عمرو صابح يقرأ كتاب: هل كان عبد الناصر ديكتاتورا؟
عندما لم تستطع الرأسمالية المصرية القيام بالدور الذي كان عبد الناصر ينتظره منها في مشروع البناء الوطني والتنمية، جاءت القرارات الاشتراكية عام 1961

جمال عبد الناصر (وسائل التواصل)
يُعد كتاب «هل كان عبد الناصر ديكتاتورًا؟
للدكتور عصمت سيف الدولة واحدًا من أهم الكتب التي تناولت التجربة الناصرية من منظور فكري وفلسفي، ليس لأنه يرد على الاتهامات التي وُجِّهت إلى الرئيس جمال عبد الناصر
وإنما لأنه يطرح سؤالًا أكثر عمقًا وتعقيدًا:
ما معنى الديكتاتورية أصلًا؟
وما المعايير التي يمكن من خلالها الحكم على نظام سياسي بأنه ديمقراطي أو غير ديمقراطي؟
فمنذ الصفحات الأولى، لا يتعامل عصمت سيف الدولة مع الاتهام الموجَّه إلى عبد الناصر باعتباره حقيقة نهائية أو حكمًا مكتملًا، وإنما باعتباره قضية فكرية تستحق إعادة النظر والتحليل.
ولذلك لا ينشغل الكتاب فقط بسرد الأحداث التاريخية، بل يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إلى تفكيك المفاهيم السياسية نفسها، ومحاولة الكشف عن المعايير التي تُستخدم للحكم على النظم السياسية.
ينطلق المؤلف من رؤية ترى أن الديمقراطية لا يمكن اختزالها في مجرد تعددية حزبية أو انتخابات دورية، كما أن الديكتاتورية لا يمكن اختصارها في وجود قائد قوي أو تركُّز السلطة في يد شخص أو مؤسسة.
فالسؤال الأهم، في نظره، هو طبيعة السلطة ذاتها:
لمن تعمل؟ ولصالح من تُمارس؟ وهل تعبّر عن مصالح الأغلبية الاجتماعية أم تحمي امتيازات أقلية تملك الثروة والنفوذ؟
ومن هذه الزاوية يقرأ عصمت سيف الدولة التجربة الناصرية باعتبارها مشروعًا سياسيًا وفكريًا له منطقه الخاص، وليس مجرد مجموعة من القرارات المنفصلة.
فهو يرى أن عبد الناصر لم يكن يتحرك في فراغ،
وإنما كان يقود مشروعًا نشأ في ظل ظروف تاريخية محددة، عنوانها الصراع مع الاستعمار والتبعية ومحاولات بناء استقلال وطني حقيقي.
ولفهم هذا المشروع، لا بد من إدراك أن الفكر الناصري لم يكن قائمًا على القفزات المفاجئة، وإنما تحرك في مسار متدرج؛ فكل مرحلة كانت تمهّد لما بعدها.
بدأت الثورة بتحرير القرار السياسي المصري من النظام الملكي الذي رأت أنه تابع للاحتلال ومرتبط بالمصالح الأجنبية، ثم مواجهة القوى السياسية التي قامت في ظله، قبل الانتقال إلى معركة إنهاء الاحتلال البريطاني وتحقيق الاستقلال الوطني.
لكن عبد الناصر أدرك أن الاستقلال السياسي يظل ناقصًا إذا لم يصاحبه استقلال اقتصادي، فالدولة التي تملك علمها وجيشها لكنها لا تملك السيطرة على مواردها تظل محدودة السيادة.
ولذلك جاءت معركة تأميم قناة السويس عام 1956 باعتبارها لحظة تاريخية فاصلة، لم تستعد فيها مصر حقها في إدارة أحد أهم مواردها الوطنية فحسب، وإنما أكدت حق الشعوب في امتلاك استقلالها الاقتصادي.
ثم جاءت مرحلة تمصير وتأميم المصالح الأجنبية بهدف إنهاء النفوذ الاقتصادي الخارجي وبناء اقتصاد وطني قادر على تمويل مشروع التنمية.
ومع تطور التجربة برز السؤال الاجتماعي:
كيف يمكن أن يتحقق استقلال الدولة بينما يبقى قطاع واسع من الشعب محرومًا من ثمار هذا الاستقلال؟
وعندما لم تستطع الرأسمالية المصرية القيام بالدور الذي كان عبد الناصر ينتظره منها في مشروع البناء الوطني والتنمية، جاءت القرارات الاشتراكية عام 1961 باعتبارها انتقالًا إلى مرحلة جديدة تهدف إلى إعادة تنظيم المجتمع على أسس أكثر عدالة، ونقل مركز الاهتمام من مصالح الأقلية إلى احتياجات الأغلبية.
وفي هذا السياق التاريخي جاء الميثاق الوطني عام 1962 باعتباره محاولة لصياغة الإطار الفكري للتجربة في مرحلتها الجديدة.
فلم يكن الميثاق بداية للفكر الناصري، وإنما كان تعبيرًا عن تراكم سنوات من التحولات السياسية والاجتماعية التي مرت بها الثورة، وجاء بعد حوار واسع ومشاورات ومؤتمر علني شاركت فيه رموز سياسية وثقافية وفكرية، بهدف تحديد ملامح الطريق الذي تسلكه مصر.
وقد عبّر الميثاق عن جوهر رؤية عبد الناصر للعلاقة بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، فالديمقراطية، في هذا التصور، لا يمكن أن تكون مجرد حق قانوني في التصويت، بينما يعيش الإنسان محرومًا من مقومات الحياة الأساسية.
فالحرية السياسية تحتاج إلى إنسان قادر على ممارستها، وهذا الإنسان يحتاج إلى تعليم وصحة وعمل وحياة كريمة.
ولهذا ارتبط الفكر الناصري بفكرة “بناء الإنسان المصري الكامل”
الإنسان الذي لا تكون حريته مجرد نصوص دستورية، وإنما واقعًا معاشًا يمتلك فيه حقه في الغذاء والتعليم والصحة والعمل وتكافؤ الفرص.
فالإنسان الجائع أو المحروم من المعرفة أو العلاج لا يستطيع أن يمارس حريته بإرادة مستقلة، لأن الحاجة قد تتحول إلى قيد على الاختيار.
ومن هنا جاءت رؤية عبد الناصر للاشتراكية باعتبارها أكثر من نظام اقتصادي، فقد رآها وسيلة لإعادة بناء المجتمع وتحرير الإنسان من القيود التي فرضتها الفوارق الطبقية والاحتكارات.
وفي هذا الإطار جاءت عبارته الشهيرة:
“هناك اتصال عضوي بين الاشتراكية
والديمقراطية حتى ليصدق القول
بأن الاشتراكية هي ديمقراطية الاقتصاد
كما أن الديمقراطية هي اشتراكية
السياسة”
فلم تكن هذه العبارة مجرد صياغة سياسية، وإنما كانت تلخيصًا لفلسفة ترى أن الاقتصاد والسياسة مجالان مترابطان؛ فمن يملك الثروة يمتلك غالبًا القدرة على التأثير في القرار السياسي، ولذلك فإن العدالة الاقتصادية تصبح شرطًا لبناء ديمقراطية أكثر عمقًا.
ومن خلال هذه القراءة،
يرى عصمت سيف الدولة أن التجربة الناصرية ارتبطت بمشروع تغيير اجتماعي واسع، تمثل في الإصلاح الزراعي، وتأميم قناة السويس، وبناء السد العالي، والتوسع في التعليم المجاني، وتوفير فرص العمل، والانحياز إلى الفلاحين والعمال والفئات الشعبية التي ظلت لعقود طويلة بعيدة عن دوائر النفوذ والثروة.
ولا يبني عصمت سيف الدولة دفاعه عن عبد الناصر على العاطفة السياسية أو الولاء العقائدي
وإنما يعتمد على التراث الفكري لعبد الناصر نفسه؛ خطبه وكتاباته وتصريحاته ووثائق ثورة يوليو.
فهو يتعامل مع الفكر الناصري باعتباره منظومة متكاملة لها رؤيتها الخاصة للديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والوحدة العربية.
ومن خلال هذا التراث الفكري يصل المؤلف إلى أن عبد الناصر لم يكن ديكتاتورًا بالمعنى السياسي المتعارف عليه، وإنما قائد مشروع تحرري ارتبطت شرعيته بانحيازه إلى الأغلبية الشعبية وسعيه لتحقيق أهداف وطنية وقومية كبرى.
ولذلك جاءت قراءته للتجربة من داخل مبادئها وأهدافها، لا فقط من خلال أحكام خصومها أو النتائج التي انتهت إليها.
ويبرز الكتاب كذلك مسألة الشرعية الشعبية لعبد الناصر باعتبارها أحد العناصر الأساسية لفهم العلاقة بين الرجل والجماهير.
فقد ظهرت هذه العلاقة بوضوح بعد هزيمة يونيو 1967، وهي أقسى لحظة في تاريخ التجربة الناصرية، عندما أعلن عبد الناصر تحمله للمسؤولية وقدم استقالته.
لكن الجماهير خرجت في الشوارع تطالبه بالبقاء والاستمرار، في مشهد تاريخي عكس أن شرعيته لم تكن قائمة فقط على موقعه الرسمي، وإنما على ارتباط وجداني وسياسي واسع مع قطاعات كبيرة من الشعب التي رأت فيه رمزًا لمشروع الاستقلال والعدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية.
ومن أهم ما يميز الكتاب أنه يحرر النقاش حول عبد الناصر من دائرة الأحكام الجاهزة، ويدعو إلى التمييز بين الشكل والمضمون، وبين الإجراءات السياسية وظروفها التاريخية.
فالتجربة الناصرية لا يمكن قراءتها بعيدًا عن سياقها
فقد نشأت في مواجهة الاستعمار والتبعية الاقتصادية، وفي ظل صراع داخلي وخارجي حول طبيعة المشروع الذي كانت تسعى إلى بنائه.
وفي النهاية، فإن سؤال: هل كان عبد الناصر ديكتاتورًا؟ يتجاوز شخص الرجل إلى جوهر التجربة نفسها: طبيعة السلطة، ومعنى الديمقراطية، والعلاقة بين الحرية والعدالة الاجتماعية.
قد يختلف المؤرخون والباحثون حول تقييم التجربة الناصرية وقراراتها ونتائجها،
لكن المؤكد أن عبد الناصر لم يكن مجرد حاكم، بل صاحب مشروع حاول إعادة صياغة علاقة الدولة بالمواطن، وعلاقة مصر بالعالم.
ولذلك فإن قراءة كتاب عصمت سيف الدولة اليوم لا تستدعي الماضي فقط، بل تطرح أسئلة ما زالت حاضرة:
هل تكفي الإجراءات الشكلية لصناعة الديمقراطية؟
أم أن الديمقراطية الحقيقية تحتاج إلى مواطن يمتلك مقومات الحرية والقدرة على ممارستها؟
ولسوء الحظ، لم تُختبر التجربة الناصرية في مسارها الكامل، فقد جرى بترها قبل أن تكتمل بفعل التحولات التي أعقبت رحيل عبد الناصر، ولذلك بقيت كثير من أسئلتها الكبرى مفتوحة حول طبيعة الدولة، والعدالة الاجتماعية، وحدود العلاقة بين الحرية والتنمية.
ولهذا ستظل تجربة عبد الناصر حاضرة في الذاكرة التاريخية، ليس فقط بما أنجزته وما أخفقت فيه، وإنما بما أثارته من أسئلة كبرى حول مشروع الدولة الوطنية ودورها في بناء الإنسان، وهي أسئلة لم تفقد أهميتها رغم مرور الزمن.






