مقالات

إذا صفت رآت (4)

المقام الرابعمقام العشق.. حين تتحول اللغة إلى نارٍ هادئة أحمد عبد الجواد العشق في التجربة الإنسانية كلمة مألوفة.. تتردد في الأغاني.. تُستعمل في الرسائل.. تُقال على عجل كما تُقال كلمات…

مشاركة:
حجم الخط:


اللغة الصوفية تتحدث عن العشق كحالة وجودية.. كطاقة تجعل الإنسان أكثر انتباهًا للحياة.. وأكثر حساسية تجاه التفاصيل.. وأكثر قدرة على إدراك العمق المختبئ خلف المظاهر؛ لهذا تمتلئ النصوص الصوفية بمفردات الحب والغرام والوجد.. ليس باعتبارها استعارات تزين النص وتزيد من بهائه.. لكن باعتبارها مفاتيح لفهم التجربة نفسها.
سيد العشق:
في ديوان ابن الفارض يقول «زادني فرطُ الحبِّ فيك تحيّرًا»¹.. الجملة تبدو بسيطة في ظاهرها.. غير أن التحير هنا قد يفهم من الوهلة الأولى على أنه اضطراب سلبي.. في حين أنه يشير في الحقيقة إلى اتساع الإدراك.. حين يزداد الحب لا تزداد المعرفة وضوحًا فحسب.. تزداد دهشة أيضًا.. كأن القلب يكتشف في كل لحظة طبقة جديدة من المعنى.
هذه الفكرة قريبة جدًا من خبرة الإنسان المعاصر في حياته اليومية.. حين يحب إنسانًا أو فكرة أو حلمًا.. تتغير زاوية رؤيته للعالم.. الأشياء التي كانت عادية تصبح ذات دلالة.. الوقت نفسه يكتسب إيقاعًا مختلفًا.. اللحظة تصبح أعمق من مجرد مرور الزمن. الخطاب الصوفي يلتقط هذه الخبرة الإنسانية المشتركة.. يوسّعها.. يجعلها طريقًا لمعرفة أوسع.
العشق الصوفي:
العشق في النص الصوفي يعمل بوصفه وسيطًا لغويًا بين الإنسان والمطلق، اللغة العادية تعجز عن وصف التجربة الروحية مباشرة. لذلك تلجأ إلى لغة الحب لأنها الأقرب إلى التعبير عن الامتلاء الداخلي، فحين يقول محيي الدين بن عربي في ترجمان الأشواق «لقد صار قلبي قابلًا كل صورة»² فإن العبارة تصف مشاعر فردية تحولت عن طريق العشق إلى حالة اتساع داخلي.. وصار القلب فضاءً يتسع للاختلاف.. وللتعدد.. وللحياة في أشكالها المختلفة.
هذه الفكرة تلامس واقع الإنسان اليومي بشدة.. الإنسان المعاصر يعيش في عالم من الانقسامات.. هويات متصارعة.. آراء متضادة.. خوف دائم من المختلف؛ لذا يقدم الخطاب الصوفي تصورًا مغايرًا.. تصورًا قائمًا على اتساع الرؤية التي تجعل الإنسان أكثر قدرة على الاحتواء.
رابعة العشق:
في نصوص رابعة العدوية تظهر هذه الرؤية بوضوح شديد.. تقول في دعائها الشهير «إلهي ما عبدتك خوفًا من نارك ولا طمعًا في جنتك»³ العبارة تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والإيمان.. العشق هنا ليس وسيلة لغاية.. إنه الغاية نفسها.. فالعلاقة تقوم على الامتلاء الروحي لنفس رابعة لا على المقايضة؛ لقد وصلت إلى مرحلة بعيدة في الطريق؛ مرحلة لم تعد ترى فيها الجنة والنار باعتبارهما مفهومين أساسيين في الإيمان، لقد صارت ترى الله عز وجل باعتباره المطلوب الأسمى من كل شيء.
وحين يقرأ الإنسان المعاصر هذه العبارة يشعر بقربها من أزمته الوجودية؛ فكثير من علاقاته اليومية تقوم على الحساب والمصلحة وسقف التوقعات المرتفع.. أما العشق الصوفي فهو يطرح نموذجًا آخر؛ إنه يطرح علاقة تقوم على الحضور الخالص.. وعلى العطاء دون شرط.
اللغة أداة للكشف:
اللغة في هذا السياق –عزيزي القارئ النبيه- تتحول إلى أداة كشف.. بمعنى أنها تصف العاطفة لكن ذلك الوصف للعاطفة يكشف طبيعة لاعلاقة بين العبد والله عز وجل؛ وبالتالي يكشف كذلك طبيعة لاعلاقة بين العبد والكون؛ أبيس الكون من صنع المحبوب سبحانه وتعالى.. هذا الكشف يبرز لنا أهمية استخدام مصطلحات صوفية/معرفية مثل: مفردات النار والاحتراق والوجد التي تتكرر في النصوص الصوفية، وبالمفهوم السابق نستطيع أن نرى أن الصوفي لا يستعملها للمبالغة.. بل يشير إلى تجربة داخلية حقيقية.. إلى شعور بفيض المعنى داخل القلب إلى درجة لا تحتملها العبارة العادية.
وهذا ما يجعل النص الصوفي قادرًا على لمس القارئ حتى لو لم يكن منتميًا إلى السياق الديني ذاته.. لأن التجربة التي ينقلها تجربة إنسانية في جوهرها.. تجربة البحث عن معنى يتجاوز الحياة اليومية الرتيبة.
ألم تمر بك يا صديقي القارئ لحظات نادرة شعرت فيها بهذا الامتلاء.. لحظة تأمل صامتة.. لقاء إنساني عميق.. نجاح بعد معاناة طويلة.. إحساس مفاجئ بجمال مشهد طبيعي.. هذه اللحظات تشبه ما يسميه الصوفيون حال العشق.. لحظات يرى فيها الإنسان الحياة بوضوح مختلف.. يشعر بأن المعنى أكبر من الكلمات.
التجربة والرمز:
الأدب الصوفي يحاول أن يحفظ أثر هذه اللحظات في اللغة.. أن يمنحها شكلًا قابلًا للمشاركة؛ فالرمز يعمل هنا كوسيط.. لا يشرح التجربة.. ولا يفتح بابًا إليها.. الرمز هنا ببساطة يجعل القارئ يقترب منها عبر ذاكرته الخاصة.
وبالتالي يمكن النظر إلى العشق -من زاوية تحليل الخطاب- بوصفه آلية لإعادة بناء الذات.. ففي الوقت الذي تصف فيه اللغة العاشقة في النص الصوفي العالم الخارجي؛ تجدها تعيد تشكيل المتكلم نفسه؛ فتجعل الذات أكثر مرونة.. وأقل تمركزًا حول نفسها.. وأكثر انفتاحًا على الآخر.
في عالم اليوم الذي يضغط على الإنسان ليؤكد هويته باستمرار.. ليحمي حدوده.. ليخوض صراعات لا تنتهي.. تبدو هذه الرؤية الصوفية ذات راهنية كبيرة.. العشق هنا ليس انسحابًا من الواقع.. لكنه طريقة مختلفة للعيش داخله.. طريقة تجعل الإنسان أقل خوفًا.. وأكثر قدرة على الفهم.
اللغة الصوفية في مقام العشق تشبه نارًا هادئة تغيّر من الداخل.. وتحول الرؤية.. وتعيد ترتيب الأولويات؛ لتمنح الكلمات قدرة على لمس ما يتجاوزها.
ورد المقام: “العشق لا يضيف شيئًا إلى العالم.. العشق يكشف ما كان مخفيًا فيه دائمًا”.
الحواشي
1- ابن الفارض، ديوان ابن الفارض، تحقيق يوسف زيدان، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.
2- محيي الدين بن عربي، ترجمان الأشواق، تحقيق رينولد نيكلسون، لندن: دار نشر جامعة كامبردج.
3- أبو عبد الرحمن السلمي، طبقات الصوفية، بيروت: دار الكتب العلمية.

 

 

 

شارك المقال: