رواية علي محمد علي: الراعي (14)
يومٍ آخر، لمح سيارة متوقفة أسفل تبة عالية، لم تكن ساكنة، بل تهتز على نحوٍ غريب، اقترب بحذر، كل خطوة محسوبة، حتى صار قريبًا بما يكفي ليرى بوضوح أكثر

تصميم خاص لرواية الراعي
حصريًا لموقع “آخر الكلام”
هو و هي
ألف عبدون الطريق، لم يعد غريبًا عنه كما كان، بل صار كأن بينهما خيط خفي، نداء لا يُسمع، لكنه يُطاع، يجذبه كلما ابتعد، ويتركه حائرًا كلما اقترب، لكنه… لم يعد يندفع.
تراجع عن المواجهة، لم يعد يأمر القطيع بقطع الطريق، لم يعد يختبر العابرين كما فعل من قبل، اكتفى بدورٍ آخر… دور المراقب.
عينه تلتقط كل شيء،
السيارات المسرعة، الغبار الذي تتركه خلفها، الوجوه خلف الزجاج، وجوه ضاحكة كأنها لا تعرف الخوف، وأخرى عابسة كأنها تحمل أثقالًا لا تُرى، عالم يمرّ أمامه سريعًا… دون أن يمسه.
كانت الأرض حول الطريق كريمة، أعشاب لم تُمس، نباتات لم تطأها قدم، فصار القطيع ينعم بما لم يعرفه من قبل، يرعى في وفرة، ويعود في هدوء، وعبدون… يراقب.
أحد الأيام، توقفت سيارة على جانب الطريق، نزل منها رجل، ابتعد قليلًا، يظن أنه وحده، وأن الصحراء لا ترى، لكن عين عبدون كانت هناك، مختبئة، حاضرة، ترصده دون أن تُرى، فابتسم ابتسامة خفيفة، كأنه أدرك لأول مرة أن هؤلاء العابرين… ليسوا آلهة كما ظن، بل بشر، يحملون ضعفهم معهم.
يومٍ آخر، لمح سيارة متوقفة أسفل تبة عالية، لم تكن ساكنة، بل تهتز على نحوٍ غريب، اقترب بحذر، كل خطوة محسوبة، حتى صار قريبًا بما يكفي ليرى بوضوح أكثر.
رواية علي محمد علي الراعي (13) عبدون والطريق
رواية علي محمد علي: الراعي (12)
داخلها… مشهد لم يفهمه كاملًا، لكنه شعر به.
شاب وفتاة، في حالة لا تشبه صراعًا، ولا شجارًا، بل شيء آخر، شيء فيه اندفاع، وقرب، وتورط لا يعرف له اسمًا، تجمّد في مكانه، لا يتقدم، ولا يتراجع، فقط ينظر، كأنه يحاول أن يفسّر ما يرى بعين لم تتعلم هذا النوع من المشاهد.
وفجأة… انتبها.
ارتبك الشاب، التفت نحوه بعينين مذعورتين، كأن وجود عبدون كشف سرًا لا يُغتفر، مدّ يده بسرعة، ألقى نحوه حزمة من النقود، كأنها فدية، أو محاولة لشراء الصمت، ثم أشعل السيارة، وانطلق بها كالسهم، تاركًا خلفه غبارًا كثيفًا… ومشهدًا لم يغادر رأس عبدون.
ظل واقفًا.
ينظر إلى المكان الذي اختفى فيه، ثم إلى ما في يده، النقود… لم يفهم قيمتها، والمشهد… لم يفهم معناه.
لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا:
أن العالم الذي كان يُحذَّر منه… لم يكن فقط خطرًا، بل… غامضًا، ومليئًا بأشياء… لا تُفسَّر بسهولة.
وذات يوم، انشقت السكينة التي اعتادها على صوتٍ يعرفه جيدًا، صوت القطيع حين يضطرب، لا كفزعٍ عابر، بل كإشارةٍ إلى أمرٍ أكبر من قدرتهم على الفهم أو الفعل.
انتفض عبدون من موضعه، لم يعد يختبئ هذه المرة، ترك حذره خلفه، واتجه مسرعًا نحو مصدر الصوت، والخطوات تقطع الرمل قطعًا، كأن شيئًا يدعوه ولا يترك له فرصة للتردد، حتى وصل.
رأى القطيع ملتفًا في دائرة ضيقة،
ساكنين على غير عادتهم، عيونهم مثبتة على جوالٍ من الخيش، رطب، متماسك من الخارج، لكنه بدأ يترمم من أطرافه، كأن ما بداخله أثقل من أن يحتمله.
اقترب عبدون ببطء، انحنى، شدّ الجوال نحوه، شعر بثقله، لا كثقل العلف، ولا الماء، بل ثقلٍ آخر، صامت، سحبه بعيدًا عن الطريق، إلى موضع منخفض لا تراه العيون العابرة، ولا تبلغه عجلة العابرين، ثم جلس، ووضعه أمامه، وتردّد لحظة، كأن يده تعرف ما ستجده، لكنها لا تريد أن تراه، ثم فتحه.
انكشف الجوال عن جسد امرأة، شابة، لم يتجاوز وجهها ما يمكن أن يكون بداية الثلاثين، لكن ملامحها كانت قد سُحبت منها الحياة.
الطعنات واضحة في بطنها وصدرها، آثارها حادة، كأنها لم تُمنح وقتًا لتقاوم، أو لتفهم، عيناها نصف مفتوحتين، لا تنظران لشيء، ويدها… ما زالت تحتفظ بما عليها، أربعة خواتم ذهبية تلمع رغم الغبار، وعلى معصميها غوائش كثيرة، وعلى عنقها سلسلة عريضة، ثقيلة، لم تُنزع، لم تُمس.
فتوقّف عبدون، ونظر، وفهم دون أن يُقال له، أن القتل هنا لم يكن جوعًا، ولا حاجة، بل شيء آخر…
شيء لا يعرفه،
لكنه يعرف أنه ليس كالذي بينه وبين القطيع، سكن قليلًا، ثم تسللت الفكرة إلى رأسه، ثقيلة: بأي ذنب قُتلت؟
لم يجد إجابة، ولم ينتظرها.
قام، وبدأ يحفر، كما يفعل دائمًا، حين تموت بهيمة من القطيع، حفرة واسعة، عميقة بما يكفي لتحتوي الجسد، وتخفيه، يداه تتحركان بثبات، كأن الفعل معروف، لكن المعنى غائب
حين انتهى عاد إليها، نظر مرة أخيرة، لا شفقة ظاهرة، ولا قسوة، فقط نظرة من لا يعرف كيف يشعر، ثم مدّ يده، وبدأ ينزع الذهب عنها، خاتمًا تلو الآخر، الغوائش، السلسلة، كل شيء، لا لأنه طامع، بل لأن الفعل عنده بلا اسم، بلا حكم.
كأنه يُفرغ الجسد مما لا يفهمه
ثم قطع جزءًا من فستانها، لفّ فيه ما جمعه، عقده في صرّة صغيرة، ووضعها جانبًا، بعدها حمل الجسد، وأنزله إلى الحفرة، برفق لم يقصده، ثم بدأ يهيل عليه التراب، طبقة فوق طبقة، حتى اختفت، وعاد السطح كما كان، لا يدل على شيء.
وقف لحظة، ينظر إلى الأرض.
ثم التقط الصرّة، ووضعها فوق موضع الدفن، علامة لا تُفسَّر، شاهدًا لا يعرف معناه، ثم ابتعد، والقطيع من خلفه عاد يتفرق ببطء، كأن شيئًا لم يكن، لكن في داخله… لم يعد الصمت كما كان.
رفع عبدون رأسه إلى السماء فجأة، كأن شيئًا انكسر داخله ولم يعد يحتمل الحبس، عيناه لم تكونا تبحثان… بل تحاكمان، وصوته خرج غاضبًا، خشنًا، مشروخًا من كثرة ما سكت:
هم إذن قتلة… كما قال السيد “أبو الفضل”… قتلة!
وكلما حاولت أن أصدق… كلما لانت نفسي لكلام السيد “عمر”… كلما خرج لي من بين الرمال شاهد، شاهد واحد يكفي ليهدم كل شيء، شاهد يقول: لا… هم كما قيل لك، أسوأ مما تظن!
اتسعت عيناه، واشتد صوته، كأن الكلمات صارت تُقذف لا تُقال:
يقتلون… بلا سبب!
يتركون الجسد مرميًا كأنه شيء… لا روح فيه، لا حكاية، لا أم كانت تنتظره، ولا اسم كان يُنادى به!
ثم انخفض صوته قليلًا، لكنه ازداد سُمكًا، ازداد مرارة:
ويخونون… ويكذبون… ويبيعون بعضهم بعضًا… كما بِعتُ أنا… وكأن الأمر عندهم عادي… عادي!
ضرب الأرض بعصاه ضربة مكتومة، كأنها خرجت من صدره:
فلماذا… لماذا تريد أن تتركني بينهم يا رب؟!
لماذا تفتح لي عينيّ عليهم… ثم تتركني أرى كل هذا وحدي؟!
تنفّس بعنف، صدره يعلو ويهبط، كأنه يطارد هواءً يهرب منه:
إنهم عبيد… عبيد لما فيهم، لرغباتهم، لشهواتهم، لا يقفون عند حد، لا يخافون، لا يتراجعون… ما الذي يمنعهم؟! ما الذي يردّهم؟!
ثم رفع صوته فجأة، كأن السؤال خرج منه دون إذن:
أين أنت؟!
سكتت الصحراء لحظة… أو ربما هو الذي سكت… ثم عاد، لكن بصوتٍ مكسور هذه المرة، لا غضب فيه بقدر ما فيه عجز:
أين كنت… حين كانوا يطعنونها؟
أين كنت… حين تُركت هكذا… وحدها؟
أين كنت… حين بِعتُ أنا… ولم يسأل أحد؟!
ابتلعت الكلمات نفسها، لكنه لم يتوقف:
كنت ترشدني… كنت تجعل الطريق واضحًا… كنت تقول لي افعل… ولا تفعل… والآن؟!
أشار بيده في الفراغ، كأن الضياع صار شيئًا يُرى:
الآن… كل شيء متشابه… كل شيء ملتبس… الخير يختلط بالشر… والوجوه لا تُفهم!
ثم قالها ببطء، وكأنها اعتراف ينتزعه من داخله:
أنا… لا أعرف.
توقف.
ثم أكمل، بصوتٍ أخفض، لكنه أشد صدقًا:
لا أعرف كيف أختار… ولا أريد أن أختار… خذ عني هذا… خذ عني هذا الحمل… لا تتركني وحدي فيه…
غرس عصاه في جوف الأرض بعنف، حتى استقرت كأنها وتد يشقّ الصحراء، ثم بسط يديه إلى السماء، لا كمن يدعو فقط… بل كمن يحاول أن يمسك بشيء يفلت منه:
أنا هنا…
أنا هنا يا رب…
ألم تعد تراني؟
أم أني صرت… مثلهم؟
سقطت الكلمات الأخيرة أثقل من غيرها.
وبقي واقفًا…
ذراعاه ممدودتان…
والسماء… لا تجيب.





