د. مجدي قرقر يكتب: مناهج المعاصرين في التفسير الموضوعي للقرآن (6)
استعرضنا في المقال السابق منهج أحد أسبق العلماء في التفسير الموضوعي "دكتور محمد عبد الله دراز" ونعرض في هذا المقال لمناهج اثنين من المعاصرين الرواد.

غلاف كتاب سيد قطب
جهود السابقين ومناهجهم
أشرنا في المقالات السابقة إلى عدد من أكثر من اهتموا بالتفسير الموضوعي في عصرنا الحديث، على سبيل المثال لا الحصر:
الدكتور محمد عبد الله دراز، الأستاذ سيد قطب، الشيخ محمد الغزالي، الدكتور عبدا لستار فتح الله سعيد، الدكتور محمد نبيل غنايم، الشيخ سعيد حوى، الدكتور مصطفى مسلم، الدكتور محمد بن عبد العزيز الغواجي، الشيخ عادل محمد خليل، جامعة المدينة العالمية، وجامعة الشارقة.
ولقد تباينت مناهج هؤلاء العلماء أو الجامعات وفقا لمناهج التفسير الموضوعي الأربعة التي عرضنا لها: “التفسير الموضوعي لموضوعات القرآن الكريم” “التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم”، “التفسير الموضعي لآيات القرآن الكريم”، “التفسير الموضوعي للمفردة القرآنية”
وأوضحنا أن المفسر قد يتبع أكثر من منهج من المناهج الأربعة في كتبه.
ولقد استعرضنا في المقال السابق منهج أحد أسبق العلماء في التفسير الموضوعي “دكتور محمد عبد الله دراز” ونعرض في هذا المقال لمناهج اثنين من المعاصرين الرواد.
د. مجدي قرقر يكتب: منهج الدكتور دراز في التفسير الموضوعي للقرآن (5)
الأستاذ سيد قطب “صاحب الظلال” (1906م – 1966م)
يعتبر الأستاذ سيد قطب من الرواد المحدثين بعد الشيخ محمد عبد الله دراز والشيخ أمين الخولي رغم أن مصطلح التفسير الموضوعي لم يكن قد استقر بين علوم القرآن بعد، كما أن أيا من الشيوخ الثلاثة لم يدعي أنه كتب في التفسير الموضوعي.
وأزعم أن الأستاذ سيد قطب قد جمع في تفسيره بين التفسير التحليلي والتفسير الموضوعي كما أنه أخذ بمنهجي التفسير بالرواية (المأثور) والتفسير بالدراية (الرأي) وإن غلب عليه التفسير بالدراية.

ولقد غطى مناهج التفسير الموضوعي بمناهجه الأربعة في كتبه وفقا لما يلي:
1– أخذ الأستاذ سيد قطب بالمنهج الأول في التفسير الموضوعي (التفسير الموضوعي لموضوعات القرآن الكريم) في كتابه “التصوير الفني في القرآن”
إذ قام بجمع الصور الفنية في القرآن الكريم واستعراضها وبين طريقة التصوير الفني فيها والتناسق الفني الرائع في إخراجها دون التعرض للمباحث اللغوية أو الكلامية أو الفقهية أو سواها من مباحث القرآن الكريم.
كما أخذ بهذا المنهج في التفسير الموضوعي في كتابه “مشاهد يوم القيامة” والذي جمع فيه مشاهد يوم القيامة الواردة في القرآن الكريم وربط بينها وفسرها ببعضها البعض.
ولقد أشارت الباحثة أسماء بنت عمر حسن فدعق في أطروحتها للدكتوراه المقدمة لجامعة أم القرى بمكة المكرمة عام 1416 هجرية إلى أن سيد قطب أطال في حديثه حول بعض القضايا والموضوعات العقائدية والاجتماعية والاقتصادية – في ثنايا تفسير الظلال فأصبحت صالحة لأن تندرج وتصنف ضمن التفسير الموضوعي مثل موضوعات:
“تحريم الربا” – “حقيقة عالم الملائكة” – “أحكام النساء في الإسلام” في مقدمته وتفسيره لسورة النساء.
2– ولقد استخدم المنهج الثاني في التفسير الموضوعي في مقدماته لسور القرآن في كتابه المشتهر (في ظلال القرآن)
إذ قام بالدراسة الإجمالية للسورة وتحديد محورها العام لها والربط بين موضوع السورة والسورة السابقة والسورة اللاحقة لها، وتقسيم السورة إلى مقاطع أو دروس ومشاهد في إطار المحور العام للسورة.
3- واستخدم المنهج الثالث في التفسير الموضوعي (التفسير الموضعي أي تفسير الآية أو طائفة الآيات في موضعها) في كتاب الظلال إذ كان يتناول الآية أو الطائفة من الآيات فيشرح الألفاظ والتراكيب والأحكام التي يعرض لها بآيات من سور أخرى لتأكيد معنى الآية أو الآيات التي هو بصدد تفسيرها
كما أنه تتبع ترتيب الآيات في سورها كما هو متبع في التفسير التحليلي.
4- كما استخدم المنهج الرابع في التفسير الموضوعي وهو “منهج المفردة القرآنية” بدراسة دلالة المصطلحات والمفردات القرآنية داخل القرآن الكريم، إذ تعرض في الظلال إلى مصطلحات الألوهية، الربوبية، الحاكمية، الجاهلية، العزلة والمفاصلة.
ولقد برع سيد قطب في استخدام المنهج الثاني في التفسير الموضوعي في كتابه “في ظلال القرآن” والذي يمكن تحديد ملامحه فيما يلي:
1- توضيح زمن نزول السورة مكية أو مدنية وسبب النزول أو أسباب النزول، مع استعراض الواقع التاريخي والاجتماعي للمجتمع وقت النزول مستندا إلى كتب السيرة والتاريخ.
2- الدراسة الإجمالية للسورة في مقدمته لها وتحديد المحور العام للسورة، والاستدلال ببعض آيات السورة التي ترتبط وتؤكد محورها العام، وهذا ما يسميه البعض بالوحدة الموضوعية في السورة.
3- الربط بين موضوع السورة والسورة السابقة والسورة اللاحقة لها، أو ما يسميه البعض بالوحدة الموضوعية الكلية للقرآن الكريم.
4- تقسيم السورة إلى مقاطع أو دروس ومشاهد في إطار المحور العام للسورة، وإيراد النص القرآني للمقطع مباشرة قبل تفسيره.
5- ومع كل مقطع يحاول وضع يد القارئ على مفتاحه بعرض الفكرة المحورية التي يعالجها، والأفكار الثانوية المكونة له، ولا يمنع ذلك من قيامه بتفسير الآيات المكونة لكل مقطع – تفسيرا تحليليا – وعرض أفكارها الرئيسية والثانوية متبعا منهجه الذي لم يجاريه فيه أحد – التصوير الفني للقرآن – مستندا إلى تميزه في ذلك وخلفيته الأدبية والنقدية.
6- تأكيد الترابط في الموضوع بين آيات السورة وبعضها البعض.
7- يجمع هذا الشتات مرة أخرى ليستخلص العبرة أو الموعظة أو العبر من السورة الكريمة.
8- لم يغرق تفسيره في بحوث لغوية أو كلامية أو فقهية تحجب القرآن عن روحه وتحجب روحه عن القرآن، كما يقول في مقدمة تفسيره.
الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد (مولده 1931م)
أشار الدكتور عبد الستار فتح الله في مقدمة كتابه “المدخل إلى التفسير الموضوعي للقرآن الكريم” إلى أن هذا العلم الآن (الطبعة الأولى للكتاب عام 1986 م) في مدارج التكوين والاستحكام، ليأخذ طورا جديدا في وجهته وطريقة عرضه وبحثه، وفي الغاية التي يستهدفها، وفي النتائج والآثار التي يتوخاها، حتى يصبح فنا من فنون التفسير القرآني قائما برأسه، ومتميزا بحدوده ومعالمه، ليجلي عظمة القرآن في هذا الزمان، وليبرز لونا جديدا من وجوه إعجازه، وحقائقه المترابطة، رغم ما بين أجزائها من فواصل الزمان في نجوم القرآن. ويعد كتابه مرجعا مهما في مجال التفسير الموضوعي حيث ضمنه:
مقدمة علمية ومدخل للعلم تضبط قواعده، وتحدد معالمه، وتميز طرقه وأهدافه، وتدل على مصادره ومراجعه.
وأشار في هذه المقدمة أنه استفاد في إعداده إلى بحوث سابقة من بينها بحث للشيخ الدكتور أحمد الكومي بعنوان “التفسير الموضوعي في القرآن الكريم”
وكتاب للشيخ الدكتور عبد الحي الفرماوي بعنوان “البداية في التفسير الموضوعي”.
وتعرض الشيخ في مقدمته المؤصلة للعلم إلى:
(حقائق التفسير الموضوعي وأصوله ومناهجه ونشأته وتطوره وأهميته – القواعد الحاكمة للتفسير الموضوعي – رد الشبهات)
أتبع تلك المقدمة بنماذج تطبيقية من التفسير الموضوعي ضمنها عدة موضوعات:
الوحدانية والتوحيد في القرآن – المعية في ضوء القرآن الكريم – التبعية في ضوء القرآن – العلم والعلماء في ضوء القرآن الكريم – الآخرة ومشاهدها في ضوء القرآن.
ولقد عرف الدكتور عبد الستار فتح الله التفسير الموضوعي بأنه “علم يبحث في قضايا القرآن الكريم، المتحدة معنى أو غاية، عن طريق جمع آياتها المتفرقة، والنظر فيها، على هيئة مخصوصة، بشروط مخصوصة، لبيان معناها، واستخراج عناصرها، وربطها برباط جامع”
وهو بهذا التعريف يقصر تعريف التفسير الموضوعي على ما أسميناه بـ “التفسير الموضوعي لموضوعات القرآن الكريم” وهو ما ذهب إليه وقدم نماذج له في كتابه “المدخل إلى التفسير الموضوعي للقرآن الكريم”
ونلاحظ أن هذا التعريف لا ينطبق على المنهج الثاني في التفسير الموضوعي والمسمى بـ “التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم”
ويقول في ذلك “إن تحديد هدف للسورة المتعددة الآيات أمر التماسي، اجتهادي، تختلف فيه الأنظار، فكيف تصنف الآيات في السورة على هدف مختلف في تحديده؟
وكيف يقوم التفسير على الاحتمال؟
مع أن الأصل في التفسير الموضوعي أن يقوم على أساس النصوص ذاتها، أو معانيها المتحققة، وإلى أن تقوم لهذا الضرب خطة علمية محكمة القواعد، واضحة المعالم، فإننا نعده في باب الدراسات القرآنية العامة، وليس في التفسير الموضوعي”
وقد خلص الدكتور عبد الستار فتح الله إلى منهج يعتمد على جمع الآيات ذات المعنى الواحد ووضعها تحت عنوان واحد والنظر فيها بما يؤلف منها موضوعا واحدا مستخرجا من الآيات الكريمة على هيئة مخصوصة.

خاتمة
وهكذا يتضح لنا تنوع مناهج المعاصرين في التفسير الموضوعي، واختلاف مداخلهم في الكشف عن هدايات القرآن ووحدته الموضوعية متدبرين إعجازه سبحانه في معجزته الباقية “القرآن الكريم”
وهو ما سنحاول استكمال نماذجه في المقال القادم، نفعنا الله بالقرآن وجعله هاديا ومرشدا ودستورا نستظل به.





