إبداع
زكريا صبح
زكريا صبح

كاتب وناقد فني

زكريا صبح يقرأ: المجموعة القصصية “أخر ما تبقى”

وهل ما تبقَّى هذا يخص موضوعًا واحدًا أم تراه يصلح لأن يكون لموضوعات شتى؟ فمثلًا: هل آخر ما تبقَّى من كرامة؟ أم من وطن؟ أم من مقدرات وطن؟ أم من إنسانية؟ أم من فكر وثقافة؟

مشاركة:
حجم الخط:

مقاربة نقدية للمجموعة القصصية”آخر ما تبقَّى”  للكاتبة الجزائرية/ حكيمة جمانة جريبيع

لم تزل القصة القصيرة تُقدِّم نفسها بوصفها فنًّا متحققًا له جمهوره، ومن قبلُ له عشاقه من الكُتاب.

ولم تزل تؤكد قدرتها على التفاعل مع قضايا العصر، حاملة أفكارًا مهمة، موحية بدلالات شتى.

لم تزل فنًّا مراوغًا يحتاج إلى كاتب له دربة على كتابة النصوص المكثفة، وتحتاج في الآن ذاته إلى قارئ يعشق فك الشفرات للوصول إلى الدلالات والمعاني.

ونحن اليوم إذ نقارب نقديًّا مجموعة “آخر ما تبقَّى” إنما نقدم نموذجًا جيدًا لهذا الفن الراقي، ويكفي أن نعمل فكرنا في العتبة الأولى – العنوان – لنجد أنفسنا أمام أسئلة مهمة، تُرى ما آخر ما تبقَّى؟

زكريا صبح يقرأ: رواية (سنوات النمش) لوحيد الطويلة (1)

ومن أي شيء يكون هذا الذي تبقَّى؟

وهل ما تبقَّى هذا يخص موضوعًا واحدًا أم تراه يصلح لأن يكون لموضوعات شتى؟

فمثلًا: هل آخر ما تبقَّى من كرامة؟

أم من وطن؟ أم من مقدرات وطن؟

أم من إنسانية؟ أم من فكر وثقافة؟

كل هذه أسئلة يطرحها العنوان، فما بالك بالنصوص الأربعة عشر التي تحتويها هذه المجموعة؟

القضايا التي ناقشتها الكاتبة

لا يلجأ الكاتب للقصة أو الرواية أو أي صنف أدبي آخر من أجل ممارسة تدريبات كتابية لاختبار قدراته اللغوية، أو لمجرد أن يستعرض قدراته الإبداعية والفنية، بل يلجأ إلى ذلك من أجل طرح أفكاره عن العالم والوجود والإنسان.

ومن خلال القالب يناقش قضايا يموج بها مجتمعه، وهنا تبرز فكرة الالتزام أو المحافظة، حيث يشعر الكاتب بما يعانيه بنو جنسه في وطنه.

ومن ثَم يشرع في التعبير عنهم من أجل أن يكون صوتهم، وصراخهم المتعالي من أجل أن يجدوا منقذًا لهم.

والمبدعة حكيمة جمانة جريبيع في مجموعتها القصصية التي بين أيدينا تناقش العديد من المشكلات والقضايا.

وقبل الشروع في رصد هذه القضايا لا بد من الإشارة إلى أن روحًا ثورية مقاومة داعية للتحرر، ترفض الخضوع والاستسلام وتتطلع إلى الانعتاق والحرية وتقرير المصير ورفض الاستعمار، أقول إن هذه الروح الثائرة تسود كل نصوص المجموعة ولو من طرف خفي.

وربما اتضحت أشد ما يكون الوضوح في قصة «انكسارات الوداع الأخير» التي تصور فيها الكاتبة حال أسرة جزائرية إبان الاحتلال الفرنسي للبلاد.

وكيف أن رابعة البنت الصغرى في أسرة جزائرية قررت أن تكون مقاومة مثل كل أحرار بلادها الثوريين.

وسنلمس هذه الروح في رفض كل هدم للآثار التي تسجل تاريخ بلادها، ورفضها هدم مكتبة الأسرة، وحرصها على استدعاء تاريخ العرب المشرق والمشرف في بلاد الأندلس.

الكاتبة مع مجموعة من إصداراتها
الكاتبة مع مجموعة من إصداراتها

وثيق الصلة بالروح الثورية الإشارة إلى صورة المرأة في هذه المجموعة

فقد صورت الكاتبة بوصفها مناضلة فعالة، مقدامة ثورية حرة، لا يتوقف دورها على العويل والصراخ، بل هي التي تلعب دور الفارس إذا عز الفرسان.

تلعب دور المحارب إذا غاب الشجعان، المرأة في هذه المجموعة حالمة تبحث عن الحب والحبيب الذي ضاع، عن الابن المفقود.

المرأة لم تزل مجاهدة مقاومة للمحتلين، خاصةً في فلسطين الحبيبة، “قصة ميلاد يد”

تُحدِّثنا عن تخفِّي المرأة الفلسطينية لتصبح جنديًّا مقاومًا، فيكتشف جلادها ومغتصبها أن هذا الجندي الشرس ليس إلا المرأة التي اغتصبها.

والآن لننظر معًا إلى بعض القضايا التي ناقشتها الكاتبة، فهي مثلًا تناقش:

-قضية تجريف الأمة من ثقافتها، حيث تعالج ذلك في قصتها الأولى “انهيار مملكة الورق”

-تناقش قضية إهمال الآباء وإيداعهم دور المسنين وقسوة الأبناء في مقابل حنان الأمهات، وذلك في قصة “طعنة الباب، وغرزة الحب”

– تناقش قضية انهزام الشعب العربي ولجوئه للهجرة واغتيال أحلامه في قصة “لاجئة تنتعل الجمر” وتناقش قضية الاغتراب وضياع مجد الأمة العربية في قصة “مرافئ الحنين”

ومن الأمور اللافتة إصرارها على مناقشة دور الأم في حياة أسرتها، وربما وضح ذلك في نصوص مثل «طعنة الباب وغرزة الحب”

حيث رأينا الأم تتبرع لابنها بكليتها رغم أنه أدخلها دار المسنين متخليًا عنها.

ورصدت دور الأم التي تولت أمر طفل فقد عائلته في نزوح الحرب في بلاد الشام.

وكذا صورت التياع الأم في قصة «تواقيع غيمة»؛ حيث استشراف الأم لفقدان ابنها، ومشهد تمزُّق الابن إلى أشلاء، وكيف فقدت الأم عقلها إثر ذلك.

ولأنها كاتبة، فليس غريبًا أن تهتم أيما اهتمام بقضايا المرأة على وجه خاص

ولذا رأيناها تناقش الظلم الذي يقع على المرأة في المجتمعات العربية في قصتها «لعنة الرقم خمسة عشر»

حيث جسدت نجاة صورة لفتاة وقع عليها ظلم كبير، ولم تجد مَن ينصفها، لم يقف إلى جوارها عُرف أو قبيلة أو أسرة أو قانون.

والكاتبة في هذه القصة إنما جعلت منها نموذجًا لكثير من النساء والفتيات اللائي يقع عليهن ظلم، وفي الأخير لا يجد المجتمع الذكوري إلا معاقبة الأنثى.

تبدُّد الأحلام

سينطبع في عقل قارئ المجموعة، ويتبقَّى في وعيه، ويمس روحه إحساس عام بضياع الأحلام وتبدُّدها.
سيلمس ذلك في جل قصص المجموعة، وعلى رأس الأحلام الضائعة حلم الحرية

فالسمت العام لهذه النصوص والروح السارية فيها حتى إذا لم تعالجه الكاتبة معالجة مباشرة إنما هو ضياع الحرية، والتوق إلى التحرر، والرغبة في تحقيق الأحلام حتى لو كانت بسيطة.

ولنا في قصة «معزوفة الأصابع» نموذج ملموس، فها هو جواد التي تنبأت له مدرسته بأنه سيكون عازفًا، فتشرَّب الولد الحلم، وأراد والده أن يحقق له أمنيته حتى ولو على حساب ما يملك.

فهل تراه حقق له حلمه؟

أم أن الأحلام ضاعت بفعل المحتل وسلاحه الأعمى بقذيفة حمقاء تولت ضياع صاحب الحلم نفسه؟

وربما يلحظ القارئ ضياع الأحلام في غير ما قصة، وخاصةً في نهايات القصص التي تنتهي بالموت أو القتل أو الحرق أو الهدم.

الاغتراب

من القضايا التي عبَّرت عنها الكاتبة في نصوص مجموعتها “قضية الاغتراب”

والاغتراب ليس معناه مغادرة الأوطان إلى بلاد الغرب والغربة، ولكن قد يمتد إلى اغتراب الإنسان في وطنه.

وربما كان متعلقًا بالاغتراب فكرة علاقة الإنسان العربي بغيره من الآخرين (الأنا والآخر)، فالآخر يبدو متربصًا دائمًا بالأنا، سواء أكان هذا الآخر غريبًا أم من بني جلدتنا.

وربما كانت قصة «ما وراء النبض» خير شاهد على علاقة الأنا بالآخر

فالأنا في هذا النص عالم باحث مكتشف توصَّل إلى لغز الوقود البديل

وهو إذ ذهب إلى هناك حيث الآخر إنما ذهب لتحقيق أحلامه تاركًا حبه (بشرى) وتاركًا وطنه؛ أملًا في أن يفوز بالتحقق، فإذا الآخر ينتظره متربصًا به.

سرقوا أبحاثه، وعرضوه للاغتيال، وسرقوا فحولته، ولم ينقذه سوى يقظة مفاجئة مست عقله وأدرك من خلالها ضرورة العودة إلى وطنه.

وربما لخَّص هذا المقطع من قصة «ما تبقَّى من هامتي» الصراع بين الأنا والآخر.

تقول الكاتبة على لسان بطلها: «آه جرحنا العربي! إلى متى تظل متقيحًا؟

ألم يأن الأوان لتُسعَف، ليُمسَح دمك، وليوقفوا نزفك وتُعقَّم ونُشفَى جميعًا؟وربما كانت إجابة هذا السؤال المهم مطروحة.

في المقال القادم ندخل إلى الجماليات الفنية في محموعة الكاتبة القصصية 

شارك المقال: