إبداع

سلطان الفتوحات : العرش والسيف والذاكرة

مشاركة:
حجم الخط:

حين تتحول الإمبراطورية إلى دراما

حين تبلغ الدراما التاريخية ذروة نضجها، لا يعود المشاهد أمام مسلسل فحسب، بل أمام تجربة جمالية تُشبه استدعاء الزمن من غباره البعيد، فينهض التاريخ من صمته القديم ليصير صورة وصوتًا وإيقاعًا نابضًا بالحياة.

هكذا بدت الحلقة الحادية والسبعون من مسلسل «السلطان محمد الفاتح / Mehmed: Fetihler Sultanı»، حلقةٌ تتجاوز حدود الحكاية لتصبح تمرينًا فنيًا في كيفية تحويل القرار السياسي إلى لحظة درامية آسرة، وكيفية جعل الإمبراطورية ـ بكل ثقلها وهيبتها ـ تتحرك على الشاشة كما لو كانت كائنًا حيًا يفكر ويخطط ويخطئ ويصحح مساره في اللحظة ذاتها.

الفاتح يغير إتجاه الحملة 

تبدأ الحلقة من قلب المعسكر العثماني في صوفيا، حيث يجتمع السلطان برجال دولته في مشهدٍ يفيض رهبةً وهدوءًا في آن واحد، وكأن المكان نفسه يعرف أن ما سيُقال بعد قليل سيبدّل اتجاه التاريخ.

الجميع يتوقع أن الحملة تتجه إلى البوسنة، غير أن السلطان محمد، كما يجسده سيركان تشاي أوغلو بوقارٍ يختلط فيه الذكاء بالهيبة، يفاجئ مجلسه بإعلانٍ يقلب التوقعات: الهدف الحقيقي ليس البوسنة، بل ديار المجر.

هنا لا يكون الإعلان مجرد معلومة عسكرية، بل لحظة درامية مكثفة تُبنى على صمتٍ ثقيل يسبق الكلمة، وعلى نظراتٍ تتبادلها الوجوه في الديوان، وعلى موسيقى خافتة تتسلل ببطء لتُخبر المشاهد أن التاريخ قد انحرف قليلًا عن الطريق الذي ظنه الجميع.

إن هذه القدرة على تحويل “القرار” إلى ذروة درامية هي واحدة من أهم علامات النضج في الكتابة، وهي ثمرة ورشة سيناريو يقودها كتّاب مثل أوزان بودور، أنس شنغونول، فاتح غولَر، ياسين أوستا، وجيهان بوزقايا، الذين نجحوا في بناء سردٍ لا يعتمد على المعركة وحدها، بل على التوتر السياسي والنفسي الذي يسبقها.

غير أن القلب العاطفي للحلقة، والنقطة التي يبلغ عندها الأداء التمثيلي أقصى توهجه، تتجسد في حضور إسحاق باشا، الصدر الأعظم الذي يظهر في بداية الحلقة بوصفه رجل الدولة الذي يحمل عبء الإمبراطورية على كتفيه، لا في قاعات الحكم وحدها بل في ميادين الحرب أيضًا.

أرتوغول اوغلو (اسحاق باشا)

يؤدي الشخصية الممثل أرتوغرول بوست أوغلو بحضورٍ ثقيل يشبه وقع الخطوات في قاعةٍ حجرية واسعة؛ أداء يقوم على الصمت المدروس أكثر مما يقوم على الخطابة، وعلى نظرةٍ تعرف ما لا يُقال بقدر ما تعرف ما يُقال. وحين يقود الهجوم الذي ينتهي بالاستيلاء على قلعة درينه، تبدو اللحظة وكأنها انتصارٌ صافٍ لصلابة الإرادة، لكن الدراما لا تسمح لهذا النصر أن يستريح طويلًا، إذ تُلقي بظلال الانتقام فوقه سريعًا، فتذكّر المشاهد بأن التاريخ لا يمنح القادة رفاهية النشوة، وأن كل انتصار يولد ومعه بذرة الخطر.

التمكن في الإخراج

في هذه النقطة تحديدًا تتجلى براعة الإخراج، حيث تتوازن الكاميرا بين الفضاءين الكبيرين اللذين يصنعان عالم المسلسل: فضاء السلطة وفضاء الحرب. فمشاهد الديوان تُصوَّر بتركيز على هندسة المكان؛ الأعمدة العالية، السجاد الثقيل، الضوء الذي يسقط على وجه السلطان كأنه يبارك القرار قبل أن يُعلن، بينما تتحول الكاميرا في مشاهد الجبهة إلى حركة أكثر اتساعًا واندفاعًا، حيث يصبح الأفق مفتوحًا على احتمالات النصر والهزيمة معًا.

وقد تناوب على إخراج المسلسل عبر مواسمه عدد من الأسماء مثل شافاك بال، يلديراي يلديريم، صلاح الدين سانجاكلي، وأحمد يلماز، وهو ما يفسر قدرة العمل على الحفاظ على طاقته البصرية في مسلسل ملحمي طويل النفس، يحتاج إلى تنويع في الرؤية دون أن يفقد هويته الجمالية.

الموسيقى التصويرية والمونتاج

ولا يمكن الحديث عن هذه الحلقة دون التوقف عند الموسيقى التصويرية التي وضعها الملحن التركي جان أتيلا، إذ تبدو الموسيقى هنا كأنها شريان خفي يجري تحت جلد المشاهد، يرفع التوتر حين يعلن السلطان وجهة الحملة، ثم يهدأ قليلًا في لحظات التفكير والتردد، قبل أن يعود ليشتد في مشاهد المواجهة العسكرية. إنها موسيقى لا تكتفي بمرافقة الصورة، بل تفسرها، وتضيف إلى المشهد طبقة من المعنى لا يمكن أن يحملها الحوار وحده.


أما المونتاج والإيقاع، فيبدوان في هذه الحلقة أقرب إلى حركة المدّ والجزر؛ فالمشهد السياسي الطويل لا يأتي بوصفه استراحة من الحركة، بل بوصفه تمهيدًا لها، في حين تأتي المشاهد العسكرية كذروة طبيعية لما سبقها من تفكير وتخطيط. هذا التوازن بين الفكر والفعل هو ما يمنح الحلقة إيقاعها الخاص، ويجعلها تبدو كأنها سيمفونية تتصاعد ببطء حتى تبلغ ذروتها.

اقتصاد الدراما التركية 

غير أن ما يجعل مثل هذا العمل ممكنًا في الأساس هو السياق الاقتصادي الذي تتحرك داخله الدراما التركية اليوم. فالمسلسلات التركية لم تعد تُنتج لجمهور محلي فحسب، بل أصبحت صناعة تصدير ثقافي ضخم؛ إذ تجاوزت عائدات بيع المسلسلات التركية إلى الخارج خمسمئة مليون دولار سنويًا، ووصلت إلى أكثر من مئة وخمسين دولة حول العالم، وهو ما يفسر الاستثمار الكبير في الأعمال التاريخية ذات الإنتاج الضخم مثل “السلطان محمد الفاتح”

في هذا السياق لا تكون الملابس الفخمة والديكورات الضخمة والموسيقى الملحمية مجرد عناصر جمالية، بل أدوات تسويق ثقافي أيضًا، تجعل العمل قادرًا على المنافسة في سوق عالمي يبحث عن القصص الكبيرة التي تُروى بلغة بصرية مبهرة.

وهكذا، تبدو الحلقة الحادية والسبعون من «السلطان محمد الفاتح» مثالًا واضحًا على ما يمكن أن تبلغه الدراما التاريخية حين تتلاقى فيها ثلاثة عناصر: كتابة تعرف كيف تحول التاريخ إلى حكاية، وإخراج يعرف كيف يحوّل الحكاية إلى صورة، وأداء تمثيلي يمنح الصورة روحها الإنسانية. في تلك اللحظة لا يعود المشاهد يتابع مسلسلًا عن القرن الخامس عشر فحسب، بل يشعر ـ ولو للحظة قصيرة ـ أنه يقف في قلب ذلك القرن، حيث تُصنع القرارات في صمت الديوان، وتُختبر في صخب المعركة، ويُكتب التاريخ على الشاشة كما لو كان يحدث الآن.

شارك المقال: