مصر حيث تنبض الحجارة بالحياة (6) متحف الفن الإسلامي
عندما تقف أمام مبنى المتحف في ميدان باب الخلق، قد تظن للوهلة الأولى أنك أمام مبنى تاريخي جميل فحسب.

متحف الفن الإسلامي بالقاهرة
حين تتحدث التحفة بلغة الحضارة.
هل تخيلت يومًا أن تدخل مكانًا لا تحتاج فيه إلى قراءة كتاب عن الحضارة الإسلامية.
لأن كل قطعة أمامك تقوم مقام كتاب كامل؟
هذا هو متحف الفن الإسلامي بالقاهرة.
هنا لا تصمت الأشياء.
هنا يتحدث النحاس، ويكتب الخشب، ويضيء الزجاج، وينطق الخزف، وتحكي المنسوجات قصة أيدٍ صنعت الجمال منذ قرون.
إنه ليس مجرد متحف يجمع قطعًا قديمة خلف الفتارين؛ وإنما هو رحلة طويلة داخل عالم الإنسان المسلم، وكيف عاش، وكيف فكر، وكيف أبدع، وكيف استطاع أن يحول حاجاته اليومية إلى أعمال فنية بقيت شاهدة على عبقريته.
مصر حيث تنبض الحجارة بالحياة (5) السلطان حسن والرفاعي
من هنا تبدأ الحكاية
عندما تقف أمام مبنى المتحف في ميدان باب الخلق، قد تظن للوهلة الأولى أنك أمام مبنى تاريخي جميل فحسب.
لكن الحقيقة أن هذا المبنى نفسه جزء من الحكاية.
فالمتحف افتُتح رسميًا عام 1903م، وجاءت عمارته متأثرة بروح العمارة الإسلامية، ليصبح أحد أهم المؤسسات المتخصصة في جمع وحفظ ودراسة الفنون الإسلامية.
ومنذ ذلك الوقت، أخذت مقتنياته في النمو حتى أصبح واحدًا من أكبر المتاحف المتخصصة في الفن الإسلامي على مستوى العالم.
وهنا تبدأ المفاجأة.
فالفن الإسلامي ليس مسجدًا وقبة ومئذنة فقط.
إنه عالم كامل.
حضارة كانت ترى الجمال في كل شيء
تجول بعينيك بين المعروضات…
ستجد الخشب، والعاج، والخزف، والزجاج، والمعادن، والنسيج، والسجاد، والمخطوطات، والعملات، والأسلحة، والتحف الفنية، وأدوات الحياة اليومية.
وهنا تكتشف شيئًا مهمًا:
أن الحضارة الإسلامية لم تفصل بين الوظيفة والجمال.
فالكوب يمكن أن يكون قطعة فنية.
والصندوق يمكن أن يتحول إلى تحفة.
والسراج يمكن أن يحمل زخارف مذهلة.
والباب يمكن أن يصبح لوحة هندسية.
والكتاب نفسه يمكن أن يكون عالمًا من الخط والزخرفة والتذهيب.

لقد كان الفنان المسلم يرى أن الأشياء التي نستخدمها كل يوم تستحق أن تكون جميلة.
وهذا أحد أسرار عظمة هذا الفن.
الخط… عندما يصبح الكلام فنًا
ومن بين أروع ما يمكن أن تتأمله في المتحف فنون الكتابة والخط.
* فالخط العربي لم يكن مجرد وسيلة لكتابة الكلمات، وإنما تحول عبر القرون إلى فن قائم بذاته.
آيات قرآنية…نصوص أدبية…كتابات تأسيسية.
أسماء سلاطين وأمراء.
كلها تحولت على يد الخطاط إلى تكوين جمالي يجمع بين المعنى والشكل.
فتقرأ بعينيك…
ثم تتوقف لتتأمل.
وهنا تشعر أن الخط العربي استطاع أن يجعل الكلمة تُرى كما تُقرأ.
والخشب… ذاكرة الأيدي الماهرة
ثم تصل إلى الأعمال الخشبية.
وهنا يجب أن تتأمل التفاصيل الصغيرة.
قطعة من الخشب قد تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنك عندما تقترب منها تكتشف هندسة دقيقة، وتداخلات محسوبة، وتكوينات زخرفية تحتاج إلى صبر ومهارة لا يتصورها الإنسان بسهولة.
وهنا أتذكر دائمًا أن الأثر لا يصنعه الاسم الكبير وحده.
بل تصنعه أيدٍ ماهرة قد لا يعرف أحد أسماء أصحابها.
نجار…نقاش…صانع…زخرفي…
كل واحد منهم ترك جزءًا من روحه داخل القطعة.

لكن للمتحف عندي حكاية خاصة
وهنا اسمحوا لي أن أخرج قليلًا من صفحات التاريخ إلى صفحة من ذاكرتي الشخصية.
فقد كان لي شرف أن أترك بصمة في الحديقة المتحفية، إلى جوار أخي وزميلنا العزيز السيد الشحات رحمه الله.
وكانت أعمالنا في السلسبيل الرخامي والأعمدة الرخامية والعقد الحجري.
لم تكن المهمة مجرد تنظيف أو إصلاح سطحي.
بل كانت أعمال ترميم وصيانة واستكمال لأجزاء مفقودة، ومعالجة للأملاح، وتثبيتًا للعناصر الرخامية والعقد الحجري، حتى يستعيد المكان تماسكه وجماله، مع الحفاظ على ما بقي من مادته الأصلية.
* وكان التعامل مع الرخام يحتاج إلى عين تعرف الفرق بين أثر الزمن وبين التلف، وبين ما يجب الحفاظ عليه وما يحتاج إلى تدخل.
فالمُرمم الحقيقي لا يدخل إلى الأثر ليترك بصمته عليه
بل يدخل ليحفظ بصمة الزمن.
وهذه قاعدة تعلمناها من العمل في الآثار:
أن أفضل ترميم هو الذي تشعر بعد انتهائه أن الأثر هو نفسه… لكنه أصبح أكثر قدرة على الصمود أمام الزمن.
وكلما تذكرت ذلك العمل، أتذكر أخي وزميلنا الراحل السيد الشحات رحمه الله، وأتذكر كيف كانت أيدينا تعمل معًا في مكان يحمل بين جنباته قرونًا من تاريخ الفن الإسلامي.
رحم الله السيد الشحات…
فبعض الزملاء لا ينتهي دورهم برحيلهم.
– تبقى أيديهم في الحجر…
– ويبقى أثرهم في المكان…
– وتبقى ذكراهم في القلب.

“السلسبيل” الماء حين يتحول إلى فن
ولعل أجمل ما في ذلك الموضع أن السلسبيل الرخامي لم يكن مجرد عنصر وظيفي.
ففي العمارة الإسلامية كان الماء جزءًا من فلسفة المكان، رمزًا للحياة والنقاء والراحة، ولذلك ارتبط بالحدائق والقصور والمباني الدينية.
وعندما يجتمع الماء بالرخام والزخرفة والظل، تتحول الوظيفة إلى جمال.
وهكذا كان الفنان المسلم قادرًا على أن يجعل من أبسط عناصر الحياة اليومية تجربة حسية وروحية.
ماء وحجر، ضوء، وظل
فتنشأ لوحة لا تحتاج إلى ألوان.
والعقد الحجري جمال يحتاج إلى حماية
أما العقد الحجري، فكان له جانب آخر من العمل.
فالعنصر الحجري لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد قطعة بناء؛ لأن أي ضعف في التماسك أو حركة في العناصر قد يؤثر في سلامة الجزء كله.
ولهذا كان التثبيت والمعالجة يحتاجان إلى دراسة دقيقة، ثم تدخل محسوب يحافظ على أصالة العنصر ويمنحه القدرة على الاستمرار.
وهنا تظهر قيمة الترميم الحقيقي:
– أن تحمي الأثر دون أن تغير شخصيته.
– متحف لا يحفظ الأشياء فقط… بل يحفظ الإنسان
– كل قطعة في المتحف تحكي شيئًا عن الإنسان الذي صنعها.
فمن خلال الأواني نعرف كيف عاش الناس
ومن خلال المنسوجات نعرف ذوقهم وملابسهم، ومن خلال المعادن نعرف مهاراتهم الصناعية، ومن خلال المخطوطات نعرف علومهم وفكرهم…ومن خلال الزخارف نعرف كيف نظروا إلى الجمال.
ولهذا فإن متحف الفن الإسلامي ليس مستودعًا للتحف، إنه ذاكرة حضارة.
ومن أجمل ما يمكن أن نتعلمه من هذا المكان.
أن الحضارة لا تقاس فقط بضخامة المباني.
قد تكون الحضارة في تفصيلة صغيرة…
— في نقشة على خشب…
— في حرف كتبه خطاط…
— في قطعة خزف…
— في كوب زجاجي…
— في مشربية…
– أو في يد حرفي جلس ساعات طويلة ليصنع شيئًا ربما لم يكن يعرف أن الأجيال ستقف أمامه بعد مئات السنين.
وهنا يصبح دور المرمم امتدادًا طبيعيًا لدور الفنان.
الفنان صنع…والزمن اختبر…والمرمم يحافظ.
في النهاية
عندما تغادر متحف الفن الإسلامي، لا أظن أنك ستتذكر عدد القطع التي رأيتها فقط.
ستتذكر إحساسًا…
إحساس أنك كنت تقف أمام حضارة لم تكن تعرف الجمال في القصور والمساجد وحدها، وإنما رأته في تفاصيل الحياة كلها.
وربما تتذكر قطعة صغيرة أكثر من غيرها.
قطعة لم تلفت انتباهك في البداية، ثم اكتشفت أنها تحمل وراءها قصة صانع عاش منذ مئات السنين.
وحينها ستفهم معنى أن نقول:
إن الأثر لا يعيش بالحجر وحده.
بل يعيش بالإنسان الذي صنعه، والإنسان الذي حافظ عليه، والإنسان الذي يرويه للأجيال القادمة.
وهذا هو سر مصر
أن كل جيل يضع يده على كتف الجيل الذي سبقه، ويقول له:
لا تقلق… لن نترك ما تركتموه لنا يضيع.
وفي الحديقة المتحفية، حيث تركت يومًا بصمتي مع أخي وزميلنا الراحل السيد الشحات رحمه الله، أشعر أن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه ليس اسمه على حجر.
بل أثرًا صالحًا يبقى بعد أن يرحل.






