مقالات
أحمد صادق
أحمد صادق

كاتب وسياسي

أحمد صادق يكتب: كيف يصنع الإسلام إنسانًا حرًا لا فردًا منفلتًا ولا تابعًا صامتًا؟

لا شورى بلا حرية؛ لأن الإنسان الخائف لا يقول رأيه بصدق.ولا حرية كاملة بلا شورى؛ لأن الحرية التي لا تجد مجالًا للمشاركة تتحول إلى عزلة أو غضب أو طاقة معطلة.

مشاركة:
حجم الخط:

حرية التوحيد والشورى

كثيرًا ما نتحدث عن الحرية وكأنها مفهوم واحد متفق عليه. لكن الحقيقة أن الحرية ليست معنى واحدًا في كل الثقافات والحضارات.

فالحرية في التصور الليبرالي الحديث ليست هي الحرية في التصور الإسلامي، كما أن الشورى في الإسلام ليست مجرد صورة قديمة من الديمقراطية أو آلية لاختيار الحاكم.

نحن بحاجة إلى مصطلح أدق يعبّر عن معنى الحرية في الإسلام. ويمكن أن نسمي هذا المعنى: الحرية التوحيدية.

والحرية التوحيدية تعني أن يتحرر الإنسان من كل عبودية زائفة، من عبودية البشر، والخوف، والهوى، والمال، والسلطة، والعرف الجائر، والتبعية للمركز الأقوى.

ولا يتحقق هذا التحرر إلا حين يكون الإنسان عبدًا لله وحده.

فالإنسان في الإسلام لا يكون حرًا لأنه يفعل ما يشاء، بل لأنه لا يخضع في أعماقه إلا لله.

لا يعبد رغباته، ولا يخاف من الناس خوفًا يلغي ضميره، ولا يجعل المال أو المنصب أو القوة غاية وجوده. إنه حر لأنه يعرف لمن يخضع، ومن هنا يعرف ممن يتحرر.

الحرية ليست أن أفعل ما أريد فقط

في التصور الحديث الشائع، تُفهم الحرية غالبًا على أنها حق الفرد في أن يختار ما يريد، ما دام لا يضر غيره ضررًا مباشرًا.

وهذا المعنى مهم في حماية الفرد من القهر، لكنه لا يكفي وحده لبناء إنسان مسؤول.
فالسؤال الأعمق ليس فقط: ماذا أريد؟
بل: لماذا أريد؟ ومن الذي يصنع رغبتي؟ وهل اختياري نابع من وعي حر أم من ضغط السوق والإعلام والخوف والشهوة والعادة؟

قد يظن الإنسان أنه حر لأنه يختار، بينما هو في الحقيقة أسير لما يُزرع فيه من رغبات.

وقد يظن أنه مستقل، بينما هو تابع للموضة، أو المال، أو رضا الناس، أو سلطة أقوى، أو نموذج غربي يطلب منه أن يشبهه حتى يُعترف به.

هنا تأتي الحرية التوحيدية لتقول: الحرية الحقيقية لا تبدأ من الرغبة، بل من تحرير الإنسان من كل ما يستعبده دون الله.

ما الشورى إذن؟

الشورى ليست مجرد أن يستشير الحاكم بعض الناس، وليست إجراءً سياسيًا يحدث كل عدة سنوات، وليست مجرد تصويت أو اختيار ممثلين. الشورى في معناها الأعمق هي أسلوب حياة.

حين يقول القرآن: وأمرهم شورى بينهم، فهو يصف جماعة كاملة، لا مؤسسة حكم فقط.

أي أن المجتمع المؤمن ينبغي أن يكون مجتمعًا يتشاور، ويتناصح، ويتحاور، ويتحمل أفراده مسؤولية ما يجري بينهم.

الشورى تبدأ من البيت، حين يتربى الطفل على أن له رأيًا وأن عليه مسؤولية. وتظهر في المسجد، حين لا يكون مكانًا للصلاة السريعة فقط، بل مجالًا للتعارف والتعاون والتواصي.

وتظهر في الحي، والسوق، والعمل، والتعليم، والعلاقات الاجتماعية.

ثم تصل إلى السياسة والحكم

فلا معنى لشورى سياسية في مجتمع تربى على الصمت والخوف. ولا يمكن أن نطلب من الناس أن يكونوا أحرارًا في السياسة، بينما هم مقهورون في البيت، ومقموعون في المدرسة، ومهمشون في المجتمع.
الشورى قبل أن تكون نظام حكم، هي تربية على المسؤولية.

العلاقة بين الحرية التوحيدية والشورى

الحرية التوحيدية والشورى لا تنفصلان. كل واحدة تحتاج إلى الأخرى.

فالإنسان الحر توحيديًا لا يكون تابعًا صامتًا. لأنه لا يخاف من البشر خوفًا يلغي واجبه، ولا يرى السلطة فوق النصيحة، ولا يترك الشأن العام لمن يملك القوة وحده. إنه يشعر أن قول الحق مسؤولية، وأن المشاركة واجب، وأن السكوت على الظلم ليس فضيلة.

ومن هنا تنتج الحرية التوحيدية إنسانًا قادرًا على الشورى.

وفي المقابل، الشورى تحمي الحرية التوحيدية من أن تبقى شعورًا داخليًا بلا أثر.

فالإنسان قد يكون حرًا في ضميره، لكنه يحتاج إلى فضاء يمارس فيه هذه الحرية:

أسرة تسمع، ومجتمع يتشاور، ومؤسسات تسمح بالمشاركة، وسلطة تقبل النصيحة والمحاسبة.
ومن هنا يمكن أن نقول:

لا شورى بلا حرية؛ لأن الإنسان الخائف لا يقول رأيه بصدق.

ولا حرية كاملة بلا شورى؛ لأن الحرية التي لا تجد مجالًا للمشاركة تتحول إلى عزلة أو غضب أو طاقة معطلة.
بين الاستبداد والفوضى

البعض يخاف من الحرية لأنه يظنها فوضى، والبعض يرفض الشورى لأنه يظنها إضعافًا للنظام. لكن هذا خلط كبير.

الشورى ليست فوضى، لأنها محكومة بمرجعية وقيم وغاية.

وهي ليست صراع أهواء، بل بحث جماعي عن الرشد. والحرية التوحيدية ليست انفلاتًا، لأنها حرية مسؤولة أمام الله.

د. مجدي قرقر يكتب: هل هناك أهل ذكر في الإسلام أم لا؟

د. مجدي قرقر يكتب: هل خلق آدم عليه السلام من تراب؟

المشكلة أن الاستبداد قد يصنع هدوءًا ظاهريًا، لكنه لا يصنع إنسانًا قويًا.

 يصنع إنسانًا مطيعًا، خائفًا، ينتظر القرار من الأعلى. كما أن الفوضى قد ترفع شعار الحرية، لكنها لا تبني مجتمعًا ولا دولة ولا عمرانًا.

أما الشورى فتجمع بين الحرية والنظام.

تمنع احتكار القرار، لكنها لا تترك المجتمع للفوضى. وتفتح باب المشاركة، لكنها تضبطها بالمسؤولية والحق.
الإنسان التابع والإنسان الفاعل

حين تغيب الحرية التوحيدية يظهر الإنسان التابع: تابع للسلطة، أو المال، أو العرف، أو الخوف، أو الخارج.

وحين تغيب الشورى يظهر المجتمع الصامت: أفراد يعيشون بجوار بعضهم، لكنهم لا يملكون روح المشاركة ولا عادة التواصي.

أما حين تجتمع الحرية التوحيدية والشورى، يظهر نوع آخر من الإنسان: الإنسان الفاعل.

هذا الإنسان لا يقول فقط: ما حقي؟ بل يسأل أيضًا: ما واجبي؟

ولا يسأل فقط: ماذا أريد؟ بل يسأل: ما الحق؟

ولا ينتظر دائمًا أمرًا من الأعلى، بل يبادر من داخله.

ولا يرى نفسه فردًا منعزلًا، بل عضوًا مسؤولًا في جماعة وأمة.

وهذا هو الإنسان الذي تحتاجه أي نهضة حقيقية. فالأمم لا تنهض بالإنسان الخائف، ولا بالإنسان المنفلت، بل بالإنسان الحر المسؤول.

لماذا نحتاج هذا الكلام اليوم؟

نحتاج إلى مفهوم الحرية التوحيدية اليوم لأن النقاش العام كثيرًا ما يدور بين طرفين:

طرف يربط الحرية بالفردانية المطلقة، وطرف يخاف من الحرية فيدعو إلى الطاعة السلبية. وبين الطرفين يضيع المعنى الإسلامي الأعمق.

الإسلام لا يصنع فردًا منفلتًا من كل قيمة، ولا يصنع تابعًا صامتًا أمام كل سلطة.

الإسلام يصنع إنسانًا حرًا بالله، مسؤولًا أمام الله، مشاركًا في جماعته، قادرًا على قول الحق وبناء العمران.

كما نحتاج إلى إعادة فهم الشورى. فهي ليست شعارًا سياسيًا نرفعه عند الحديث عن الحكم فقط، بل هي طريقة لبناء الإنسان والمجتمع.

فإذا ماتت الشورى في البيت والمدرسة والمسجد والعمل، فلن تولد فجأة في السياسة.

خاتمة
الحرية التوحيدية هي أن يتحرر الإنسان من كل عبودية زائفة، لأنه لا يعبد إلا الله. والشورى هي المجال الذي تتحول فيه هذه الحرية إلى فعل اجتماعي ومسؤولية جماعية.

فالحرية التوحيدية تمنح الإنسان شجاعة الرأي، والشورى تمنحه مجال المشاركة. الحرية تحرر الضمير، والشورى تبني الجماعة.

الحرية تمنع الإنسان من أن يكون تابعًا، والشورى تمنعه من أن يكون فردًا معزولًا.

وعندما تجتمع الحرية التوحيدية والشورى، يظهر الإنسان الذي تحتاجه الأمة:

إنسان حر لا يخضع للباطل، ومسؤول لا يهرب من الواجب، وفاعل لا ينتظر دائمًا من يصنع له مستقبله.

شارك المقال: