مقالات
محمد فرحات
محمد فرحات

كاتب وناقد

محمد فرحات يكتب: إبراهيم الهلباوي وسعد زغلول (6)

فقد أدرك الشيخ علي يوسف أن مواجهة آثار دنشواي لن تتم في قاعات المحاكم وحدها، بل على صفحات الجرائد أيضًا

مشاركة:
حجم الخط:

من دنشواي إلى العالم كيف تحولت المشانق إلى معركة سياسية هزّت الاحتلال؟

من مأساة القرية إلى قضية رأي عام دولي

لم تنتهِ مأساة دنشواي عند لحظة صدور الأحكام أو تنفيذها في ساحات القرية، فالمشانق التي نُصبت بين الحقول لم تُشعل غضب الأهالي وحدهم، بل فتحت معركة أكبر تجاوزت حدود دنشواي إلى مصر والعالم.

وبين صرخات الضحايا وحملات الصحافة والجهود الوطنية التي قادها مصطفى كامل وآخرون، بدأت القضية تتحول من حادثة محلية إلى قضية رأي عام هزّت الاحتلال البريطاني نفسه.

محمد فرحات يكتب: إبراهيم الهلباوي وسعد زغلول (5)

محمد فرحات: يكتب إبراهيم الهلباوي وسعد زغلول (4)

مصطفى كامل.. حملة دولية من أجل الفلاحين 

في الوقت الذي كانت فيه قرية دنشواي تعيش أكثر لحظاتها قسوة تحت ظلال المشانق والسياط، كانت معركة أخرى تُفتح خارج حدود مصر.

لم يكن مصطفى باشا كامل ينظر إلى الحادث باعتباره واقعة جنائية عابرة أو نزاعًا محليًا بين فلاحين وضباط بريطانيين، بل رآه لحظة كاشفة لطبيعة الاحتلال نفسه.

أدرك أن القضية لم تعد قضية رجال من قرية صغيرة في المنوفية، وإنما قضية شعب كامل يعيش تحت سلطة تملك القوة وتفرض القانون بما يخدم بقاءها.

الزعيم المصري مصطفي كامل
الزعيم المصري مصطفي كامل

رغم معاناته الصحية والتنقل المستمر بين العواصم الأوروبية

لم يتوقف مصطفى كامل عن نشاطه السياسي. تحرك بين فرنسا وإيطاليا وسويسرا، وكتب في الصحف الأوروبية.

وألقى الخطب في المؤتمرات واللقاءات السياسية، ساعيًا إلى نقل صورة مختلفة عن مصر؛ صورة الفلاح الذي وقف أعزل أمام آلة العقاب الاستعمارية.

وكان يؤمن أن الاحتلال لا يخشى السلاح وحده، بل يخشى كذلك الرأي العام حين يتحول إلى قوة ضغط دولية.

وتكشف أوراق مصطفى كامل ومقالاته عن اهتمام بالغ بتدويل القضية وإبرازها بوصفها شاهدًا على قسوة الإدارة البريطانية في مصر.

حيث كرر الحديث عن أن ما جرى في دنشواي تجاوز حدود العقاب إلى الانتقام.

وأن الحادثة كشفت الفجوة الواسعة بين ادعاءات الاحتلال بالإصلاح والتمدين وبين ممارساته على أرض الواقع.

وقد أصبحت دنشواي في خطابه السياسي رمزًا لمعاناة المصريين أكثر من كونها مجرد حادثة منفصلة.

صورة للشيخ علي يوسف
صورة للشيخ علي يوسف

الشيخ علي يوسف الصحافة تتحدث باسم الشعب

وعلى الجانب الآخر، كانت معركة الكلمة تُخاض داخل مصر.

فقد أدرك الشيخ علي يوسف أن مواجهة آثار دنشواي لن تتم في قاعات المحاكم وحدها، بل على صفحات الجرائد أيضًا.

كانت الصحافة آنذاك إحدى أهم أدوات تشكيل الوعي العام، ولذلك تحولت جريدة “المؤيد” إلى منبر يدافع عن الفلاحين وينقل مشاعر الغضب التي اجتاحت الشارع المصري.

لم تكن المقالات التي نُشرت مجرد أخبار أو تغطيات يومية للأحداث، بل كانت محاولة لكشف حقيقة ما جرى للرأي العام.

فقد ركزت على وصف الأحكام بوصفها قاسية ومبالغًا فيها، وسعت إلى إظهار البعد الإنساني للمأساة.

الأمهات اللاتي فقدن أبناءهن، والأطفال الذين شهدوا تنفيذ العقوبات أمام أعينهم، والقرية التي تحولت من أرض للزرع والحياة إلى ساحة للمشانق والجلد.

وهكذا التقت جهود مصطفى كامل في الخارج مع جهود الصحافة الوطنية في الداخل.

لتتحول دنشواي من قرية صغيرة في دلتا مصر إلى قضية سياسية كبرى ساهمت في تعرية سياسات الاحتلال وأشعلت موجة جديدة من الوعي الوطني المصري.

أصوات من خارج مصر.. حين جاءت الإدانة من قلب بريطانيا نفسها

لم تكن أصداء دنشواي حبيسة حدود مصر، ولم يبقِ الاحتلال القضية داخل إطار محكمة محلية أو حادثة عابرة في قرية صغيرة من قرى المنوفية.

فما حدث هناك كان من القسوة بحيث تجاوز حدود الجغرافيا، ووصل صداه إلى الصحافة الأوروبية والدوائر السياسية والفكرية في بريطانيا نفسها.

وكانت المفارقة أن بعض أشد الأصوات اعتراضًا على ما جرى خرجت من داخل المجتمع البريطاني ذاته، من رجال رأوا أن ما حدث في دنشواي لم يهدد المصريين وحدهم، بل هدد صورة العدالة البريطانية نفسها.

كان من أبرز هؤلاء الكاتب والشاعر والسياسي البريطاني ويلفريد سكاون بلنت، الذي عُرف منذ سنوات بتعاطفه مع المصريين وانتقاده للسياسة الاستعمارية.

لم ينظر بلنت إلى الحادث بوصفه مجرد مواجهة بين جنود وأهالٍ، بل اعتبره نتيجة مباشرة لسياسة الاحتلال التي قامت على التعالي وإخضاع الشعوب بالقوة.

وقد رأى أن الأحكام الصادرة ضد أهالي دنشواي حملت طابع الانتقام أكثر مما حملت معنى العدالة، وأن استخدام المشانق والجلد العلني أمام الأهالي كشف طبيعة السلطة التي أرادت ترسيخ الخوف قبل تطبيق القانون.

ولم يتردد بلنت في كتابة مقالات ورسائل انتقد فيها إدارة الاحتلال في مصر

معتبرًا أن الإمبراطورية حين تستخدم قوتها بهذا الشكل فإنها لا تكسب احترام الشعوب بل تولد الكراهية والمقاومة.

الكاتب الإيرلندي جورج برنادو شو
الكاتب الإيرلندي جورج برنارد شو

أما الكاتب الإيرلندي جورج برنارد شو، المعروف بأسلوبه الساخر اللاذع، فقد رأى في دنشواي نموذجًا صارخًا للتناقض بين الخطاب الإمبراطوري والواقع.

فالإمبراطورية التي كانت تقدم نفسها بوصفها حاملة للتمدين والعدالة، بدت في نظره عاجزة عن إخفاء قسوة سلطتها عندما تعلق الأمر بشعب خاضع للاحتلال.

وقد جاءت مواقفه ضمن موجة نقد بريطانية ليبرالية رأت أن ما جرى ألحق ضررًا أخلاقيًا بصورة بريطانيا نفسها أمام العالم.

ولم تعد القضية مجرد مأساة مصرية

بل تحولت إلى سؤال أكبر: كيف يمكن لدولة تتحدث باسم القانون أن تجعل من المشانق والسياط وسيلة لإثبات هيبتها؟

وكان لهذه المواقف أثر يتجاوز مجرد التعاطف الأدبي أو السياسي، إذ ساعدت على دعم الحملة التي قادها مصطفى كامل في أوروبا، ومنحت القضية المصرية مساحة أوسع داخل الرأي العام الغربي.

فحين بدأت أصوات من داخل بريطانيا تنتقد الاحتلال، لم يعد من السهل تصوير اعتراض المصريين باعتباره تمردًا محليًا محدودًا، بل أصبح من الممكن النظر إلى دنشواي باعتبارها لحظة كشفت تناقضات المشروع الاستعماري نفسه.

شارك المقال: