مقالات
عدنان قصاص
عدنان قصاص

كاتب وباحث في العلاقات الدولية والدبلوماسية

إعادة تموضع القوة الأمريكية في الشرق الأوسط وأوروبا؟

أعادت واشنطن تعريف مفهوم الانتشار العسكري من نموذج الحضور الكثيف والثابت إلى نموذج المرونة وإعادة التموضع السريع، الأمر الذي يجعل من مصطلح "الانسحاب" توصيف قصير النظر

مشاركة:
حجم الخط:

الدلالات الاستراتيجية لـ “انسحاب”  القوة الأمريكية 

باعتقادي في ظل التوقيت الإقليميٍّ والدوليٍّ البالغ الحساسيّة، لا يمكن قراءة خبر سحب أكبر حاملة طائرات أمريكية “جيرالد فورد” من مياه الشرق الأوسط وكذلك سحب القوات الأمريكية من ألمانيا، بوصفه حدثاً عسكريّاً تقنيّاً معزولًا، بل يتعيّن وضعه ضمن سياق أوسع من التحوّلات البنيويّة في الاستراتيجيّة الأمريكيّة، خاصّة إذا ما استحضرنا دروس ما بعد حرب العراق 2003.

إعادة مفهوم الانتشار العسكري 

حيث أعادت واشنطن تعريف مفهوم الانتشار العسكري من نموذج الحضور الكثيف والثابت إلى نموذج المرونة وإعادة التموضع السريع، الأمر الذي يجعل من مصطلح “الانسحاب” توصيف قصير النظر، إذ إنّ الأدق هو الحديث عن إعادة توزيع مدروسة للأدوات الصلبة بما يتلاءم مع أولويّات تتغيّر بوتيرة متسارعة.

وبناءً على ذلك، فإنّ هذه الخطوة لا يمكن فصلها عن التحوّل التدريجي في مركز الثقل الاستراتيجي الأمريكي، والذي أخذ يميل بصورة متزايدة نحو آسيا في ظلّ تصاعد التنافس مع الصين.

بين إنهاء الحرب وإعادة تعريفها: ماذا يعني إعلان ترامب فعلاً؟

استنزاف مُدار أم تحوّل في ميزان القوة؟

مصطفي السعيد يكتب: صعوبات إيران الاقتصادية؟

الخسارة في تايوان 

يأتي ذلك تزامناً مع اقدام الصين على خطوة استثنائية تقضي بمحاصرة جزيرة كينمن التي تشرف عليها تايوان وتعد ذا أهمية جيواستراتيجية لأطراف الصراع في شرق آسيا.

بينما أشارت صحف أمريكية لامكانية خسارة تايوان في ظل عدم حسم المعركة مع إيران، بالتوازي مع استنزافٍ جزئيٍّ للموارد والاهتمام نتيجة تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية.

إعادة ترتيب الأولويات 

وهو ما يفرض على صانع القرار الأمريكي إعادة ترتيب الأولويّات بطريقة لا تعني التخلّي عن الشرق الأوسط، بقدر ما تعكس إعادة تعريفٍ لوظيفته في الاستراتيجيّة الكلّية، بحيث يصبح مجالًا يُدار بتكلفة أقل وأدوات أكثر انتقائيّة.

وفي هذا السياق، تبرز الرسائل السياسيّة الكامنة خلف هذا التحرّك، إذ يمكن القول إنّ واشنطن تميل إلى إعادة ضبط علاقتها مع حلفائها الإقليميين ضمن إطار “تقاسم الأعباء”

وهو توجّه تعزّز منذ إدارة دونالد ترامب ولم يتلاشَ في عهد جو بايدن، بل أعيدت صياغته بلغة أكثر دبلوماسيّة.

إداة ضغط ناعمة على حلفاء الخليج 

الأمر الذي يعني عمليًّا أنّ تقليص الحضور العسكري المباشر قد يُستخدم كأداة ضغط ناعمة لدفع الحلفاء في الخليج نحو تحمّل قدرٍ أكبر من المسؤولية الأمنيّة، دون أن يصل ذلك إلى حدّ فكّ الارتباط الاستراتيجي.

وفي موازاة ذلك، لا يمكن إغفال البعد المرتبط بإدارة التوتّر مع إيران، حيث إنّ تقليص بعض مظاهر الحضور العسكري عالي الحساسيّة قد يحمل في طيّاته إشارة تهدئة تكتيكيّة.

فتح قنوات تواصل مع إيران 

تهدف إلى خفض احتمالات الاحتكاك غير المحسوب، وفتح المجال أمام قنوات تواصل غير مباشرة، خاصة في ظلّ إدراكٍ متبادل بأنّ الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لا يخدم مصالح أيٍّ من الأطراف في المرحلة الراهنة.

ومن ناحية أخرى، يتقاطع هذا السلوك مع اعتبارات السياسة الداخليّة الأمريكيّة، حيث تتزايد الضغوط لتقليص الانخراط الخارجي مرتفع الكلفة، في ظلّ أولويّات اقتصاديّة واجتماعيّة ملحّة.

الالتزام الأمريكي تجاه إسرائيل 

هو ما يدفع صانع القرار إلى تبنّي مقاربات أكثر حذراً في إدارة الانتشار العسكري، دون التفريط بعناصر الردع الأساسية.

أمّا على مستوى الانعكاسات الإقليميّة، فإنّ الصورة تبدو مركّبة.

إذ من غير المتوقّع أن يمسّ هذا التحوّل جوهر الالتزام الأمريكي تجاه إسرائيل.

غير أنّه قد يدفع باتجاه تعزيز الاعتماد على القدرات الذاتيّة، مع استمرار التنسيق الاستراتيجي الوثيق.

دول الخليج وانسحاب الولايات المتحدة 

في الوقت ذاته، يشكّل هذا المسار حافزاً لدول الخليج لإعادة تقييم مقارباتها الأمنيّة، سواء عبر تسريع برامج التحديث العسكري أو عبر الانفتاح على صيغ تعاون إقليمي أكثر تنوّعاً ومرونة من وجهة نظر أمريكية.

الملف الفلسطيني 

وفي المقابل فيما يتعلّق بالسياق الفلسطيني، فإنّ أيّ تراجع نسبي في الحضور الأمريكي المباشر لا يترجم بالضرورة إلى مكسب تلقائي، بل قد يفضي إلى نتيجة معاكسة إذا ما أدّى إلى تراجع أولويّة الملف الفلسطيني ضمن الأجندة الدوليّة.

وهو ما يفرض ضرورة توظيف هذا التحوّل بذكاء سياسي ودبلوماسي، بما يعيد إدراج القضيّة ضمن مسارات التأثير الفاعل بدل تركها رهينة لتوازناتٍ تتغيّر دون تدخّل مباشر من أصحاب المصلحة.

الإدارة عن بعد 

وعليه، يمكن القول إنّ ما يجري لا يعكس بالضرورة انسحاباً بقدر ما يمثّل انتقالًا محسوباً من نمط “الانخراط المباشر” إلى نمط “الإدارة عن بُعد”، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على قدرتها على التأثير والتدخّل عند الحاجة، مع تقليص الكلفة وتعظيم المرونة.

وهو تحوّل يفرض على الفاعلين الإقليميين إعادة قراءة البيئة الاستراتيجيّة بواقعيّة أعلى، بعيداً عن التفسيرات التبسيطيّة التي تختزل المشهد في ثنائيّة الحضور أو الغياب.

شارك المقال: