مقالات
د. محمد الغمري
د. محمد الغمري

كاتب ومستشار قانوني

صمود إيران ماذا يعني؟

في ضوء هذه المقاربة يمكن تفسير استمرار إيران في القتال بعد الأسبوع الأول باعتباره محاولة لتحويل الزمن إلى عنصر في ميزان القوة

مشاركة:
حجم الخط:

قراءة استراتيجية في عامل الزمن وتحولات ميزان القوة

مع انقضاء الأسبوع الأول من المواجهة العسكرية بين تحالف تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تعد دلالة الأحداث مقتصرة على النتائج العسكرية المباشرة، بل بدأت تكشف عن بعد أعمق يتعلق بطبيعة الحروب غير المتكافئة، وبالدور الذي يلعبه الزمن في إعادة تشكيل ميزان القوة بين الأطراف المتصارعة.
فالأسبوع الأول في مثل هذه الحروب لا يمثل مجرد مرحلة افتتاحية للعمليات العسكرية، بل يعد اختباراً لمدى قدرة القوة المتفوقة على تحقيق ما يسميه الاستراتيجيون الحسم المبكر أو صدمة البداية التي تهدف إلى كسر قدرة الخصم على الاستمرار في القتال. وعندما لا يتحقق هذا الحسم في المرحلة الأولى، تنتقل الحرب تدريجياً من منطق الصدمة العسكرية إلى منطق أكثر تعقيداً يقوم على صراع الإرادات وإدارة الزمن.

طبيعة الحرب الدائرة

تشير المعطيات الاستراتيجية إلى أن الحرب الجارية أقرب إلى نموذج الحرب المحدودة التي تسعى فيها الأطراف المتصارعة إلى تحقيق أهداف سياسية محددة دون الانزلاق إلى حرب شاملة. غير أن الحروب المحدودة لا تعني بالضرورة حروباً قصيرة؛ فكثيراً ما تتحول إلى صراعات ممتدة عندما يفشل أحد الأطراف في تحقيق أهدافه في المرحلة الأولى.
وفي هذا السياق يمكن فهم المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى بوصفها صراعاً يتداخل فيه منطق الردع الاستراتيجي مع منطق إدارة التصعيد، وهو ما يجعل عامل الزمن أحد المتغيرات الأساسية في تحديد مسار الحرب.
وقد أشار الباحث الاستراتيجي توماس شيلينغ في تحليله لنظرية الردع إلى أن إدارة التصعيد لا تعتمد فقط على حجم القوة العسكرية، بل أيضاً على قدرة الأطراف على التحكم في إيقاع الصراع وحدوده الزمنية.

أولاً: الأسبوع الأول ومنطق الحسم السريع

تعتمد الاستراتيجيات العسكرية للقوى المتفوقة عادة على فرضية أساسية مفادها أن التفوق العسكري يجب أن يتحول بسرعة إلى نتيجة سياسية. وقد صاغ المفكر العسكري كارل فون كلاوزفيتز هذه الفكرة عندما اعتبر أن الحرب أداة سياسية تهدف في النهاية إلى فرض الإرادة على الخصم.
لكن هذه الفرضية تصبح موضع اختبار عندما لا يؤدي التفوق العسكري إلى حسم سريع. ففي هذه الحالة يبدأ التباين بين القدرة العسكرية و النتيجة السياسية في الظهور، وهو التباين الذي كثيراً ما يميز الحروب غير المتكافئة.
وفي المواجهة الحالية كان الرهان الاستراتيجي يقوم على إحداث تأثير سريع في ميزان الردع. غير أن استمرار القتال بعد الأسبوع الأول دون انهيار واضح في قدرة إيران على المواجهة يشير إلى أن عملية تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية ليست بالبساطة التي تفترضها حسابات الحرب القصيرة.
وقد أشار الباحث العربي عبد الوهاب الكيالي في تحليلاته للصراعات الدولية إلى أن الحروب التي تبدأ بهدف الحسم السريع كثيراً ما تتحول إلى صراعات طويلة عندما يعجز الطرف الأقوى عن ترجمة تفوقه العسكري إلى نتيجة سياسية حاسمة.

ثانياً: الزمن كمتغير استراتيجي

في هذه المرحلة يبدأ الزمن بالتحول من إطار للأحداث إلى عنصر في معادلة القوة. فالحروب لا تتحدد فقط بميزان القدرات العسكرية، بل أيضاً بقدرة الأطراف على إدارة الصراع عبر الزمن.
وقد أشار المؤرخ العسكري جون كيجان إلى أن الحروب الطويلة تميل إلى تحويل الصراع من مواجهة عسكرية قصيرة إلى اختبار لقدرة الدول والمجتمعات على الاستمرار في القتال.
كما يؤكد الباحث الاستراتيجي لورنس فريدمان أن الزمن يمثل أحد المتغيرات الأساسية في الاستراتيجية، لأن إطالة أمد الصراع تؤدي غالباً إلى تغير تدريجي في الحسابات السياسية والدبلوماسية للأطراف المتحاربة.
أما المفكر الاستراتيجي إدوارد لوتواك فيطرح ما يسميه مفارقة الاستراتيجية، حيث قد يؤدي استمرار الحرب إلى تقليص أثر التفوق العسكري للطرف الأقوى، لأن الصراع الممتد يسمح بدخول عوامل جديدة في ميزان القوة مثل الضغوط الاقتصادية والتحولات السياسية والتوازنات الدولية.
وبهذا المعنى يصبح الزمن مورداً استراتيجياً يمكن توظيفه بقدر ما يمكن أن يتحول إلى عبء.

ثالثاً: صمود إيران ومنطق استنزاف الزمن

في ضوء هذه المقاربة يمكن تفسير استمرار إيران في القتال بعد الأسبوع الأول باعتباره محاولة لتحويل الزمن إلى عنصر في ميزان القوة
ففي الحروب غير المتكافئة يسعى الطرف الأضعف عسكرياً إلى نقل الصراع من مرحلة الصدمة العسكرية إلى مرحلة الاستنزاف الزمني. فكلما طال أمد الحرب دون حسم، تقلصت قدرة الطرف الأقوى على الاستفادة من تفوقه العسكري المباشر.
وقد أشار الكاتب السياسي محمد حسنين هيكل في تحليلاته للحروب الدولية إلى أن القدرة على الاستمرار في الصراع قد تصبح في بعض الأحيان أهم من القدرة على تحقيق نصر عسكري سريع، لأن الزمن يسمح بإعادة توزيع عناصر القوة بين الأطراف المتحاربة.
ومن هذا المنظور فإن صمود إيران في هذه المرحلة لا يعني تحقيق انتصار عسكري، لكنه يعني نجاحها في تعطيل الفرضية الأساسية التي تقوم عليها الاستراتيجية العسكرية للقوى المتفوقة، وهي فرضية الحسم السريع.

رابعاً: الزمن والتحولات في المواقف الداخلية

لا يقتصر أثر الزمن على ميدان العمليات العسكرية، بل يمتد إلى البيئة السياسية الداخلية للدول المنخرطة في الحرب.
في الولايات المتحدة يشكل الرأي العام والكونغرس ووسائل الإعلام عناصر مؤثرة في تحديد حدود الانخراط العسكري. وقد أشار الباحث جون مولر إلى أن الدعم الشعبي للحروب يميل إلى التراجع تدريجياً كلما طال أمد الصراع وارتفعت كلفته البشرية والاقتصادية.
وفي المراحل الأولى للحروب يظهر ما يسمى بظاهرة الالتفاف حول العلم، حيث يتوحد الرأي العام خلف القيادة السياسية. غير أن هذا التماسك غالباً ما يتآكل عندما تتحول الحرب إلى صراع طويل دون نتائج واضحة.
أما في إسرائيل فإن البنية السياسية والمجتمعية تمنح قضايا الأمن القومي مركزية كبيرة. ومع ذلك فإن التجارب التاريخية أظهرت أن الحروب الممتدة قد تفتح نقاشات داخلية حول كلفة الحرب وحدودها.
وقد تناول الباحث العربي عزمي بشارة هذه المسألة في دراساته حول المجتمع الإسرائيلي، حيث أشار إلى أن الحروب الطويلة تميل إلى إعادة تشكيل التوازنات السياسية الداخلية.

خامساً: الزمن والتحولات في النظام الدولي

كلما طال أمد الحرب ازداد احتمال انتقالها من إطار الصراع الثنائي إلى ساحة أوسع تتفاعل فيها توازنات القوى الدولية.
فالدول الكبرى مثل روسيا والصين تنظر إلى الصراع من زاوية تأثيره في ميزان القوى الدولي، بينما تميل دول الاتحاد الأوروبي إلى التركيز على تداعياته الاقتصادية والاستراتيجية.
وقد أشار الباحث هنري كيسنجر إلى أن الحروب الممتدة تميل إلى استدعاء تدخلات دبلوماسية متزايدة من القوى الدولية الساعية إلى إعادة ضبط ميزان القوة.
كما يشير الباحث العربي برهان غليون إلى أن الحروب الإقليمية الطويلة تتحول غالباً إلى مساحات تتقاطع فيها التوازنات الدولية، بحيث تصبح نتيجة الصراع مرتبطة بتفاعلات النظام الدولي بقدر ارتباطها بموازين القوى المحلية.

سادساً: مفارقة القوة في الحروب غير المتكافئة

تكشف هذه الحرب عن ظاهرة معروفة في الدراسات الاستراتيجية يمكن وصفها بـ مفارقة القوة. ففي الحروب غير المتكافئة قد يجد الطرف الأقوى نفسه عاجزاً عن ترجمة تفوقه العسكري إلى حسم سياسي سريع، بينما يستطيع الطرف الأضعف تحويل طول أمد الصراع إلى أداة لإعادة توزيع عناصر القوة.

وهذا ما يفسر لماذا انتهت كثير من الحروب الحديثة بنتائج مختلفة عن توقعات بدايتها، حيث لم يكن العامل الحاسم هو التفوق العسكري في اللحظة الأولى، بل القدرة على إدارة الصراع عندما يتحول الزمن إلى عنصر في ميزان القوة.

خلاصة تحليلية

إن انتهاء الأسبوع الأول من الحرب لا يعني أن ميزان القوة قد حُسم، بل يشير إلى أن الصراع بدأ ينتقل من مرحلة الصدمة العسكرية إلى مرحلة أعمق تقوم على إدارة الزمن وصراع الإرادات.
وفي هذه المرحلة يصبح السؤال الاستراتيجي الحقيقي ليس من يملك القوة العسكرية الأكبر، بل من يستطيع إدارة الحرب عندما يتحول الزمن نفسه إلى عنصر فاعل في إعادة تشكيل ميزان القوين الأطراف المتصارعة.

شارك المقال: