محمد أمين أبو سكينة يكتب: إنحدار أمريكا
بينما يحاول البيت الأبيض تسويق فكرة الحصار الخانق على إيران كأداة ضغط ستسحق ما تبقى من الصمود الإيران - على حسب ما يعتقد ويفكر فيه ترامب وإدارته

صورة تعبيرية للمقال
أمريكا وسكرات الانحدار
تعيش الإدارة الأمريكية فى واشنطن حالة من الانفصام التام عن الواقع “الجيو-سياسي” الحقيقي، حيث يبدو أن ترامب قد قرر اعتزال حقائق واقع العالم الذي نعيش فيه، والعيش في دائرة من النرجسية السياسية التي ينتظر فيها “صورة نصر” وهمية لن يمنحها له أحد.
في ظل عالم تغيرت موازين قواه جذرياً.
فبينما يحاول البيت الأبيض تسويق فكرة الحصار الخانق على إيران كأداة ضغط ستسحق ما تبقى من الصمود الإيران – على حسب ما يعتقد ويفكر فيه ترامب وإدارته.
تثبت الوقائع الميدانية أن واشنطن لا تحاصر إلا “السراب”
فإيران استطاعت ببراعة تحويل الجغرافيا إلى سلاح مضاد عبر رئة بحر قزوين، حيث تتدفق ناقلات النفط في مسارات محمية بعيداً عن الرصد الغربي.
ليتم تفريغ الخام الإيراني في الموانئ الروسية ومن ثم إعادة ضخه في الأسواق كنفط روسي المصدر ضمن صفقات “تبادلية” كبرى تمنح طهران السيولة اللازمة وتكسر شوكة العقوبات تماماً.
ترجمات: ترامب عالق في الفخ وأمامه خيارين
ترامب يهدد إيران مجدداً: الاتفاق أو التدمير
بالتوازي مع هذا الالتفاف الجغرافي
فرضت الصين واقعاً ميدانياً صفع الغرور الأمريكي بنشر ست قطع بحرية حربية متطورة، تتصدرها المدمرات الشبحية من طراز (Type 055) والفرقاطات متعددة المهام من طراز (Type 054A)
وهي قطع تبدو في تحركاتها وكأنها في مهمة روتينية لتأمين خطوط الملاحة،
لكن حقائق الأمور تؤكد أنها فرضت “مظلة حماية سيادية” لناقلات النفط، محولةً التهديدات الأمريكية إلى مجرد “خيال مآتة” يخشى الاصطدام الفعلي مع قوة التنين الصيني التي باتت تحرس شرايين طاقتها عياناً بياناً بموجب بروتوكولات تأمين الملاحة الدولية.
وفي صدمة إضافية للحصار الأمريكي المزعوم
أثبتت خطوط الأنابيب البرية أن العالم الحقيقي لا يدار بـ “تغريدات” حيث ترفض تركيا بشكل قاطع إيقاف تدفق الغاز الإيراني عبر خط أنابيب “تبريز-أنقرة” حفاظاً على أمنها القومي.
كما يستمر تدفق إمدادات الغاز عبر الأنابيب الممتدة للعراق لتشغيل محطاته الكهربائية، في مشهد صادم لأوهام ترامب وإدارته
بعدما رفض الحلفاء الإقليميون رهن إمدادات الطاقة الحيوية بالنسبة لهم بالخيالات المريضة لساكني البيت الأبيض.
لم يتوقف فشل هذه السياسة المنفصلة عن الواقع العالمي عند حدود الجغرافيا
بل امتد ليضرب ركائز الاقتصاد الأمريكي في مقتل
حيث أدى التوتر المفتعل إلى قفزة جنونية في أسعار الطاقة العالمية ليتجاوز سعر برميل “خام برنت” حاجز الـ 107 دولار.
وهو ما وضع واشنطن في حالة “حيص بيص” حقيقية فبينما كانت تهدف لخنق طهران اقتصادياً، وجدت الأخيرة نفسها تحقق عوائد مضاعفة من برميل النفط الذي ارتفع ثمنه
في حين يئن المواطن الأمريكي تحت وطأة تضخم غير مسبوق وأسعار بنزين حطمت الأرقام القياسية، مما أدى لارتباك عنيف في الأسواق المالية وانكسار وهم الازدهار الذي يروج له ساكن البيت الأبيض الغارق في أوهامه.
هذا العجز الاقتصادي واكبه انكشاف عسكري مهين وثقته تقارير “واشنطن بوست” والـ “CNN” بالصوت والصورة،
حيث أظهرت صور الأقمار الصناعية دمار القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط وفشل الدفاعات المنوط بها حماية هذه القواعد أمام هجمات القوات الإيرانية التي ترتكز على الإغراق الصاروخي والمسيرات الدقيقة.
وفي ظل هذا التخبط، جاء الإعلان الحاسم من ( إبراهيم رضائى ) المتحدث الرسمى بإسم لجنة الأمن القومى للبرلمان الإيرانى ، ليضع المسمار الأخير في نعش “سياسات الضغوط القصوى” مؤكداً أن أي هجوم جديد على إيران وتهديد لوجودها سيدفعها فوراً لتغيير عقيدتها النووية ورفع تخصيب اليورانيوم لما فوق الـ 90%، وهي النسبة الفنية اللازمة لإنتاج الرؤوس النووية.
كل هذا يضع ترامب وإدارته أمام حقيقة مُرّة
وهي أن سياساتهم باتت تفتقر لأدنى قواعد الأهلية الاستراتيجية، وأصبحت في حالة انكشاف سياسي كامل بعدما تجاوزتها المعادلات الجيوسياسية الجديدة، ووجدوا أنفسهم في نفق مظلم لن ينتهي إلا بالاعتراف بأن زمن فرض الشروط قد ولى، وأن حصارهم المزعوم على إيران لم يكن في حقيقته سوى حصار لأنفسهم، بينما العالم يواصل دورانه بعيداً عن ما يتوهمون وهم فى سكرات الانحدار





