علي الإفريقي يكتب: أيامنا الحلوة مش حلوة أوي (6) الترزي باشا
كان الترزي الشاطر في اخذ المقاسات المضبوطة، والذي يعرف نوعية الأقمشة والموديلات، ويساير احدث خطوط الموضة، هو ترزي صاحب اسم ومكانة وسمعة وينافس النجوم في شهرته.
الترزي والخياطة كان أصحاب مهنة مميزة ومن يجيد فيهما يصبح من المشاهير
يا خالة يا الخياطة.. وين ثيابنا؟
في زمننا الحالي، إذا أراد احدنا شراء قميص أو بنطلون أو بدلة، أو أرادت فتاة او سيدة شراء فستان أو بلوزة، فالأمر لا يحتاج سوى دقائق.
تذهب إلى محل الملابس، تختار الموديل واللون والمقاس، تجربه أمام المرآة، وإذا أعجبك تدفع ثمنه وترتديه في نفس اليوم.
أما في زماننا، فلم تكن الامور بهذه السهولة حيث لم تكن الملابس الجاهزة متاحة لذا كنا نعتمد علي التفصيل.
كان الترزى له اهمية كبري في حياتنا، وكانت الحكاية تبدا بمشوار الي محلات الأقمشة لشراء القماش، تختار النوع، واللون ونسأل عن الأسعار، ثم تشتري الأمتار المطلوبة.
كنا نعرف أنواع الأقمشة: مصري، إنجليزي، هندي، جبردين، قطن، لينوه ومحلة وغيرها.
بعدها تبدأ رحلة الذهاب إلى الترزي المطلوب حسب التخصص: ترزي قمصان، أو بنطلونات، أو بدل، أو ترزي حريمي .
نعطيه القماش ونشرح له الموديل الذي نريده، فيحدد الأجر، وإذا وافقنا يبدأ في أخذ مقاسات جسمنا بدقة ويسجلها في ورقة تحمل اسم الزبون، ثم يحدد موعد الاستلام.
وكان لا يقل عن أسبوعين، واحيانا ثلاثة أسابيع، خاصة قبل الأعياد أو بداية الدراسة، أما البدلة فكانت تحتاج إلى وقت اكبر حيث اجراء بروفات اولية قبل التسليم النهائي.
كان الترزي الشاطر في اخذ المقاسات المضبوطة، والذي يعرف نوعية الأقمشة والموديلات، ويساير احدث خطوط الموضة، هو ترزي صاحب اسم ومكانة وسمعة وينافس النجوم في شهرته.
اتذكر وانا طالب كان معي قماش انجليزي جاءني هدية
فقال لي أحد أصدقائي إنه يعرف ترزي بنطلونات في السيدة، من شدة مهارته يستطيع تفصيل البنطلون دون أخذ مقاسات، لم أصدقه.
اصطحبني إليه ومعي القماش، وطلب منه تفصيله فأخذ الترزي القماش دون قياس، بعد ان تأملني من فوق لتحت ثم قال:
“تعالى بعد أسبوع، فشعرت بالخوف خاصة وان القماش غالي، وصممت ان ياخذ القياس لكنه تحداني ان فشل فسوف يدفع لي ضعف ثمن القماش ،وفوجئت بالفعل عند استلام البنطلون بأنه مضبوط تماما.
كان اختيار الترزي الموثوق يحتاج إلى سؤال ومعرفة
أحيانا إلى واسطة لو كان مشهورا ولديه زبائن كثيرون، فقد يرفض استقبال قماش جديد بسبب كثرة العمل.
هذا ما حدث معي عندما ذهبت إلى أحد الترزية المشهورين لتفصيل بدلة بمناسبة دخولي الجامعة، فرفض ثم وجدت له واسطة فوافق، بشرط أن أنتظر شهرا لاستلامها، ومع ذلك استلمتها بعد شهرين.
كان الترزي الحريمي أكثر شهرة وثراء، حتى إنني أتذكر أن السيارة الفخمة الوحيدة في شارعنا كان يمتلكها ترزي حريمي.
وكانت بعض العائلات تستعين بخياطة تزور المنزل، تأخذ المقاسات وتساعد الفتاة في اختيار القماش والموديل، ثم تعود لإجراء البروفات والتعديلات المطلوبة.
أما ملابس الأطفال، فكانت الأمهات يفصلنها بأنفسهن باستخدام ماكينة الخياطة التي كانت موجودة في معظم البيوت، بل ويفصلن الستائر والمفارش وكسوة الأثاث، وأحيانا يفصلن ملابس الكبار بالاستعانة بالباترونات المنشورة في مجلة حواء.
ثم غزت الملابس الجاهزة حياتنا، فوفرت الجهد ووقت التفصيل، وقدمت موديلات وألوانا ومقاسات كثيرة، فأصبح الاختيار أوسع، وترى النتيجة وتجربها قبل الشراء، فتراجعت مهنة التفصيل واختفي الترزي من حياتنا واصبح دوره يقتصر علي التضييق والتوسيع والتقصير والتعديل وتركيب السوستة أو الزرار.
مع ذلك فايام التفصيل كان لها جمالها فقد كنا تختار بانفسنا نوع القماش، واللون، ونحدد الموديل حسب ذوقنا، ويتم التفصيل على مقاسات جسمنا بدقة، دون عيوب في الطول أو العرض مما يمنحنا مظهرا متناسقا.
كما كانت مشاوير الذهاب الي الترزي لاستلام الثياب لها متعة خاصة توضحها الاغنية العراقية بصياح الاطفال ليلة العيد: يا خالة يا الخياطة.. وين ثيابنا؟..
شاركنا برأيك