ترجمات
حسام أبو العلا
حسام أبو العلا

كاتب ومترجم

الإيكونومست: إيران لم تعد تخاف الحرب

إيران تراهن على قدرتها على ردع إسرائيل وإجبار ترامب على تقديم اتفاق، وقد يتبين أن كلا الهدفين صعب التحقيق.

مشاركة:
حجم الخط:

المصدر: مجلة الإيكونومست البريطانية

الترجمة: حسام أبو العلا 

نظام كان حذرًا في السابق يراهن الآن على صراع منخفض الحدة ينطوي على مخاطر كبيرة
ما كان يُعدّ في السابق أمرًا لا يمكن تصوره أصبح اليوم أمرًا اعتياديًا.

ففي الأسبوع الماضي، قصفت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران، وأسقطت إيران مروحية أمريكية، وأطلقت صواريخ على إسرائيل، وهاجمت عدة دول عربية.

سرعان ما أصبح هذا المشهد هو الوضع الطبيعي الجديد في المنطقة.

على الرغم من أن نوعًا من وقف إطلاق النار ظل قائمًا إلى حد كبير لأكثر من شهرين، فإن المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران ما تزال تراوح مكانها، بينما أصبحت الانتهاكات والتجاوزات أكثر تكرارًا.

وليس الجمود الدبلوماسي وحده سبب هذا التقلّب.

فهو يعكس أيضًا جمهورية إسلامية باتت أكثر جرأة.

فقد أصرّ دونالد ترامب لأشهر على أن النظام الإيراني يائس للتوصل إلى اتفاق.

إلا أنه وجد نفسه منزعجًا من إيران تبدو مستعدة لتحمل صراع منخفض الحدة والمخاطرة بالعودة إلى حرب شاملة.

لكن هذا الميل الجديد إلى المخاطرة يحمل في حد ذاته مخاطره الخاصة.

فإيران تراهن على قدرتها على ردع إسرائيل وإجبار ترامب على تقديم اتفاق.

وقد يتبين أن كلا الهدفين صعب التحقيق.

على مدى عقود، اتسم حكام إيران بالحذر في استخدام القوة.

فقد كانت الأجيال التي صاغتها الحرب المدمرة مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي مصممة على إبقاء الصراعات بعيدًا عن حدود البلاد.

لذلك، عمل النظام على رعاية ميليشيات عربية مثل حزب الله، الجماعة الشيعية في لبنان، كوسيلة لإسقاط نفوذه عبر الشرق الأوسط من دون التعرض لعواقب مباشرة.

غير أن هذا الحذر كان له منتقدوه.

فعندما أمر ترامب باغتيال أحد كبار الجنرالات الإيرانيين عام 2020، رد النظام بوابل صاروخي جرى الإعلان عنه مسبقًا واستهدف قاعدتين أمريكيتين في العراق.

آنذاك، جادل بعض الضباط الأصغر سنًا في طهران بأن ذلك الرد لم يكن كافيًا، وأنه قد يبعث برسالة ضعف ويشجع الولايات المتحدة على شن هجمات مستقبلية.

وقد تم تجاهل آرائهم في ذلك الوقت، لكن كثيرًا من القادة الذين تجاوزوا تلك الآراء أصبحوا الآن في عداد الموتى.

وبعد أن تحملت إيران ستة أسابيع من الحرب ضد خصمين يتفوقان عليها عسكريًا، بات حكامها الحاليون أكثر ثقة.

فهم يعتقدون أن ترامب لا يرغب في استئناف حرب لا تحظى بشعبية.

ولذلك، تبدو الهجمات الدورية على القوات الأمريكية في الخليج بالنسبة لإيران وسيلة ضغط مفيدة أكثر منها مخاطرة غير مقبولة.

يظهر التغيير في العقيدة الاستراتيجية الإيرانية بوضوح أكبر في لبنان.

فقد كان المقصود من حزب الله أن يكون درعًا يحمي النظام الإيراني.

ففي حال تعرضت إيران لهجوم إسرائيلي، كان من المفترض أن يطلق الحزب صواريخه ويستخدم قواته الخاصة ضد إسرائيل.

أما الآن، فإن إيران تسعى إلى حماية حزب الله نفسه

على المدى القصير، سيجعل ذلك الأمور أكثر تعقيدًا بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل.

كما أنه يبرز مدى تباعد مصالحهما؛ فرغبة ترامب في التوصل إلى اتفاق مع إيران تتعارض مع رغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مواصلة الحرب في لبنان.

ويرى المدافعون عن النظام الإيراني أن هذا يمثل تحولًا أعمق:

توازن قوى جديدًا في المنطقة تستطيع فيه إيران ردع الهجمات الإسرائيلية ضد أطراف ثالثة.

لكن ذلك يبدو أقرب إلى التمنيات منه إلى الواقع.

فقلّما أسيء استخدام كلمة «الردع» في السياسة الخارجية كما أسيء استخدامها هنا.

فالردع يعني إقناع الخصم بعدم القيام بعمل معين عبر جعله يعتقد أن تكاليف ذلك العمل ستفوق منافعه. وهذا ليس ما حدث خلال الأسبوع الماضي.

لقد حذرت إيران إسرائيل من أن أي هجوم على بيروت سيؤدي إلى رد إيراني.

لكن إسرائيل لم تُردع؛ إذ قصفت العاصمة اللبنانية على أي حال. وبعد ذلك نفذت إيران تهديداتها، غير أن وابل الصواريخ الباليستية الذي أطلقته على إسرائيل فشل في إحداث أضرار كبيرة.

وقد يكون ذلك خيارًا متعمدًا، لأن هجومًا مدمرًا كان قد يؤدي إلى انهيار وقف إطلاق النار بالكامل.

لكن، بغض النظر عن السبب، فإن الرد الإسرائيلي ألحق أضرارًا حقيقية، ليس فقط بأهداف عسكرية، بل أيضًا بمجمع للبتروكيماويات يُعد جزءًا حيويًا من قطاع الطاقة الإيراني وقاعدته الصناعية.

كانت هذه حصيلة سيئة بالنسبة لإيران.

فهي لم تفشل فقط في ردع إسرائيل، بل انتهى بها الأمر إلى تكبد أضرار أكبر من الدولة التي حاولت ردعها.

ولفترة من الوقت، قد يتمكن ترامب من كبح الحرب الإسرائيلية في لبنان، وإن لم يوقفها تمامًا.

لكن إذا استمرت حالة الجمود الحالية، فقد تواجه إيران خيارًا غير مريح:

إما تصعيد هجماتها ضد إسرائيل والمخاطرة بانهيار الهدنة، أو السماح لإسرائيل بمواصلة استنزاف حزب الله تدريجيًا.

أما فيما يتعلق بتغيير سلوك الولايات المتحدة، فقد حظيت إيران بنجاح أكبر.

إغلاق مضيق هرمز وإطلاق آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة على دول الخليج ساهما في إقناع ترامب بقبول وقف إطلاق النار في أبريل.

ومنذ سريان الهدنة، تمشي إيران على حبل مشدود.

فهي تريد أن تُظهر قدرًا كافيًا من الصلابة يدفع ترامب إلى تقديم تنازلات إضافية نحو اتفاق، ولكن ليس إلى الحد الذي يجعله يتخلى عن الدبلوماسية بالكامل.

وفي 9 يونيو، أسقطت إيران مروحية أباتشي أمريكية فوق المضيق.

وقرر ترامب الرد بقصف الدفاعات الجوية الإيرانية (رغم أن تلك الدفاعات كانت قد «دُمّرت بنسبة 100%» في وقت سابق من الحرب، بحسب تصريحاته)

بعد ذلك، هاجمت إيران مرة أخرى قواعد أمريكية في البحرين والكويت.

بدا ترامب غاضبًا في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي في اليوم التالي، إذ قال إن إيران «استغرقت وقتًا طويلًا جدًا للتفاوض على اتفاق» وإنها «ستدفع الثمن».

وفي تلك الليلة، أمر بشن جولة جديدة من الضربات على أهداف عسكرية.

وهذه حلقة خطيرة من التصعيد المتبادل.

فقد ترغب إيران في إظهار أن استمرار الجمود ستكون له تكلفة على الولايات المتحدة، لكن إسقاط مروحية واحدة لم يكن كافيًا لتغيير موقف ترامب التفاوضي.

وفي المقابل، لو قُتل الطيارون، ربما كان سيشعر بأنه مضطر إلى استئناف حرب شاملة.

لقد أصبحت إيران أكثر ثقة بقدراتها، لكن تلك القدرات تبقى محدودة.

فمضيق هرمز مغلق بالفعل، ويبدو أن ترامب لا يكترث كثيرًا ما دامت أسعار النفط لا تتجاوز كثيرًا مستوى 100 دولار للبرميل.

كما أن إيران لا تستطيع استئناف هجمات واسعة النطاق على جيرانها الخليجيين من دون إنهاء وقف إطلاق النار.

أما إطلاق الصواريخ على إسرائيل، فهو وسيلة ردع ضعيفة الفاعلية.

وما يبدو ثقة بالنفس قد يُفسَّر أيضًا على أنه يأس؛ أي نظام أصبح أكثر استعدادًا للمخاطرة ليس لأنه أصبح أقوى، بل لأنه بات يملك أشياء أقل يخسرها.

نقلا عن صفحة الاستاذ الكاتب والمترجم: حسام أبو العلا 

 

شارك المقال: