د. مجدي قرقر يكتب: ماهو تفسير (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ)؟
في شأن ذرية آدم ذكر كتابه العزيز متحديا كفار قريش: "فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ"

لوحة تفسيرية للمعني (مولدة)
إشارة علمية في خلق آدم عليه السلام على مراحل
في خلق آدم عليه السلام ذكر رب العزة في قرآنه الكريم: “إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ اللَّـهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ” (آل عمران 59)
“وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ” (السجدة 7)
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (الحجر 26)
“خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ” (الرحمن 14)
وغيرها من الآيات التي لم تخرج في ذكر خلقه عن هذا
(تراب، طين، حمأ مسنون، صلصال، فخار)
كيف نفهم هذه الآيات مع بعضها البعض؟
كان هذا موضوع مقالنا السابق بعنوان “هل خلق آدم عليه السلام من تراب أم من طين أم من صلصال؟ إشارة علمية في خلق آدم عليه السلام على مراحل”
د. مجدي قرقر يكتب: هل هناك أهل ذكر في الإسلام أم لا؟
د. مجدي قرقر يكتب: هل خلق آدم عليه السلام من تراب؟
“إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ”
في شأن ذرية آدم ذكر كتابه العزيز متحديا كفار قريش: “فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ” (الصافات 11)
ولهذه الآية الكريمة معي قصة:
درست مقرر “ميكانيكا التربة والأساسات” منذ ما يزيد على الخمسين عاما وقت أن كنت طالبا بقسم الهندسة المدنية بكلية الهندسة جامعة القاهرة، وبعد تخرجي وتعييني بالجامعة قمت بتدريس هذا المقرر لطلبة التخطيط العمراني وحتى يومنا هذا.
ومن يومها تعرفت على خصائص الطين
ومن أهم خصائصه التي عرفتها أن جزيئاته صفائحية (على هيئة صحائف ورقية) وأنها متناهية الصغر (تقاس أبعادها بالميكرو مليميتر)
وأن الطين يستمد قوته من تماسك حبيباته (تلاصق Cohesion)، على عكس الرمل والزلط والذي تتكون جزيئاتهما من حبيبات خشنة، وغير منتظمة الشكل.

منذ سنوات شاء الله سبحانه أن أُحبس في قضية سياسية
ولا يملأ وقتي في محبسي سوى القرآن الكريم وتدبر آياته، قرأت هذه الآية في كتابه العزيز ولم أفهمها.
المصحف الذي كان متاحا لي في محبسي يحتوي معاني كلمات منقولة من كتاب “كلمات القرآن – تفسير وبيان” لفضيلة الشيخ حسنين مخلوف فوجدت أن كلمة لازب تعني (ملتصق بعضه ببعض).
ملتصق بعضه ببعض؟
أصحيح ما قرأته؟
أفرك عينيَّ، أعيد القراءة، أجل إنه التلاصق، التماسك (Cohesion) التي أعرفها منذ خمسين عاما!
تعجبت وبكيت وسجدت لله شاكرا أن هداني لهذه الإشارة العلمية بعد هذا العمر الطويل.
الآن فقط وبعد خمسين عاما ارتبط المعنى اللغوي لكلمة (لازب أي متلاصق) بالمفهوم العلمي (متماسك Cohesive).
أنواع التربة، المسمى والخصائص
إلى التفاصيل:
التربة نوعان تربة صخرية وتربة غير صخرية، والتربة الصخرية ليست موضوعنا في هذا المقال، أما التربة غير الصخرية فتنقسم إلى ثلاثة أنواع:
1- تربة خشنة غير متماسكة (Granular soils, Cohesionless soils)
من أنواعها (الزلط والرمل) وقد يضاف إليهما كسر الحجر.
ومن خصائص هذه التربة أن حبيباتها غير منتظمة الشكل وحوافها حادة غالبا، متدرجة أو غير متدرجة في مقاس حبيباتها ويتراوح حجمها بين (60 مم، 2 مم) للزلط وبين (2 مم، 0.06 مم) للرمل.
وتستمد هذه التربة قوة تحملها من تداخل حبيباتها وما ينتج عنه من احتكاك (Friction) وكلما زادت كثافتها وتداخلت حبيباتها زادت قوة تحملها (مثل برطمان السكر الممتلئ إذا قمت بهزه تناقص حجم السكر بداخله وزادت كثافته).
دعنا من السكر ولنعد إلى التربة الخشنة (الرمل والزلط) التي تنقسم من حيث قوة التحمل والكثافة إلى خمس درجات (كثيفة جدا، كثيفة، متوسطة الكثافة، سائبة، سائبة جدا)
2- تربة ناعمة متماسكة (Cohesive Soils) كالطين
ومن خصائص هذه التربة أن حبيباتها ورقية (صفائحية) وحجمها أقل من (0.002 مم)
وخاصيتي التماسك وشكل جزيئات التربة من أبرز الخصائص التي تميز الطين عن التربة الخشنة.
وتستمد التربة الطينية قوة تحملها من طريقة تراص جزيئاتها ودرجة التماسك بينها، وتنقسم من حيث قوة التحمل إلى ست درجات (جامدة، صلبة جدا، صلبة، متوسطة التماسك، رخوة، رخوة جدا)
3- وبين النوعين السابقين توجد تربة الطمي
التي تجمع بين خصائص التربة الخشنة غير المتماسكة والتربة الناعمة المتماسكة.
ومن خصائص هذه التربة أن حبيباتها غير منتظمة الشكل أشبه بالتربة الخشنة ويتراوح حجمها بين (0.06 مم، 0.002 مم) للرمل.
وتستمد هذه التربة قوة تحملها من الاحتكاك بين حبيباتها كما تستمدها من قوة التماسك بين هذه الحبيبات، وكلما زادت كثافتها وزاد التماسك بين حبيباتها زادت قوة تحملها.
خاتمة
إذن الإشارة العلمية الواضحة في آية “فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ” (11 الصافات)
والتفسير العلمي لها هو:
إن الطين اللازب يعني المتماسك أو المتلاصق وهذه أهم خصائص تربة الطين من وجهة النظر العلمية الهندسية.
تمتلأ آيات القرآن الكريم بمئات من هذه الإشارات العلمية ولكننا للأسف لا ننتبه لها إلا بعد رصدنا للظواهر والنظريات العلمية.
لو أدركنا مثل هذه الإشارات مبكرًا لربما أسهمت في توجيه البحث العلمي إلى بعض المسارات الواعدة من خلال إشارات علمية بين أيدينا ولم ننتبه إليها.
المقال محاولة في التفسير العلمي لآية من آيات الإشارات العلمية في القرآن الكريم، فإن أصابت المحاولة فبها ونعمت والحمد لله رب العالمين.
وإن أثبتت النظريات العلمية فيما قابل من الأيام غير ذلك فالخطأ مردود على من قام بالتفسير العلمي وتنزه نص القرآن عن الخطأ أو الإخضاع لنظريات علمية من طبيعتها التغير.






