إبداع
أحمد سراج
أحمد سراج

شاعر وكاتب وإعلامي

أحمد سراج يكتب: مأزق أوديب هذا الزمان

حكاية أوديب وفق الأسطورة هي "أنه ابن ملك حاول قتله عند ولادته لأن نبوءة قالت إن هلاكه ستكون على يد الوليد، لكن بدلاً من قتله يُترك ليعثر عليه راعي غنم يربيه، وعندما يشتد عوده يعرفه الراعي بأنه ليس ابنه

مشاركة:
حجم الخط:

قراءة في “أوديب في الطائرة” لمحمد سلماوي

“جوهر الفن التلاعب” فبمَ تلاعب سلماوي في عمله الأخير؟ هل ببطله أم بجنس نصه أم بشخصياته أم بقرائه.. ولماذا؟

(1)أوديب يحظى بكثرة معالجاته الأدبية 

أوديب بطل “طيبة” الذي تغلغل في الإبداع العالمي والعربي؛ ما يسترعي الانتباه إلى سؤال: لماذا هذا الاهتمام الكبير؟

فقد حظي بأكثر مما حصل عليه كثيرون من أبطال اليونان العظام كأخيل وأجاممنون وأياكس لا ينازعه في ذلك إلا أوديسوس، وإن تفوق عليه بكثرة معالجاته؛ ودخوله إلى مجال الطب النفسي فيما عرف بعقدة أوديب.

حكاية أوديب وفق الأسطورة هي “أنه ابن ملك حاول قتله عند ولادته لأن نبوءة قالت إن هلاكه ستكون على يد الوليد، لكن بدلاً من قتله يُترك ليعثر عليه راعي غنم يربيه، وعندما يشتد عوده يعرفه الراعي بأنه ليس ابنه.

وفي رحلة أوديب لمعرفة من هو يعود إلى طيبة ويقهر وحشها “أبو الهول” وحين تحاول مجموعة مسلحة قتله- قتلها هو، ويدخل طيبة فيصبح ملكًا لقهره الوحش، ولأن الملك نفسه مات.
هكذا يصعد إلى العرش ويتزوج أرملة الملك دون أن يدري أنها أمه، ولا أنه قتل أباه، وبعد فترة يعم البلاء طيبة، وتنكشف حقيقة قتل أوديب لأبيه وزواجه لأمه فيحكم عليه بالعمى والنزول عن العرش” ما الذي جذب سلماوي في هذه الأسطورة؟

(2) ما هو جديد محمد سلماوي في أوديب

بإصدار الكاتب الكبير محمد سلماوي روايته “أوديب في الطائرة” عن دار الكرمة في 136 صفحة من القطع المتوسط، يعود السؤال الأول ومعه أسئلة جديدة منها: كيف يكون أوديب في الطائرة؟

ما الجديد الذي سيقدمه سلماوي بعد عشرات الأعمال التي حملت اسم أوديب في مختلف الأزمنة والأمكنة.

يكفي أن نذكر “أوديب ملكًا لسوفوكليس 430 قبل الميلاد، وأوديب، وتيسوس لآندريه جيد 1930، والملك أوديب لتوفيق الحكيم 1949.

من هو محمد سلماوي؟

سلماوي أديب وكاتب صحفي مصري صدر له أكثر من ثلاثين كتابًا ما بين الرواية والمسرح والمجموعات القصصية والروايات والسيرة الذاتية والسياسة والصحافة.

واجهت كثيرٌ منها ظروفًا حرجة؛ فرواية الخرز الأزرق واجهت التراجع الرسمي في دعم القضية الفلسطينية، ومسرحية الزهرة والجنزير واجهت تنامي الإرهاب ومعاركه في مصر.

وقد شغل الكثير من المناصب منها انتخابه أمينًا لاتحاد الكتاب العرب، ورئيسًا لاتحاد كتاب مصر، وأسس صحيفة الأهرام إبدو الناطقة بالفرنسية ورأس تحريرها، وحصل أعلى جائزة مصرية، وهي جائزة النيل في الآداب.

(3)

يبدأ النص بمشهد هبوط الطائرة التي تحمل أوديب مطار السجن، وانتظار الجنرال ديتر رئيس أركان الجيوش الملك الذي يرفض النزول من القاهرة.

وبعد نصف ساعة يهبط الحارس الشخصي معلنًا للجنرال رفض الملك؛ ما يدفع الجنرال للصعود والمحاولة التي تفشل.
وبدلًا من أن تسير الأحداث في خط مستقيم؛ لترينا ماذا سيحدث؟

هل سيبقى أوديب في الطائرة؟

كيف سيتعامل الجنرالات مع الملك السابق؟

تعود الأحداث إلى طيبة وتبدأ من نقطة اخترعها المؤلف ليعمق المفارقة التي بنى عليها النص (أوديب، الطائرة).

يحمل المشهد الثاني عنوان ثورة طيبة، ويقدم تأريخًا مختصرًا للمدينة التي تحولت من الضعف على يد لايوس إلى القوة والانتصار بفضل أوديب.

لكن البلاء حل، والاحتجاجات بدأت في الظهور، وقابل أوديب هذا باللامبالاة في البداية ثم بالاستسلام إلى استعمال القوة بعد مجلس رئاسي يسوده الاضطراب وعدم التناغم.

ورفض أوديب أن يكون الشعب ثائرًا عليه هو، فهو بطل الحرب والسلام، هو قاهر إسبرطة عدوتهم التقليدية.

يهبط المؤلف بعدسته إلى الشارع في فصله “بترو وهيباتيا” وعلى عكس ما كان يجري في المسرحيات القديمة.

إذ كان المؤلف لا يكترث لأسماء أبناء الشعب، ويكتفي بوصف الحدث من زاوية الحكام، وإن ذكر فرد الشعب فبعمله أو بصفته (راعٍ، لص،…)

لكن سلماوي هنا يقوم بانحراف جديد فهو يختار للأبطال اسمًا، ويؤصل لوجودهم عبر ما يشبه الإرشاد المسرحي من جهة الوجازة ووضح الدلالة، وعبر بطولتهم للحدث، فمن بترو وهيباتيا وأمثالهم تتحرك كثيرٌ من الأحداث.

هو يصعد ببطله الشعبي بترو لذروة الحدث إذ يقبض عليه في أثناء دفاعه عن بعض الثوار، لكنه يترك لحبيبته الكاميرا لتكمل ما بدأ.

ويجب أن نتوقف هنا عند اختيار الاسمين، فقد ارتبط الاسم الأول بالإلياذة إذ كان دخول “بتروكليوس” ابن عم أخيل، ومصرعه على يد هكتور الطراودي هو السبب الذي أعاد أخيل إلى المعركة بعد اعتزاله لها لخلافه مع الملك أجا ممنون.

وقد أدى هذا الاعتزال لتفوق الطرواديين، وبعودة أخيل انقلبت الموازين فقتل هكتور بيديه، ولاحقًا عبر أسوار طيبة المنيعة داخل حصان خشبي هو ونخبة من رفاقه، وسرعان ما فتحوا أبوابها لجنودهم، وساووا المدينة بالأرض.

وهيباتيا هي رمز العلم السكندري التي كانت تحاضر في مكتبة الإسكندرية.

ما يدعونا للتساؤل لماذا اختار المؤلف هذين الاسمين لبطليه الذين سيشتركان في المظاهرات الحاشدة ضد أوديب.

ولماذا أضاف البطالة، وهي جريمة عصرية ناتجة عن سوء توزيع الثورة ليضيفها إلى أسباب الثورة؟

يظهر في المشهد الرابع “تيريسياس” بوصفه رجلاً كبير السن يعلن في جرأة أن هناك سببًا للكوارث التي تمر بها البلاد.

فيحتشد حوله الثوار مما يدفع أوديب للقبض عليه ومقابلته، وكعادة عرافي الأساطير فإنه لا يقول لأوديب السبب بل يطلب منه الذهاب لمعبد زيوس لمعرفة السبب.

هنا يلجأ المؤلف لطريقته الثالثة في بناء الشخصيات؛ فمن أوديب الملك بصفاته، إلى اختراع بترو وهيباتيا، إلى إجراء عملية (تجميل) لتيريسياس المعروف في الأساطير بأنه عراف أعمى ذو نهدين كبيرين، تحول لامرأة سبعة أعوام، وفي أسطورة أوديب تحديدًا هو الذي واجهه بجرائمه.
هكذا يؤسس المؤلف عالم النص، فالمدينة طيبة، والشخصيات؛ أوديب (رمز الحكم المزعزع ناقص الشرعية) بترو وهيباتيا (رمز الحق الضائع الثائر) تيريسياس (رمز المثقف المواجه)

الحدث الرئيس؛ ثورة عارمة في مواجهة سلطة متآكلة؛ والزمان؛ كل الأزمنة التي تجتمع فيها كل هذه العناصر.

(4)

فيما يشبه تصاعد دقات الطبول تتصاعد الأحداث، فها هو ميدان الثورة يتحول إلى المقر الدائم للشعب.

ثم تقام فيه الأعراس، وهنا يظهر تيريسياس الذي يشعل الجماهير، وحين يحاول العسكر القبض عليه يتصدى لهم الثوار.

في المقابل يتنامى ظهور كريون وهذه المرة يحضر معه وفد الشيوخ، وحين يجد كريون أنه لا فائدة من العناد، يعلن تخليه عن الحكم وانتظاره لنبوءة العدل من زيوس، ويأمر زوجته بالاستعداد لمغادرة القصر.

إن شبهنا نص “أوديب في الطائرة” بهرم فإن قمته هي المشهد السابع “يوم الحقيقة” وفي بدايته يقر السارد بشجاعة أوديب لكنها يدمغها بالتأخر، ما يسقط فاعليتها المرجوة ويجعلها شبيهة بالإنكار الذي سبقها.
انفلتت العربة من قمة الجبل، ونسي الناس أو تناسوا سبب ثورتهم الأصلي وعلا سقف مطالبهم للحد الأقصى، وتفاقمت أطماع الحاشية، وعلى رأسها كريون الذي سيسيطر على الوضع، ويجوب في الشوارع معلنًا تنحي أوديب، وتوجهه لمعرفة النبوءة.

في خيمة شديدة الحراسة يجلس أوديب ومعه زوجته “جوكاستا” وابنتاه “أنتيجونه وهيلينا” ويفاجئهم بالحقيقة الصادمة.
فهو ليس البطل المغوار الذي قتل الوحش لأنه ببساطة كان الوحش من أوهام الناس، ولم يقتل سوى بضعة جنود بؤساء!

(5)

بسقوط أوديب في الإقامة الجبرية، يفرج عن الثوار، ومنهم بترو الذي يذهب إلى حبيبته، ويشرعان في إخراج فيلم عن الثورة.

فيما تعلن النبوءة صريحة على غير عادة العرافين: 

إن اللعنة حلت لأن أوديب قتل أباه وتزوج أمه، ويصحب كريون الشيوخ وتريسياس إلى أوديب ويعلنه بالأمر.

وفيما تنحدر صحة أوديب وتفقد زوجته القدرة على الكلام، يصعد نجم الحبيبين الذي يشبه أشجار الكافور الثابتة المعمرة صاحبة الرائحة النفاذة الآسرة، ولا تتوقف الجدلية هنا فأوديب يغادر أرضه الخضراء إلى السجن الحربي ذي الأسفلت الأسود والمعاملة القاسية.
يعود النص في المشهد الخامس عشر “لعبة الآلهة” ليكمل المشهد الأول.

بعد ساعة واحدة من نزول الجنرال، فيصعد تيريسياس بصعوبة، ويجلس أمام الملك الرافض، ويستطيع بعد محاورة قوية يستعين فيها بسلطان المعرفة، أن يقنع الملك بالهبوط من الطائرة وتقبل مصيره المظلم بهدوء، كما تقبل مصيره المشرق بسعادة.. ويفارق الملك الحياة بعد أيام.

(6)

آثرت استخدام “المشهد” بديلاً من “الفصل” لأن هذا النص يقع بين ثلاثة أجناس أدبية،  القصة القصيرة، والرواية، والمسرح، وإن كنت أنحاز أكثر في قراءته إلى المسرح.

نظرًا لأسباب منها التزام سلماوي بالزمن الأرسطي فالنص يدور في ساعة ونص تبدأ من هبوط الطائرة، وتنتهي بنزول أوديب منها.
فيما تشكل بقية الأحداث استرجاعًا لما مضى (من لايوس إلى الثورة واستيلاء كريون على الحكم) أو تعليقًا على ما سيجري: “وبعد بضعة أيام فارق أوديب الحياة”.

نضيف إلى ذلك اعتماد الكاتب على تقنيات المسرح؛ الإرشاد المسرحي، الحوار، التعليق الصوتي، كما يلحظ القارئ اختصاص كل مشهد بمكان معين قلما يغادره أبطاله، والأهم هنا هو تقنية القناع التي عُرف المسرح العربي بها.

لا يعني هذا عدم جدارة النص بنصه المنسوب إليه (الرواية) ولكنه يدل على تمكن الكاتب من التلاعب حتى بجنسه الأدبي.

معارك الخالدين الأدبية تراثٌ ومستقبل

ماذا أخفى الإمام في جمهورية لأفلاطون؟

أحمد سراج يكتب: لقاء على عتبات الرحيل

(7) من جاء إلى من أوديب أم العصر الحالي؟ 

في هذه المعالجة الجديدة لأوديب، نقف أمام المفارقة التي صاغها سلماوي بإحكام؛ ونتساءل: هل أتى بأوديب إلى عصرنا؟ أم ذهب بنا إلى عصر أوديب؟ ويتسع السؤال: من هو أوديب هذا الزمان؟
يجدر للإجابة عن هذه الأسئلة تأمل آليات سلماوي، ومنها جعله عدد المشاهد خمسة عشر مشهدًا، يمثل السابع مسار التحول “يوم الحقيقة” والثامن تحديد المنتصر “عودة بترو”

وإن حذفنا المشهدين الأول والخامس عشر لاتحادهما، وكونهما ختام النص، لوجدنا أننا أمام ثلاثة عشر مشهدًا، تمثل الستة الأولى يوم تصدع الملك (من ثورة طيبة حتى يوم الحقيقة) والستة الثانية يوم انهيار أوديب (من النبوءة إلى الأسفلت الأسود).

عناوين الفصول/ المشاهد  

يجدر بنا أيضًا الاهتمام بعناوين الفصول/ المشاهد التي تجسد تلاعبًا واضحًا (مأزق الجنرال) وإن تأملنا المرء من جهة تعدد القراءات، فإنه ليس من الضروري أن يكون الجنرال المقصود هنا هو ديتر رئيس أركان الجيوش، وإنما قد يكون أوديب، أو من هو وراء قناعه.

من المهم جدًّا في قراءة هذا النص التعامل مع شخصيات النص، وتحديد علاقتها بالزمنين زمن أوديب، وزمننا، ليس الشخصيات بالطبع بل يحتاج المكان إلى تأمل خاص.

وكما لاحظنا لا يمكن عزل شخصية في إطار زمني بعينه، بل هي تراوح مكانها بين هذا وذاك حتى لو كانت شخصيات مختلقة، فأهل طيبة لم يثوروا في الأسطورة، ولا جزم بوجود بترو أو هيباتيا.

مستويات التناص 

اعتمد سلماوي على مستويات متعددة من التناص؛ ففي مذكراته الصادرة مؤخرًا، أشار إلى أن هناك رئيسًا كان يقيم وضع مصر على أنها طائرة يجب ألا تقوم بشيء إلا وهي على أهبة الاستعداد.

وداخل النص استدعى سلماوي إسبرطة، وجعل انتصار أوديب عليها تثبيتًا لشرعيته، وكرر الحديث عن انتصاره على وحش طيبة.

مأزق الجنرال أو أوديب 

لكنه في “يوم الحقيقة” أعلن أوديب أنه لا وحوش؛ فهل ثمة إشارة هنا إلى اختراع العدو وتضخيمه من منطق طغاة كفافيس في رائعته “في انتظار البرابرة”.

يفتتح سلماوي “يوم الحقيقة” بـ: “يقولون في السياسة التوقيت هو العامل الحاسم.. بدا قرار أوديب شجاعًا لكنه متأخر”

فهل يقودنا هذا إلى مأزق الجنرال أوديب؟ إنه التأخر في الفهم، في الاعتراف، في التصرف.

ما قدمه سلماوي هنا هو قراءة فنية لأسطورة عالمية التأثير، استثمر فيها قدراته السردية والمسرحية والصحفية في بناء نص شديد البساطة الخادعة، والدرامية المشوقة، والوضوح المخاتل.

فما إن تنهي النص، حتى تعيد قراءة عالمك مرة ثانية وثالثة من نافذة “أوديب في الطائرة”.

شارك المقال: