطة بين أجنحة النظام المتناحرة. التوقع الأبرز هنا هو انقضاض التيار الراديكالي والحرس الثوري على مفاصل الدولة، وهو ما قد يحول إيران إلى دكتاتورية عسكرية صريحة، مجردة من الغطاء الديني التقليدي الذي كان يوفره منصب “الولي الفقيه”. وما يزيد المشهد تعقيداً، هو حالة الانقسام الشعبي الحاد بين الخوف من ويلات الحرب والابتهاج برحيل القيادة، مما يجعل طريق أي خليفة محتمل لفرض شرعيته محفوفاً بمخاطر اندلاع اضطرابات واسعة قد تتطور إلى حرب أهلية يصعب إخمادها.
“عقيدة ترمب” على المحك وشبح “عراق بوش“ ميدانياً، لم تقف طهران مكتوفة الأيدي؛ فالرد الانتقامي بالصواريخ والمسيّرات الذي طال إسرائيل والقواعد الأمريكية، دفع المنطقة إلى أتون صراع مفتوح يضع “عقيدة ترمب” تحت اختبار قاسٍ. الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يجد نفسه اليوم محاصراً بين رغبته في فرض الردع العسكري الحاسم، وبين قاعدة انتخابية تطالبه بنتائج سريعة وتخشى الانزلاق في مستنقع “حرب استنزاف” تعيد للأذهان كابوس غزو العراق في عهد بوش الابن عام 2003. هذا الضغط، وفقاً لسجادبور، قد يجبر واشنطن على البحث عن مخارج سياسية طارئة لتجنب فوضى شاملة قد تضرب عصب أمن الطاقة العالمي واستقرار الإقليم برمته.
من يرث القوة؟ وبالنظر إلى المشهد الضبابي، يطفو اسم المعارض “رضا بهلوي” كوجه محتمل في أي مرحلة انتقالية، غير أن لغة الميدان تؤكد أن “الحرس الثوري”، بما يملكه من إمبراطورية اقتصادية وعسكرية، يظل “صانع الملوك” والمتحكم الأول في مصير النظام. نحن أمام مسارين لا ثالث لهما: إما أن يحافظ الحرس الثوري على تماسكه وينصب خليفة متشدداً لتدخل البلاد في عزلة وعسكرة غير مسبوقة، أو أن تتصدع ولاءاته الداخلية تحت وطأة الضربات، لتواجه إيران خطر التفتت وحرب المليشيات.
خلاصة القول.. سواء صدقت رؤية “الصلابة المؤسسية” أو تحققت نبوءة “الأزمة الوجودية”، فإن الحقيقة الثابتة الوحيدة اليوم هي أن: “إيران ما قبل الضربة، ليست أبدًا إيران ما بعدها“. لقد انكسر حاجز الردع المباشر، ودخلت البلاد نفقاً مظلماً يتصارع فيه الفرقاء على الهوية والشرعية والبقاء، وسط حبس أنفاس عالمي لما ستسفر عنه الأيام القادمة من تداعيات قد تحرق شرارتها الإقليم بأسره.
المصادر: مجلتي فورين أفيرز، وفورين بوليسي
رابط المقال المختصر:





