د. مجدي قرقر يكتب: مناهج المعاصرين في التفسير الموضوعي للقرآن (7)
المنهج الثاني من مناهج التفسير الموضوعي الذي يقوم على السورة القرآنية كوحدة بنائية في تفسيره الموضوعي

الشيخ محمد الغزالي من مفسري القرآن الكريم
جهود السابقين ومناهجهم
عرضنا في المقالات السابقة مناهج ثلاثة من الرواد ممن اهتموا بالتفسير الموضوعي في عصرنا الحديث.
ونعرض في هذا المقال مناهج أربعة من الرواد المعاصرين: الشيخ محمد الغزالي، الشيخ سعيد حوى، الدكتور مصطفى مسلم، الشيخ عادل محمد خليل.
د. مجدي قرقر يكتب: مناهج المعاصرين في التفسير الموضوعي للقرآن (6)
الشيخ محمد الغزالي (1917م – 1996م)
يقول شيخنا الفقيه محمد الغزالي في مقدمة كتابه “نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم – 1995م” كما أشرنا:
“لقد عنيت عناية شديدة بوحدة الموضوع في السورة، وإن كثرت قضاياها، وتأسيت في ذلك بالشيخ “محمد عبد الله دراز” عندما تناول سورة البقرة في كتابه “النبأ العظيم” وهو أول تفسير موضوعي لسورة كاملة، فيما أعتقد
ويضيف الشيخ ” وقد شعرت – على ضوء ما أحسست من نفسي – أن المسلمين بحاجة إلى هذا اللون من التفسير! كيف؟
لقد صحبت القرآن من طفولتي، وحفظته في سن العاشرة، ومازلت أقرؤه وأنا في العقد الثامن من العمر.
بدا لي أن ما أقبس من معانيه قليل، وأن وعيي لا يتجاوز المعاني القريبة والجمل المرددة، فقلت: إني ما قضيت حق التدبر فيه كما أمر منزله العظيم!
يجب أن أغوص في أعماق الآية لأدرك رباطها بما قبلها وما بعدها، وأن أتعرف على السورة كلها متماسكة متساوقة.
إنني أختار من الآيات ما يبرز ملامح الصورة، وأترك غيرها للقارئ يضمها إلى السياق المشابه، وذلك حتى لا يطول العرض ويتشتت، والإيجاز مقصود لدي.
وأنبه إلى أن هذا التفسير الموضوعي لا يغني أبدا عن التفسير الموضعي بل هو تكميل له وجهد ينضم إلى جهوده المقدرة”.
“وهناك معنى آخر للتفسير الموضوعي لم أتعرض له! وهو تتبع المعنى الواحد في طول القرآن وعرضه وحشده في سياق قريب، ومعالجة كثير من القضايا على هذا الأساس. وقد قدمت نماذج لهذا التفسير في كتابي – المحاور الخمسة للقرآن الكريم – و – نظرات في القرآن.
ويتبع الشيخ في كتابه “نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم – 1995م”
المنهج الثاني من مناهج التفسير الموضوعي الذي يقوم على السورة القرآنية كوحدة بنائية في تفسيره الموضوعي.
ويمكن أن نخلص إلى منهج شيخنا الفقيه في كتابه الموجز، بإيجاز غير مخل، فيما يلي:
أ) تحديد مكية أو مدنية السورة والسياق الذي نزلت فيه.
ب) تحديد وحدة الموضوع في السورة وإن كثرت قضاياها.
ج) تقسيم السورة إلى مقدمة ومتن وإن لم يحدد موضع ختامها تحديدًا صريحًا.
د) ربط مقدمة السورة بمتنها وربط أجزاء متنها ببعضها البعض.
ه) حصر الكلمات والجمل المتكررة في السورة، وبيان دلالاتها.
و) يختار من الآيات ما يبرز ملامح الصورة ويترك غيرها للقارئ يضمها إلى السياق المباشر وذلك حتى لا يطول العرض ويتشتت، فالإيجاز كان هدفا عند شيخنا.
الشيخ سعيد حوى (1935م حماة – 1989 م عمان الأردن)
يتبع الشيخ سعيد حوى في مؤلفه الموسوعي “الأساس في التفسير – 1985م
” المنهج الثاني من مناهج التفسير الموضوعي الذي يقوم على السورة القرآنية كوحدة بنائية في تفسيره الموضوعي (11 جزء – 6799 صفحة)
ويمكن أن نخلص إلى منهج الشيخ سعيد حوى فيما يلي:
أ) اعتمد تقديم الألوسي في تقديمه للسورة، وتذكر في هذه المقدمة النقاط التالية:
1– اسم السورة أو أسماؤها إن كان لها أكثر من اسم.
2- مكية السورة أو مدنيتها
3- عدد آياتها عند البصريين والكوفيين والشاميين والحجازيين والاختلاف بين القراء في العدد وسببه.
4– المناسبة بين افتتاحية السورة وخاتمة ما قبلها.
5- المناسبة بين مضمون السورة ومضمون ما قبلها.
ب) فضائل السورة إن وجدت.
ج) سبب نزول السورة.
د) محور السورة (مع تحليل لاختيار هذا المحور).
ه) مقدمة السورة والعلاقة بينها وبين خاتمتها.
و) تقسيم السورة إلى مقاطع متتالية وتفسير إجمالي لها وبعض الفوائد منها وفقه العمل المستفاد من المقطع وربط مقاطع السورة بالسياق العام لها.
ويلاحظ أن عدد صفحات تفسير السورة في حدود عشرة أضعاف عدد صفحات السورة في المصحف.
والمؤلف –كما يقول عن نفسه- لا يكلف نفسه عناء صياغة شيء يحتاجه الكتاب إذا كان غيره قد صاغه بالصياغة التي يرضاها أو التي تقصر عنها عبارته أصلاً، إذ إن الهدف وجه الله ليس إلا.

دكتور مصطفى مسلم (مولده 1940م سوريا)
يعرض الدكتور مصطفى مسلم في مقدمة كتابه “مباحث في التفسير الموضوعي” لأهمية التفسير الموضوعي المتجلية في استنباط دلالات ومعان وتوجيهات تسهم في الوفاء بحاجات البشر ومشكلاتهم المتجددة والمتعددة والتي فرضت نفسها في هذا العصر ولم تكن موجودة في عصر التنزيل – من خلال السياق والسباق للآيات الكريمة، وتتبع الكلمات القرآنية، واستعمالاتها، والروابط بين السور والآيات، وبين بدايات الآيات وفواصلها، وافتتاحيات السور وخواتمها.
يتعرض الكتاب لتعريف التفسير الموضوعي ونشأته، وتطوره وألوانه وأهميته، ومناهج البحث في التفسير الموضوعي للقرآن، بالبحث في موضوع معين من خلال القرآن أو منهج البحث في التفسير الموضوعي لسورة واحدة، ثم تطرق الكاتب إلى علاقة التفسير الموضوعي بالأنواع الأخرى من التفسير.
وينتقل الكتاب لشرح العلاقة بين علم المناسبات والتفسير الموضوعي باعتبار الصلة الوثيقة بينهما، وخاصة التفسير الموضوعي للسورة الواحدة، وذلك أن الاطلاع على المناسبة بين الآيات داخل السورة لها إسهام كبير في إدراك الموضوع العام للآيات المكونة للسورة، وأهدافها ومقاصدها، وإن اختلفت مواضيعها الجزئية، وسياقاتها التاريخية اعتمادا على قاعدة: «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب»
ويفرد الكاتب ثلاثة أرباع الكتاب المتبقية بتقديم النموذجين الأكثر شيوعا للتفسير الموضوعي للقرآن الكريم:
يتناول النموذج الأول “البحث في موضوع معين من خلال القرآن كله” بعنوان “الألوهية من خلال آيات القرآن الكريم” مستعرضا ما جاء في القرآن الكريم من آيات وسور له علاقة بموضوعات “الألوهية والفطرة – التوحيد – أدلة الخلق والإبداع – البراهين العقلية – إثبات صفات الكمال لله سبحانه وتعالى وتنزيهه عن صفات النقص”
ويتناول النموذج الثاني “منهج البحث في التفسير الموضوعي لسورة واحدة”
بتقديم تفسير موضوعي لسورة الكهف تحت عنوان “القيم في ضوء سورة الكهف” وفقا للتفصيل التالي:
أ) اسم السورة أو أسماؤها إن كان لها أكثر من اسم.
ب) عدد آياتها عند البصريين والكوفيين والشاميين والحجازيين والاختلاف بين القراء في العدد وسببه.
ج) فضائل السورة وخصائصها إن وجدت.
د) وقت نزول السورة (مكية السورة أو مدنيتها).
ه) سبب نزول السورة.
و) محور السورة وأهدافها. (مع تحليل لهذا الاختيار)
ز) تقسيم السورة إلى مقاطع متتالية.
ح) المناسبات في السورة:
1- المناسبة بين اسم السورة وموضوعاتها.
2- المناسبة بين افتتاحية السورة وخاتمتها.
3- المناسبة بين مقاطع السورة وهدفها
ط) افتتاحية (مقدمة) السورة وموضوعاتها الأساسية.
ي) تفسير إجمالي لمقاطع السورة والمناسبة بين المقاطع المتتالية والعظات والعبر المستفادة.
ك) خاتمة السورة
وبتقديم الكاتب لهذين النموذجين يكون قد شرح وفصل بطريقة عملية لما سبق أن قدمه من مدخل نظري لموضوع التفسير الموضوعي للقرآن.

الشيخ عادل محمد خليل
يعرض الشيخ عادل محمد خليل في كتابه “أول مرة أتدبر القرآن” دليلا لفهم وتدبر القرآن من سورة الفاتحة إلى سورة الناس –
كما يقول عنوان الكتاب وهو منهج أقرب إلى “الدليل العملي المنظم لتدبر سور القرآن” أكثر من اقترابه من المنهج الثاني للتفسير الموضوعي “التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم”
أتبع الكاتب مقدمة الكتاب بعرض منهجه في الكتاب وفقا لما يلي:
أ) عدد آيات السورة وهل هي مكية أم مدنية؟ باعتبار وقت النزول دون الالتفات إلى الأماكن.
ب) اسم السورة أو أسماؤها إن كان لها أكثر من اسم، واعتمد الكاتب في هذا على كتاب الإتقان في علوم القرآن للإمام السيوطي وكتاب التحرير والتنوير لابن عاشور.
ج) مناسبة تسمية السورة معتمدا على نفس المرجعين في البند السابق.
د) بعض ما جاء في فضل السورة إن كان ثابتا صحيحا.
ه) موافقة أول السورة لآخرها مع عدم اشتراط أن يكون أول السورة هو أول آية فيها مطلقا، أو أن يكون آخر السورة هو آخر آية فيها مطلقا.
و) المحور الرئيسي للسورة أو المقصد العام للسورة الذي تدور حوله معتمدا على كتاب مصاعد النظر للبقاعي إضافة إلى كتب التفسير كتفسير القرطبي وابن كثير وغيرهما.
ز) تقسيم مواضيع السورة في نقاط مرتبة ووضع أرقام الآيات المقابلة.
ح) الإشارة لبعض اللطائف والفوائد المتنوعة حول السورة ومصادر هذه اللطائف والفوائد دون إسهاب.
وفي ختام عرضنا لهذه النماذج في التفسير الموضوعي نود أن نؤكد على أنه رغم اتفاق هؤلاء العلماء على الاهتمام بالسورة كوحدة موضوعية إلا أن هذا لا يعني تماثل مناهجهم التطبيقية.






