دينا محسوب تكتب: “ضفاف الصمت” رواية د. سمير محمود
بدا لي أن "ضفاف الصمت" وكأنها تذكير هادئ بأن الأسرة ليست مجرد أسماء تجمعها صلة قرابة، وإنما ذاكرة مشتركة، ودفء، وسند، وأشخاص يكبرون داخلنا كما نكبر نحن داخلهم.

غلاف كتاب (ضفاف الصمت . . من شبرا إلى هناك)
تجربة تطرح سؤال الجيل: أين ذهب ذلك الزمان وأين ذهبنا نحن؟
هناك كتب لا نقرأها فقط، وإنما نعيشها، نفتح صفحاتها فنجد أنفسنا، دون أن نشعر، قد عدنا سنوات طويلة إلى الوراء، إلى طفولتنا وشبابنا، إلى بيوت كانت أكثر دفئًا، ووجوه كانت أكثر قربًا، وأيام كنا نظنها عادية، قبل أن نكتشف بعد أن كبرت بنا الأيام أنها كانت من أجمل أيام العمر.
د. سمير محمود في أحدث إصدارته: (صفاف الصمت) حينما يكتب أيامه وأيامنا
هذا ما شعرت به وأنا أقرأ “ضفاف الصمت.. من شبرا إلى هناك”
الصادر حديثا عن دار الأدهم للنشر والتوزيع، للكاتب الصحفي د. سمير محمود.
فرغم أن العمل يحمل تجربة صاحبه وذكرياته، لم أشعر وأنا أقرأه أنني أمام سيرة شخص واحد، وإنما أمام جزء من ذاكرة جيل كامل.
وكأن الكاتب، وهو يستعيد محطات حياته وملامح المكان والناس من حوله، كان يوقظ فينا نحن أيضًا ذاكرة ظلت نائمة لسنوات.
والأجمل أن الصفحات لا تأخذنا فقط إلى تفاصيل الحياة اليومية، وإنما تربطنا، فصلًا بعد فصل، بأحداث سياسية وتاريخية كبرى عاشها مجتمعنا العربي، وأصبحت جزءًا من ذاكرتنا الجماعية.
من انتفاضة فلسطين إلى أحداث أخرى لا تزال حاضرة في الذاكرة، وغيرها من المحطات التي مرت أمام أعيننا وتركت أثرها في وجدان جيل كامل.
فنحن لا نتذكر هذه الأحداث باعتبارها أخبارًا قرأناها أو شاهدناها، وإنما نتذكر أين كنا، وماذا كنا نفعل، وكيف كانت بيوتنا وشوارعنا تتفاعل معها.
وهكذا تصبح السنوات في «ضفاف الصمت» أكثر من مجرد سنوات مرت
إنها أشخاص وأماكن وأحداث ومشاعر، وكل فصل قادر على أن يفتح في ذاكرتنا بابًا كنا نظن أنه أُغلق منذ سنوات.
ولهذا وجدتني لا أستعيد ذكريات سمير محمود فقط، وإنما أستعيد ذكرياتي أنا أيضًا.
كلما مررت بين الصفحات، ظهرت أمامي صورة من الماضي، أو وجه من وجوه أهلنا، أو بيت قديم، أو تفاصيل صغيرة كنا نعيشها يوميًا دون أن ندرك أنها ستصبح يومًا من أثمن ما نملك: الذكريات.

ولفتني بشكل خاص حديث الكاتب عن الأماكن والمناطق التي مر بها وعاشت معه، وتركت في داخله أثرًا لا يقل عن أثر الأشخاص.
وهذه تحديدًا من أكثر الأفكار التي تلمس قلبي
لأنني أؤمن أن للأماكن ذاكرة خاصة، وأن بعض الشوارع لا تبقى مجرد شوارع بعد أن نتركها.
فحين أمر في شارع مدرستي القديمة، أو أسير في الحي الذي عشت فيه، حيث كان بيتنا الذي جمعني بوالديّ رحمهما الله، أشعر أن المكان نفسه يستعيد معي شيئًا من الماضي.
قد لا يتغير الشارع كثيرًا، لكنني أنا التي أتغير، وفجأة تصبح زاوية قديمة، أو باب بيت، أو رصيف مشيت عليه عشرات المرات، قادرًا على أن يعيد إلى القلب مشهدًا كاملًا من سنوات بعيدة.
أعتقد أن تأثير الأماكن نوع خاص من الذكريات، لأنها لا تعيد لنا ما حدث فقط، وإنما تعيد لنا إحساسنا ونحن نعيشه.
وربما لهذا تظل بعض الأماكن تسكننا، حتى بعد أن نغادرها بسنوات طويلة.
ولفت نظري أيضًا حديث الكاتب عن نفسه وهو في مقتبل العمر، حين كان يفكر في الارتباط وتكوين أسرة.
كانت تلك الصفحات تحمل شيئًا من أحلام الشباب، حين يبدو المستقبل مفتوحًا، والحياة أكثر بساطة، ولا نعرف بعد كم ستأخذ منا الأيام وكم ستمنحنا.
ثم ينتقل من أحلام الشاب إلى الأسرة التي أصبحت جزءًا من حياته، وهنا شعرت أن نبرة السرد نفسها تتغير.
ففي اللحظة التي بدأ فيها يتحدث عن أسرته وأبنائه، شعرت أنه لم يعد يكتب عن الآخرين بالطريقة نفسها.
نحن نستطيع أن نتحدث عن الآخرين بسلاسة ويسر، أن نصف مواقفهم، ونحلل شخصياتهم، ونحكي عن أفراحهم وأحزانهم وكأن بيننا وبين الحكاية مسافة آمنة.
لكن حين يأتي الحديث عن أبنائنا، يختفي القلم وتظهر المشاعر، وتصبح هي الحبر الذي يكتب.
فالأبناء ليسوا مجرد أشخاص نكتب عنهم، إنهم قطعة من القلب خرجت لتعيش أمام أعيننا.
وحين نتحدث عنهم، يبدو الأمر وكأن القلب نفسه خرج من مكانه ليتكلم؛ فتجتمع في الكلمات مشاعر الخوف والقلق والحب والفخر والأمل.
وهذا ما جعل حديثه عن أسرته وإخوته وأبنائه أكثر تأثيرًا بالنسبة لي.
فهو لا يقول لنا بشكل مباشر إن الأسرة مهمة أو إن الأخوة قيمة عظيمة، وإنما يحكي ويستعيد التفاصيل، ومن بين هذه التفاصيل نفهم نحن قيمة الأشخاص الذين شكلوا حياته، ومقدار حضورهم في قلبه.
وهنا تكمن براعة السرد؛ أن الكاتب لا يشرح لنا المشاعر، وإنما يجعلنا نراها وهي تتسلل بين السطور.
وربما كان هذا أكثر ما نفتقده اليوم، في وقت أصبح فيه التشتت والتفكك الأسري واقعًا يلمسه كثيرون، وأصبح أفراد الأسرة الواحدة أحيانًا يعيشون تحت سقف واحد، لكن تفصل بينهم مسافات لا تُرى.
لذلك بدا لي أن “ضفاف الصمت” وكأنها تذكير هادئ بأن الأسرة ليست مجرد أسماء تجمعها صلة قرابة، وإنما ذاكرة مشتركة، ودفء، وسند، وأشخاص يكبرون داخلنا كما نكبر نحن داخلهم.
ومن هنا أخذتني هذه السيرة، بهدوء، إلى ذلك الماضي الذي كان فيه أهلنا أكثر بساطة، وكانت البيوت أقل انشغالًا بالمظاهر، وكانت السعادة ممكنة بأشياء قليلة.
كانت الأسرة هي المركز، وكان الأب والأم يعرفان بوضوح ما يريدانه لأبنائهما.
تذكرت الطبقة المتوسطة التي كانت، في رأيي، واحدة من أجمل طبقات المجتمع.
لم تكن تملك الكثير، لكنها كانت تمتلك وضوحًا في الأولويات. كان التعليم يأتي في المقدمة، وكانت تربية الأبناء مسؤولية لا تقبل التهاون، وكان بناء بيت مستقر حلمًا كبيرًا يستحق أن يبذل الإنسان من أجله سنوات عمره.
كان الأب يعمل ويجتهد ليمنح أبناءه فرصة أفضل، وكانت الأم تحمل هم البيت والأبناء، وتحلم أن ترى ابنتها متعلمة، ثم تتزوج وتبني بيتًا، وأن يكبر أبناؤها وهم يحملون من الأخلاق ما يجعلها مطمئنة عليهم.
لم تكن تلك المرحلة مثالية، بالطبع، ولم تكن الحياة خالية من المشكلات، لكنها كانت أكثر اتزانًا.
لم تكن كل فكرة تتحول إلى معركة، ولا كل اختلاف إلى خصومة، ولم تكن هناك تلك المغالاة التي نراها اليوم في بعض الأفكار والمواقف، سواء في الدين أو في العادات والتقاليد.
كان الناس يعرفون ببساطة ما يسمونه «الأصول»
والأصول لم تكن مجرد كلمات نرددها، وإنما سلوكًا نعيش به: احترام الكبير، وتقدير الجار، وحفظ العِشرة، وصون البيت، ومراعاة مشاعر الآخرين، ومعرفة أن الاختلاف لا يلغي الاحترام.
وربما كانت تلك التفاصيل الصغيرة هي التي منحت المجتمع توازنه، وجعلت للبيوت شكلًا خاصًا، وللعلاقات معنى مختلفًا.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة «ضفاف الصمت» بالنسبة لي، فهو لا يكتفي باستعادة الماضي، وإنما يجعلنا نعيد النظر فيما فقدناه منه.
يجعلنا نتساءل عن أشياء كانت بالنسبة لنا طبيعية وعادية، ثم أصبحنا نفتقدها اليوم ونبحث عنها.
فلم يجعلني الحنين إلى ما مضى لمجرد أنه مضى
وإنما جعلني أحن إلى الإنسان الذي كنا عليه؛ إلى البساطة، والدفء، والوضوح، وإلى مجتمع كانت فيه الأسرة والتعليم والأخلاق والأصول جزءًا من الحياة اليومية، وليست مجرد شعارات نتحدث عنها من وقت إلى آخر.
وربما لهذا السبب شعرت أنني، وأنا أقرأ ذكريات سمير محمود، أقرأ شيئًا من ذاكرتي أنا أيضًا، وشيئًا من ذاكرة جيل كامل؛ جيل عاش أحداثًا كبرى، وفرح وانكسر، وكبر وسط تحولات كثيرة، لكنه ظل يحمل في داخله صورًا لا يمكن أن تمحوها السنوات.
وفي النهاية، تركت هذه الصفحات في داخلي سؤالًا لم يكن عن الماضي بقدر ما كان عن الحاضر:
أين ذهب ذلك الزمن؟
ثم اكتشفت أن السؤال الأصعب ليس هذا.
وإنما: أين ذهبنا نحن؟
فالسنوات تمضي، والتكنولوجيا تتطور، والحياة تتغير، وهذا كله طبيعي. لكن ما ليس طبيعيًا أن نمضي إلى الأمام ونترك خلفنا كل ما جعلنا بشرًا أفضل.
ربما لا نستطيع أن نعيد ما مضى، لكننا نستطيع أن نستعيد بعضًا مما كان جميلًا فيه.
فليست المشكلة أن العالم تغيّر… المشكلة أن نتغير معه، وننسى الأصول.






