الدروس الخصوصية في مصر.. اقتصاد موازٍ يدفع ثمنه أولياء الأمور
أظهرت بيانات بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك 2019/2020 أن الدروس الخصوصية ومجموعات التقوية استحوذت على 28.3% من إنفاق الأسر على التعليم، بينما قدرت بيانات سابقة إجمالي الإنفاق عليها بنحو 47 مليار جنيه سنويًا. ولا يمثل الرقم الأخير تقديرًا حديثًا لحجم السوق في 2026.

الدروس الخصوصية.. من خدمة إضافية إلى اقتصاد تعليمي موازٍ
لم تعد الدروس الخصوصية في مصر مجرد وسيلة يلجأ إليها بعض الطلاب لتحسين مستواهم الدراسي.
على مدار سنوات، تطورت الظاهرة إلى سوق تعليمية موازية تشمل الدروس الفردية، والمجموعات، ومراكز التعليم، والمراجعات، إلى جانب المنصات الرقمية والحصص المدفوعة عبر الإنترنت.
ومع ارتفاع تكلفة المعيشة، أصبحت هذه السوق تمثل بندًا إضافيًا في ميزانية الأسر، بينما تظل معرفة حجمها المالي الحالي بدقة أمرًا صعبًا بسبب طبيعتها غير الرسمية.
28.3% من إنفاق الأسر على التعليم
يعود أحدث رقم رسمي واضح بشأن نصيب الدروس الخصوصية من إنفاق الأسر على التعليم إلى بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك 2019/2020 الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، بلغ متوسط إنفاق الأسرة التي لديها أفراد ملتحقون بالتعليم نحو 8,850.6 جنيه سنويًا على التعليم.
واستحوذت الدروس الخصوصية ومجموعات التقوية على 28.3% من إجمالي الإنفاق التعليمي.
في المقابل، مثلت المصروفات والرسوم الدراسية 38.6% من الإنفاق، بينما توزعت النسبة المتبقية على الكتب والمستلزمات والمواصلات والملابس والحقائب.
وتكشف هذه النسبة أن الدروس ليست بندًا هامشيًا في الإنفاق التعليمي للأسرة، وإنما واحدة من أكبر تكاليف التعليم خارج المصروفات والرسوم الدراسية.
كم تبلغ فاتورة الدروس الخصوصية؟
تظل الإجابة عن هذا السؤال أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه.
فبيانات سابقة قدرت إجمالي إنفاق الأسر على الدروس الخصوصية ومجموعات التقوية بنحو 47 مليار جنيه سنويًا، استنادًا إلى بيانات بحث شمل نحو 26 مليون أسرة.
لكن هذا الرقم لا يمثل حجم سوق الدروس الخصوصية في عام 2026.
فالبيانات التي يستند إليها قديمة، كما تغيرت أسعار الحصص وتكاليف المعيشة، إلى جانب توسع الدروس عبر الإنترنت.
وفي عام 2022، جرى تداول تقدير مماثل بنحو 47 مليار جنيه سنويًا في سياق مناقشة ظاهرة مراكز الدروس الخصوصية وتقنينها.
لذلك، فإن التعامل الصحفي الأدق مع الرقم هو اعتباره تقديرًا سابقًا للإنفاق، وليس إحصاءً حديثًا لحجم السوق.
لماذا يدفع الأهالي رغم مجانية التعليم الحكومي؟
لا يمكن تفسير انتشار الدروس الخصوصية بعامل واحد.
فالمنافسة على الدرجات والالتحاق بالجامعة تمثل أحد دوافع الطلب، خصوصًا في السنوات الدراسية المرتبطة بمستقبل الطالب.
كما ترى بعض الأسر أن الوقت المتاح داخل المدرسة لا يكفي لإتقان المناهج، وأن الطالب يحتاج إلى شرح إضافي وحل تدريبات ومراجعات خارج المدرسة.
وتنشأ بذلك فجوة بين المدرسة وسوق التعليم الموازي، تجعل بعض الأسر تنظر إلى الدروس باعتبارها جزءًا شبه أساسي من المسار التعليمي، وليس مجرد خيار إضافي.
السوق لم تعد داخل مراكز الدروس فقط
تغير شكل الدروس الخصوصية خلال السنوات الأخيرة.
فإلى جانب الدروس الفردية والمجموعات التقليدية، توسعت السوق لتشمل:
المراجعات.
الدروس عبر الإنترنت.
المنصات التعليمية المدفوعة.
المحتوى التعليمي الرقمي.
مجموعات التعليم الصغيرة والكبيرة.
وأدى هذا التحول إلى جعل السوق أكثر تنوعًا، لكنه جعل قياس حجمها أكثر صعوبة أيضًا، خصوصًا مع وجود أنشطة تتم خارج إطار التسجيل الرسمي.
من يدفع أكثر؟
لا تتوزع القدرة على الإنفاق على الدروس بالتساوي بين الأسر.
وتشير التحليلات الواردة في التقرير إلى وجود علاقة بين الوضع الاقتصادي للأسرة وقدرتها على الحصول على خدمات التعليم الموازي.
فالأسر الأكثر دخلًا تمتلك قدرة أكبر على دفع تكلفة الدروس، بينما قد تضطر الأسر الأقل دخلًا إلى تخصيص جزء من ميزانيتها المحدودة لهذه الخدمة عندما تعتبرها ضرورية لمنافسة الطلاب الآخرين.
وهنا تتحول الدروس من مجرد خدمة تعليمية إلى قضية مرتبطة بـتكافؤ الفرص.
فإذا أصبحت القدرة على دفع تكلفة الدروس عاملًا مؤثرًا في فرص الطالب التعليمية، فإن الفروق الاقتصادية بين الأسر يمكن أن تنعكس على النتائج التعليمية.
إشكاليات التعليم المصري المعاصر؟
المدرسة أمام منافس غير رسمي
انتشار الدروس يطرح سؤالًا أكبر حول دور المدرسة.
فإذا أصبح الطالب يعتمد على الشرح الأساسي خارج الفصل، فإن جزءًا من الوظيفة التعليمية ينتقل تدريجيًا من المدرسة إلى السوق الخاص.
وهذا يخلق دائرة متشابكة:
ضعف الثقة في المدرسة → اللجوء إلى الدروس → زيادة الطلب → توسع السوق → استمرار الاعتماد عليها.
وتشير المادة إلى أن تكلفة الدروس وغياب بعض الطلاب عن المدرسة بسبب حضورها يمثلان تحديًا أمام النظام التعليمي المصري.
عندما يصبح الوطن الاحتياطي مؤشرًا على أزمة الثقة في مصر (2-2)
المعلم.. طرف أساسي في المعادلة
تمثل الدروس مصدر دخل إضافيًا لبعض المعلمين.
لكن لا يصح تعميم ذلك على جميع المعلمين، أو افتراض أن كل مدرس يعتمد على الدروس الخاصة.
المشكلة تتمثل في وجود حافز اقتصادي خارج النظام المدرسي يمكن أن يؤثر في بعض أطراف المنظومة عندما لا تكون المدرسة قادرة على توفير المستوى الذي تتوقعه الأسرة.
ولهذا فإن مواجهة الظاهرة تحتاج إلى التعامل مع جانبي العرض والطلب، وليس الاكتفاء بالعقوبات.
ماذا فعلت وزارة التربية والتعليم؟
اتجهت وزارة التربية والتعليم إلى توفير بدائل داخل المدرسة.
وفي سبتمبر/أيلول 2024، صدر القرار الوزاري رقم 149 لتنظيم مجموعات التقوية والدعم التعليمي.
ووفق المادة، أصبحت هذه المجموعات اختيارية لصفوف النقل والشهادتين الإعدادية والثانوية العامة، وتعقد خارج مواعيد الدراسة النظامية.
كما حدد القرار سقف الاشتراك عند 100 جنيه للطالب في الحصة الواحدة، ووضع ضوابط لأعداد الطلاب وتوزيع الإيرادات.
والهدف من هذه السياسة هو توفير بديل تعليمي داخل المدرسة، بما قد يساعد الطلاب ويقلل الحاجة إلى الدروس الخاصة.
هل تستطيع مجموعات التقوية منافسة السوق الخاصة؟
خفض السعر وحده لا يضمن انتقال الطلاب من الدروس الخاصة إلى المدرسة.
فالأسرة تبحث أولًا عن جودة النتيجة.
إذا اعتقد ولي الأمر أن مجموعة التقوية المدرسية لا توفر مستوى الشرح أو المتابعة أو التدريب الذي يحصل عليه الطالب خارج المدرسة، فسيظل مستعدًا لدفع تكلفة أعلى.
ولهذا فإن نجاح البديل المدرسي يرتبط بمجموعة عناصر:
معلم جيد + عدد مناسب من الطلاب + شرح فعال + متابعة + تقييم عادل + ثقة الأسرة.
الدروس الخصوصية.. ثقافة تعليمية أيضًا
لا تقتصر الظاهرة على الحسابات الاقتصادية.
فالدروس أصبحت جزءًا من ثقافة التعليم والامتحانات لدى قطاعات من الأسر والطلاب.
وفي بعض الحالات، يتخذ الطالب أو ولي الأمر قرار الالتحاق بالدرس بسبب الاعتقاد بأن «الجميع يأخذ درسًا»، وأن عدم المشاركة قد يضع الطالب في موقف تنافسي أضعف.
ولهذا فإن القضاء على الظاهرة بقرار إداري منفرد يبدو غير كافٍ؛ لأن جذورها مرتبطة أيضًا بالمنافسة التعليمية وثقة الأسر في المدرسة وطبيعة نظام التقييم.
اقتصاد موازٍ يتوسع رقميًا
لم تعد الدروس الخصوصية مجرد نشاط يحدث بعد انتهاء اليوم الدراسي.
فقد نشأ حولها اقتصاد يضم المعلمين، ومراكز التعليم، والمراجعات، والكتب والمذكرات، والمنصات الرقمية، والإعلانات، وخدمات الدفع والتسويق.
كما أدى التحول الرقمي إلى إعادة تشكيل السوق وظهور نماذج تجمع بين التعليم الحضوري والرقمي.
ومع ذلك، يجب التمييز بين النشاط غير الرسمي والنشاط غير القانوني؛ فوجود نشاط تعليمي خارج المدرسة لا يعني تلقائيًا أنه مخالف للقانون أو منظم بالطريقة نفسها.
هل يمكن إنهاء الدروس الخصوصية؟
المنع وحده لا يبدو كافيًا لإنهاء الظاهرة.
فالطلب سيظل قائمًا طالما ترى الأسر أن الدروس ضرورية للنجاح، وطالما توفر السوق للمعلم عائدًا اقتصاديًا إضافيًا، وطالما ظلت المنافسة على الدرجات والفرص الجامعية قوية.
لذلك فإن السؤال الأهم ليس:
كيف نمنع الدروس الخصوصية؟
بل:
كيف نجعل الطالب قادرًا على النجاح دون دفع تكلفة تعليم ثانٍ خارج المدرسة؟
وهذا يتطلب تحسين جودة التدريس داخل الفصل، وتوفير معلمين مؤهلين، وتحسين نظم التقييم، وتعزيز الموارد التعليمية المجانية والرقمية، إلى جانب توفير دخل عادل للمعلم.
فاتورة يدفعها الطالب والأسرة والمنظومة
تتجاوز تكلفة الدروس قيمة الحصة نفسها.
فالأسرة تدفع المال، والطالب يدفع من وقته وجهده، بينما تتحمل المنظومة التعليمية تكلفة انتقال جزء من العملية التعليمية إلى سوق موازية.
وتصبح المشكلة أكثر وضوحًا عندما يدفع ولي الأمر تكلفة التعليم الرسمي، ثم يضطر إلى دفع تكلفة إضافية للحصول على مستوى التعليم الذي يراه ضروريًا لمنافسة الآخرين.
الخلاصة
الدروس الخصوصية في مصر ليست مجرد ظاهرة تعليمية منفصلة عن الاقتصاد والمجتمع.
إنها سوق تعليمية موازية تشكلت بفعل تداخل المنافسة على الدرجات، وثقة الأسر في المدرسة، وجودة التعليم، وأوضاع المعلمين، وطبيعة الامتحانات، والقدرة الاقتصادية للأسر.
وتظهر البيانات الرسمية السابقة أن الدروس الخصوصية ومجموعات التقوية استحوذت على 28.3% من إنفاق الأسر على التعليم في بحث 2019/2020. كما تشير تقديرات سابقة إلى إنفاق بلغ نحو 47 مليار جنيه سنويًا، لكن هذا الرقم لا يمثل حجم السوق الحالي في 2026.
ويبقى التحدي الأساسي أمام الدولة هو استعادة المدرسة لدورها باعتبارها المصدر الرئيسي للتعلم.
فحين يثق ولي الأمر في جودة التعليم داخل المدرسة، يصبح السؤال مختلفًا:
ليس «كم تبلغ تكلفة الدرس؟» بل «لماذا يحتاجه الطالب أصلًا؟»
رابط المقال المختصر:





