مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

معتز منصور يكتب: عندما تصبح الممرات سلاحًا

من يملك القدرة على التأثير في الممرات لا يسيطر على الأرض فقط، بل يملك قدرة على إبطاء حركة الآخرين أو تغيير حساباتهم.

مشاركة:
حجم الخط:

 الحرب التي تعيد تعريف القوة

في الحروب الكبرى لا تكون الضربة الأولى دائمًا هي اللحظة الأهم. فبعض التحولات تبدأ قبل سقوط الصواريخ، عندما تدرك قوة كبرى أن الأدوات التي صنعت تفوقها لم تعد تمنحها النتيجة نفسها، وعندما يكتشف خصمها أن مواجهة القوة الأكبر لا تكون بمحاكاتها، بل بإجبارها على القتال في مساحة لا تملك فيها الحسم الكامل.

ولهذا فإن ما يجري حول إيران والخليج لا يمكن قراءته كسلسلة من الضربات والردود. الصراع أوسع من الأهداف العسكرية التي تظهر في البيانات، فهو اختبار لقدرة نظام كامل على الحفاظ على قواعده عندما تظهر قوى قادرة على تعطيلها.

لم تعد الحرب تُقاس فقط بحجم النار التي يستطيع طرف إطلاقها، بل بقدرته على حماية ما يمنحه القدرة على الاستمرار: شبكات الإمداد، والبنية الاقتصادية، والعمق الجغرافي، والقدرة على امتصاص الضربة الأولى ثم إعادة إنتاج القوة.

لهذا يتركز الضغط الأميركي على البنية التي تمنح إيران قدرتها على الصمود. فالمسألة لا تتعلق بمنشأة واحدة أو موقع يمكن تدميره ثم إعلان انتهاء المهمة، بل بمنظومة تراكمت عبر سنوات، تضم منشآت محصنة، وقدرات إنتاج، وشبكات دعم، ومساحات واسعة تسمح بإعادة الانتشار وتوزيع الخسائر.

وهنا تكمن صعوبة المواجهة. فالقوة التي لا تعتمد على مركز واحد لا تنهار بسقوط موقع، كما أن تدمير جزء من المنظومة لا يعني بالضرورة إنهاء قدرتها على العمل.

ومع مرور الوقت لا تتغير فقط حسابات الطرفين، بل تتغير قيمة الضربة نفسها. فالخصم الذي يستطيع إعادة بناء قدراته وتغيير أماكنها يجعل أي انتصار عسكري أقل قدرة على التحول إلى مكسب سياسي دائم.

معتز منصور يكتب: هرمز ونهاية الإيقاع الأمريكي

معتز منصور يكتب: إيران صراع القوة على تعريف الدولة؟

تدرك إيران أن ميزان القوة التقليدي يميل لمصلحة الولايات المتحدة، ولذلك لا تبني استراتيجيتها على مواجهة متماثلة. هدفها ليس منع الضربة فقط، بل جعل نتائجها غير مضمونة، وتحويل نقاط ضعف الخصم إلى عناصر ضغط عليه.

من هنا جاءت القيمة الجديدة للممرات البحرية والموانئ. فلم تعد هذه المواقع مجرد طرق لحركة التجارة، بل أصبحت نقاطًا يمكن من خلالها التأثير في حركة الطاقة، واستقرار الأسواق، وحسابات الدول التي تعتمد على استمرار التدفق الآمن.

فعندما تصبح حركة النفط والتجارة معرضة للخطر، لا يبقى أثر الصراع داخل حدود الدول المتحاربة. ينتقل إلى الاقتصاد العالمي، وإلى قرارات الحكومات والشركات التي تعيد حساباتها تحت ضغط عدم اليقين.

الجغرافيا في هذه الحالة لا تكون خلفية للصراع، بل جزءًا من أدواته. فمن يملك القدرة على التأثير في الممرات لا يسيطر على الأرض فقط، بل يملك قدرة على إبطاء حركة الآخرين أو تغيير حساباتهم.

ولهذا تكتسب مناطق مثل هرمز وباب المندب والموانئ الخليجية قيمة تتجاوز موقعها الجغرافي. فهي عقد تتحرك عبرها الطاقة والتجارة والنفوذ.

ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم تقم الهيمنة الأميركية على التفوق العسكري وحده، بل على القدرة على ضمان حركة العالم وفق نظام تملك واشنطن مفاتيحه الأساسية: البحار المفتوحة، طرق التجارة، وتدفق الطاقة.

ولهذا فإن ظهور قوى قادرة على تهديد هذه المعادلة لا يمثل مجرد تحد عسكري، بل يمثل اختبارًا لأحد الأسس التي قامت عليها القوة الأميركية.

فامتلاك القدرة على تدمير هدف لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على صناعة واقع جديد. يمكن لدولة أن تحقق تفوقًا في الميدان، لكنها قد تفشل في تحويله إلى نتيجة سياسية إذا بقي خصمها قادرًا على إعادة التموضع والاستمرار.

ولهذا لم تعد الحروب الحديثة تُحسم في ساحة واحدة. السماء والبحر والاقتصاد والسياسة والإعلام أصبحت أجزاء من معركة واحدة، ومن ينجح في إدارة هذه المستويات المتداخلة يمتلك فرصة أكبر في فرض شروطه.

وتحاول واشنطن التعامل مع هذا النوع من الصراعات عبر توزيع الأدوار والضغوط، بدل تحمل العبء المباشر لكل مواجهة. فالحلفاء والشركاء يتحولون إلى أدوات ضمن شبكة أوسع من التأثير.

لكن نقل الصراع إلى البيئات المحلية يحمل خطرًا يتجاوز الحسابات العسكرية. فالمجتمعات التي تتحول إلى ساحات صراع بين القوى الكبرى لا تدفع فقط ثمن المواجهة الخارجية، بل تصبح معرضة لاختلالات داخلية يصعب احتواؤها.

في لبنان، لا يتعلق الصراع فقط بالقدرات العسكرية لحزب الله، بل بمحاولة التأثير في البيئة التي تمنح هذه القوة قدرتها على الحركة. فإضعاف الخصم لا يكون دائمًا بتدمير أدواته، بل بمحاولة تغيير الظروف التي يعمل داخلها.

أما داخل إيران، فإن تراجع مساحة التفاوض لمصلحة منطق الردع يعكس إدراكًا بأن الصراع دخل مرحلة مختلفة. فعندما يرى طرف أن التفاوض يمنح خصمه فرصة لإعادة ترتيب أوراقه، يصبح التشدد وسيلة لمنع فقدان المبادرة.

الخطر الحقيقي أن يصل الطرفان إلى مرحلة تصبح فيها كلفة التراجع أعلى من كلفة المواجهة.

ولهذا فإن الحديث عن ضربة حاسمة أو انتصار سريع يحتاج إلى الحذر. فالتاريخ الحديث مليء بحروب نجحت فيها القوى الكبرى في تدمير أهداف كثيرة، لكنها فشلت في فرض النهاية التي أرادتها.

الدول لا تسقط دائمًا عندما تُصاب، بل عندما تفقد القدرة على إعادة إنتاج قوتها.

ولهذا فإن السؤال الأهم ليس من يستطيع توجيه الضربة الأقوى، بل من يستطيع إدارة ما بعدها.

فالطرف الذي يحافظ على اقتصاده، وتماسكه الداخلي، وقدرته على التكيف، هو الطرف الذي يمتلك فرصة أكبر في التأثير على شكل المرحلة القادمة.

ما يجري اليوم يتجاوز أزمة بين واشنطن وطهران أو صراعًا على نفوذ إقليمي. إنه جزء من انتقال أوسع تتغير فيه طبيعة القوة نفسها.

لم تعد القوة فقط في امتلاك أدوات التدمير، بل في القدرة على التحكم في الحركة: حركة الطاقة، والتجارة، والتحالفات، والزمن.

ومن يملك القدرة على التأثير في هذه الحركة، لا يملك فقط أدوات الصراع، بل يشارك في رسم النظام الذي سيولد بعد انتهاء المواجهة.

شارك المقال: