محمد الروبي يكتب: حكايات سينمائية (2) عبلة والإمبراطور، وأنا
جاء "الإمبراطور الأخير" ليكشف لي أن التخصص يمكن أن يكون أساسًا قويًا للمعرفة، لكنه يصبح ضيقًا حين يتحول إلى جدار يمنعنا من الاقتراب من مجالات أخرى.
من أفيش فيلم الأمبراطور الأخير
لـ”الإمبراطور الأخير” ذكرى لا تنسى، ربما لأن الفيلم لم يدخل حياتي كفيلم عابر، وإنما جاء في لحظة كنت أتعلم فيها، دون أن أعرف، معنى آخر للنقد.
كان الفيلم يعرض في القاهرة، ولم أكن قد شاهدته بعد.
أتصور أن ذلك كان عام 1989، وإن كنت لا أذكر التاريخ على وجه اليقين.
كنت قد تخرجت من قسم النقد بالمعهد العالي للفنون المسرحية عام 1986، وكنت أتهيأ للكتابة في الصفحة التي تشرف عليها الكاتبة عبلة الرويني في جريدة الأهالي.
وكان تصوري لنفسي واضحًا وقتها “أنا ناقد مسرحي”، درست المسرح، وتخصصت في النقد، ومن الطبيعي أن أكتب عن العروض المسرحية.
في أحد لقاءاتي مع عبلة سألتني:
“هل شاهدت فيلم الإمبراطور الأخير؟”
قلت: “لا.. ليس بعد”.
قالت: “اذهب وشاهده واكتب عنه”
حاولت أن أثنيها عن الفكرة، شرحت لها أن علاقتي بالسينما لا ترقى إلى مستوى النقد، وأنني لم أدرسها كما درست المسرح، لكنها أصرت.
خرجت يومها من عند عبلة غاضبًا عليها، مندهشًا من إصرارها، ثم تحول الغضب إلى تحدٍّ.

محمد الروبي يكتب: حكايات سينمائية (1) يوم وضعتني أمي في يد الجنيّة
ذهبت وشاهدت الفيلم
ولم أكن أعرف أنني سأجد أمامي حكاية ستلتصق، على نحو غريب، بحكايتي أنا.
كان “بو يي” طفلًا حين أُختطف من حياته العادية ووُضع فجأة في قلب عالم آخر.
أصبح إمبراطورًا قبل أن يعرف ماذا تعني كلمة إمبراطور، ومنذ تلك اللحظة، بدأ العالم من حوله يصنع له هويته، الملابس، الطقوس، الحراس، الخدم، القصر، المراسم.
كان الطفل يعيش داخل دور لم يختره.
ثم يبدأ هذا الدور، مع مرور السنوات، في الانهيار.
أحد أكثر مشاهد الفيلم التي ظلت في ذاكرتي، حين يفقد الطفل أسرته وسط الزحام.
فجأة يصبح وحيدًا. كان محاطًا بكل مظاهر القوة، ثم فجأة وجد نفسه في عالم لا يعرفه، بلا حماية، بلا يقين، وبحاجة إلى أن يتدبر أمره دون معين.
ثم تتوالى التحولات القاسية.
الإمبراطور الذي كان الآخرون ينحنون أمامه يصبح، في إحدى مراحل حياته، خادمًا في معسكر الأعداء، يتعرض للصفعات والإهانة، ويعمل في ظروف لم يكن يتخيلها يومًا.

لم يكن برتولوتشي يحكي فقط سقوط إمبراطور
كان يخلع عن الرجل، الأدوار التي التصقت به، طبقة بعد طبقة، حتى نصل في النهاية إلى الإنسان.
هنا، وأنا أتابع هذه الرحلة، بدأت أرى تجربتي الصغيرة في مرآة بعيدة جدًا عنها.
لم يكن التشابه في قسوة التجربة أو حجمها، فالفارق بين حياة إمبراطور أُجبر على الانتقال من عالم إلى آخر، وبين ناقد شاب طُلب منه أن يكتب عن فيلم، فارق لا يحتاج إلى تفسير.
لكن ما جمع اللحظتين كان شيئًا أكثر بساطة وعمقًا، إنه ذلك الخروج من تعريف اعتدنا أن نرى أنفسنا من خلاله.
بو يي ظل سنوات طويلة أسيرًا لعبارة “أنت الإمبراطور”، حتى صار الدور يكاد يطغى على الإنسان.
وأنا كنت قد بدأت أضع لنفسي، من دون قصد، عبارة أخرى أقل قسوة بكثير، لكنها قابلة لأن تتحول إلى سور “أنا ناقد مسرحي”
وجاء “الإمبراطور الأخير” ليكشف لي أن التخصص يمكن أن يكون أساسًا قويًا للمعرفة، لكنه يصبح ضيقًا حين يتحول إلى جدار يمنعنا من الاقتراب من مجالات أخرى.

لذلك لم تنته علاقتي بالفيلم عند المقال الذي كتبته عنه.
على العكس، كانت الكتابة عنه هي البداية.
شعرت أنني إذا أردت أن أقترب من السينما ناقدًا، فلا يكفي أن أحب فيلمًا أو أتأثر به، ولا يكفي أن أستعير بعض مفردات النقد المسرحي وأضعها أمام الشاشة. كان عليّ أن أتعلم السينما من داخلها.
وهذا ما فعلته طوعًا.
بدأت أدرس تقنيات السينما، وأقرأ في لغتها، وأتعرف إلى أدواتها، وأزور مواقع تصوير الأفلام المصرية، وأراقب كيف تتحول الفكرة المكتوبة إلى صورة، وكيف يعمل المخرج والممثل ومدير التصوير والمونتير، وكيف تصنع الكاميرا معنى لا تستطيع الكلمات وحدها أن تصنعه.
كنت أريد أن أصبح ناقدًا سينمائيًا بالمعنى العلمي، إلى جانب ما تعلمته ومارسته في النقد المسرحي.
ظل المسرح جذري الأول، وظل النقد المسرحي هو التكوين الذي انطلقت منه، لكن السينما أضافت إلى أدواتي، ووسعت نظرتي إلى الصورة والأداء والزمن والفضاء، وإلى الطريقة التي يمكن للفن أن يصنع بها معناه.
الأن حين أتذكر “الإمبراطور الأخير”، لا أتذكر فقط الطفل الذي فقد أسرته وسط الزحام، ولا الرجل الذي صار خادمًا في معسكر الأعداء، ولا الإمبراطور الذي انتهى به الأمر مواطنًا عاديًا.

أتذكر الرحلة.
رحلة إنسان بدأ داخل عالم مغلق، ثم اضطر إلى أن يتعلم الحياة خارجه
أتذكر، في المقابل، شابًا خرج من عند عبلة الرويني منزعجًا لأنه طُلب منه أن يكتب في منطقة لا يعرفها، ثم اكتشف أن أفضل ما يمكن أن يفعله هو أن يتعلمها.
بو يي احتاج إلى أن يفقد العرش لكي يكتشف الإنسان.
أما أنا، فلم أحتج إلى أن أفقد شيئًا، كنت فقط بحاجة إلى أن أخرج قليلًا من حدود الدور الذي رسمته لنفسي.
وكان “الإمبراطور الأخير” هو الباب الذي فتحته عبلة الرويني بكلمة بسيطة:
“اذهب وشاهده واكتب عنه”.
ذهبت،شاهدت، كتبت.
ثم عدت إليها بمقالي الذي أعدت كتابته مرة ومرة ومرة.
سلمتها إياه بيد مرتعشة، وظللت ساكنا على الكرسي المقابل لمكتبها، أطالع ملامح وجهها وهي تقرأ، أحاول أن أقبض على تعبير يشي برضائها أو رفضها، لكني لم أفلح.
فجأة وضعت عبلة المقال على المكتب وخلعت نظارتها وقالت لي مبتسمة ” وتقولي ما ليش في السينما ؟”
هنا إنفجر القلب رقصاً، خرجت من عندها شخص أخر غير ذلك الذي خرج من اللقاء الأول.
وصار ذلك اللقاء محفورا في ذاكرتي، يعود إلىّ كلما سمعت كلمة مديح عن مقال سينما قرأه شخص ما، فأردد بيني وبين نفسي ” شكراً عبلة “
شاركنا برأيك