تقارير
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

تقرير: بركان جنوب لبنان ينفجر مجدداً: دمار واسع، تصعيد إسرائيلي متهور

لم تكن غارات فجر الاثنين مجرد خرق عابر، بل كانت ضربات غاشمة استهدفت العصب المدني والإنساني في جنوب لبنان

مشاركة:
حجم الخط:

رياح حرب تحرق اتفاقات التهدئة

مشهد دموي يعيد للأبدان هواجس الحرب الكبرى، تحولت قرى وبلدات جنوب لبنان، فجر اليوم الإثنين، إلى ساحات لظاها لا ترحم، إثر موجة غارات جوية إسرائيلية عنيفة وممنهجة طالت الحجر والشجر والبشر.

يأتي هذا التصعيد الخطير ليقوض ما تبقى من تفاهمات هشة وخرائط إطار لوقف إطلاق النار، مسفراً عن مجازر مروعة وحصيلة ثقيلة من الشهداء والمصابين.

وسط تنديدات رسمية واسعة وتحذيرات إقليمية ودولية من انزلاق الإقليم إلى منزلق سحيق يصعب احتواؤه.

الغارديان: تصعيد إسرائيلي في غزة والضفة.. لماذا لا يتحرك العالم؟

مجزرة كفررمان: دماء الأبرياء والمسعفين تحت الأنقاض

لم تكن غارات فجر الاثنين مجرد خرق عابر، بل كانت ضربات غاشمة استهدفت العصب المدني والإنساني في جنوب لبنان.

فقد شن الطيران الحربي الإسرائيلي غارات مدمرة استهدفت مبنى سكنياً مؤلفاً من ثلاثة طوابق في بلدة كفررمان، ما أدى إلى تسويته بالأرض

اسفرت الغارات عن سقوط اثني عشر شهيدا، من بينهم طفل وسيدتان، فضلاً عن إصابة ثلاثة عشر آخرين بجروح متفاوتة تضم أربعة أطفال وسيدتين ومسعفاً في الهيئة الصحية.

ولم تتوقف الآلة العسكرية عند هذا الحد، بل استهدفت طائرة مسيّرة إسرائيلية سيارة في البلدة ذاتها، ما أودى بحياة مسعفين كانا يؤديان واجبهما الإنساني.

اسفر الاستهداف عن استشهاد  هبة صباح ورضيعها أحمد فرحات، والمسعف علي شحرور، في تعمد مباشر لطواقم الإسعاف والإغاثة.

صورة لشهيد الغارة على سيارة الإسعاف في حنوب لبنان
صورة لشهيد الغارة على سيارة الإسعاف في حنوب لبنان

توسع رقعة النيران: إنذارات الإخلاء وموجات النزوح

لم تقتصر الاعتداءات الإسرائيلية على كفر رمان، بل امتدت لتطال بغارات مكثفة بلدات النبطية الفوقا، عربصاليم، وجبل الرفيع.

وفي تطور يعكس سياسة الأرض المحروقة والتهجير القسري، أصدر الجيش الإسرائيلي -للمرة الثانية خلال أيام قليلة- إنذاراً عاجلاً بإخلاء مبنى في بلدة دير الزهراني قبل قصفه وتدميره.

هذه التهديدات المتكررة خلقت حالة من الذعر الشديد

أدى ذلك إلى موجة نزوح واسعة النارية للأهالي الفارين من قرى قضاء النبطية بحثاً عن الموت الآمن، بالتزامن مع تداول مقاطع فيديو توثق حجماً هائلاً من الدمار الهائل الذي خلفه القصف.

وتذرع الاحتلال الإسرائيلي بأن هذه الغارات جاءت رداً على إطلاق “حزب الله” مسيرتين باتجاه جنوده في “المنطقة الأمنية” مزعوماً إسقاط إحداهما، في حلقة جديدة من تبادل الاتهامات وتصعيد حافة الهاوية.

استهداف لمؤسسات الدولة ونسف للقرارات الدولية

على الصعيد الرسمي، علت الأصوات اللبنانية المنددة بهذا العدوان السافر.

فقد أعرب الرئيس اللبناني جوزاف عون عن إدانته الشديدة للاعتداءات المتتالية التي تجاوزت حدود القواعد العسكرية المزعومة لتطال مؤسسات الدولة الحيوية، مثل مبنى وزارة المالية في مدينة النبطية ومراكز أمن الدولة وتدمير مستشفى غندور والمراكز الصحية.

وأكد عون أن هذا السلوك الإسرائيلي المتعمد يمثل ضرباً واستهدافاً لاستمرارية عمل الإدارات المدنية وتعطيل مصالح المواطنين اليومية، فضلاً عن كونه نسفاً واضحاً لاتفاق الإطار واتفاق وقف الأعمال العدائية.

وفي سياق متصل، حذر عون من أن ما تقوم به إسرائيل يقوض جهود التهدئة، معلناً دعم لبنان الكامل للتجديد للقوات الدولية “يونيفيل” في الجنوب.

وأكد عون  السعي بالتنسيق مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لتسهيل هذا التجديد.

كما أبدى ترحيبه بالمبادرة الفرنسية والإيطالية الرامية لتشكيل قوة أوروبية تملأ الفراغ في حال أي انسحاب محتمل، لحماية الاستقرار المهدد بالانهيار.

مستقبل الوضع الميداني والسياسي في الجنوب

يحمل هذا التصعيد الخطير في طياته دلالات عميقة حول مسار الصراع في المنطقة، فهو يعكس رغبة إسرائيلية جامحة في فرض وقائع ميدانية جديدة وإبقاء الجبهة اللبنانية مشتعلة كجزء من استراتيجية الضغط العسكري المستمر.

إن استهداف البنى التحتية المدنية، والمرافق الصحية، والإدارات الرسمية مثل وزارة المالية، يؤشر إلى تحول استراتيجي في بنك الأهداف الإسرائيلي لتعطيل مقومات الدولة اللبنانية بالكامل.

 المنطقة تقف على حافة صفيح ساخن

فشل اتفاقات الإطار وتآكل قواعد التهدئة يعنيان أن احتمالات الانزلاق نحو مواجهة شاملة أصبحت أعلى من أي وقت مضى، خصوصاً مع تعنت تل أبيب في مواصلة سياسة الاغتيالات والإنذارات المسبقة للتهجير.

في المقابل، يراهن لبنان على الحراك الدبلوماسي الفرنسي والأوروبي والدولي لكبح جماح هذا العدوان، وإعادة إحياء مظلة الحماية الأممية عبر القوات الدولية.

ورغم سوداوية المشهد وحجم الدمار، يبقى الميدان الجنوبي رهناً لمدى استعداد الأطراف الإقليمية والدولية للضغط من أجل فرض تسوية تمنع انفجار الموقف الإقليمي برمته، مالم تفرض لغة البارود كلمتها الأخيرة.

شارك المقال: