مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

معتز منصور يكتب: أحلام عون

الملحق، كما هو معروض، يبدأ من مسلمة خطيرة، نزع سلاح جميع الجماعات غير التابعة للدولة بوصفه شرطًا مسبقًا وليس نتيجة تسوية سياسية داخلية

مشاركة:
حجم الخط:

النص الذي يُقدَّم بوصفه “ملحقًا أمنيًا سريًا” ليس وثيقة تقنية بقدر ما هو هندسة سياسية كاملة لإعادة تعريف معنى الدولة في لبنان. المشكلة هنا ليست في التفاصيل الإجرائية، بل في الفرضية التي تقوم عليها هذه التفاصيل أصلًا: من يملك حق تعريف الأمن، ومن يملك حق تعريف العدو، ومن يملك حق إدارة الأرض؟

الملحق، كما هو معروض، يبدأ من مسلمة خطيرة، نزع سلاح جميع الجماعات غير التابعة للدولة بوصفه شرطًا مسبقًا وليس نتيجة تسوية سياسية داخلية. هنا يحدث الانقلاب الأول، الدولة لا تُبنى عبر توافق داخلي على احتكار العنف الشرعي، بل تُفرض عليها صيغة جاهزة من الخارج، ثم يُطلب منها التنفيذ.

هذا ليس اتفاقًا أمنيًا بالمعنى التقليدي، بل نموذج وصاية مُقنّع بلغة تقنية.

فكرة “المناطق التجريبية” في جنوب الليطاني تبدو ظاهريًا كآلية إدارة تدريجية، لكنها عمليًا تقسيم وظيفي للسيادة. حين تُختبر السيادة في “نطاقات Pilot Zones”، فهذا يعني أن الدولة نفسها أصبحت مشروعًا تجريبيًا، لا كيانًا مكتمل السيادة. الأخطر أن النموذج يفترض أن “التطهير” شرط سابق للانتشار، وكأن الأرض يجب أن تُعاد هندستها سياسيًا وأمنيًا قبل أن يُسمح للجيش اللبناني نفسه أن يكون موجودًا فيها.

هذا قلبٌ للمعادلة، لا تثبيت لها.

معتز منصور يكتب: من أوقف الحرب؟

معتز منصور يكتب: ماذا يعني أن توقّع السلطة اتفاقًا يشرعن بقاء الاحتلال؟

ثم تأتي نقطة “التحقق عبر جهة ثالثة”. هذه ليست تفصيلًا إداريًا، بل نقل فعلي لجوهر السيادة من الدولة إلى آلية رقابة خارجية. حين يصبح وجود القوات المسلحة اللبنانية مشروطًا بالتحقق من طرف ثالث، فإننا لا نتحدث عن تعاون دولي، بل عن تحويل الجيش إلى منفّذ داخل نظام رقابي فوق وطني.

الأكثر حساسية هو إنشاء “مجموعة التنسيق العسكري للبنان MCG4L”. الاسم وحده يكشف البنية، إدارة ميدانية مشتركة بين طرفين يفترض أنهما في حالة عداء تاريخي، تحت إشراف أمريكي. هذا ليس تنسيقًا لتجنب الاحتكاك، بل قناة إدارة صراع مُقنّنة تُخرج القرار الأمني من المجال السيادي اللبناني إلى غرفة عمليات مشتركة، مرجح أن تكون موازينها غير متكافئة منذ اللحظة الأولى.

النتيجة الطبيعية لهذا التصميم ليست “خفض التوتر”، بل إعادة تعريف من يملك قرار الحرب والسلم على الأرض اللبنانية.

ثم نصل إلى الفقرة الأخطر سياسيًا، الالتزام بنزع سلاح “حزب الله وجميع الجماعات غير التابعة للدولة”. هنا يتم تجاوز كل التعقيد البنيوي للنظام اللبناني، لصالح صيغة أحادية تختزل التوازن الداخلي في مطلب أمني واحد. بهذا المعنى، لا يعود الجيش اللبناني طرفًا في تسوية وطنية، بل أداة تنفيذ لمعيار خارجي يُعيد تشكيل الداخل وفق تعريف واحد للشرعية العسكرية.

هذا النوع من الصياغة لا يُنتج دولة قوية، بل دولة مُفرغة من تناقضاتها، أي دولة بلا سياقها السياسي الحقيقي.

أما بند الانسحاب الإسرائيلي “التدريجي المشروط”، فهو يقدَّم كتنازل، لكنه في الواقع آلية ربط دائم. الانسحاب هنا ليس قرارًا سياديًا نهائيًا، بل مكافأة سلوكية مرتبطة بدرجة الامتثال. بهذه الصيغة يتحول الوجود العسكري إلى أداة ضغط قابلة للاستدعاء، لا ملفًا مُغلقًا.

وهو ما يعني عمليًا أن الاحتلال، أو إعادة الانتشار، يبقى متغيرًا وظيفيًا داخل معادلة قابلة للتجميد والتفعيل.

ثم تأتي الجملة الأكثر دلالة على مستوى البنية الفكرية للنص كله، “استعادة سلطة الدولة اللبنانية الكاملة على كامل أراضيها”. هذه العبارة تبدو وطنية، لكنها مشروطة بالكامل بمنظومة خارجية للتحقق والتنفيذ والتقييم. أي أن “الاستعادة” نفسها ليست قرارًا سياديًا، بل نتيجة اختبار دولي.

هنا المفارقة الجوهرية، الدولة لا تستعيد سيادتها، بل تُمنح شهادة سيادة بعد الامتثال.

هذا النموذج لا يمكن فصله عن الإطار الأوسع لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة بلبنان، خصوصًا القرار 1701 الذي ينص على ترتيبات وقف الأعمال العدائية وتعزيز سلطة الدولة في الجنوب UN Security Council Resolution 1701⁠، ودور قوات اليونيفيل في دعم الاستقرار UNIFIL Official Site⁠. لكن الفارق هنا أن ما يُعرض في هذا الملحق يتجاوز منطق الدعم الدولي إلى منطق الإدارة المباشرة للقرار الأمني المحلي.

ما عنونت له ب “أحلام عون” في هذا السياق ليس حلم دولة قوية، بل حلم دولة منزوعة التوترات بالقوة، حتى لو تطلب ذلك نزع بنيتها السياسية الداخلية أولًا. وهذه بالضبط نقطة الضعف الكبرى في الاتفاق وملحقاته، أنه يفترض أن الأمن يمكن فصله عن السياسة، وأن السيادة يمكن تفكيكها إلى مراحل تقنية دون أن تتحول إلى شكل جديد من الوصاية.

في النهاية، أخطر ما في هذا الملحق ليس ما يقوله، بل ما يتجاهله، أن أي معادلة أمنية في لبنان لا تمر عبر توازن داخلي، تتحول سريعًا إلى إدارة خارجية للأزمة بدل حلها.

شارك المقال: