مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

محمد كامل القليوبي: الرجل الذي حارب النسيان بالكاميرا (1-2)

عندما انتقل القليوبي إلى السينما الروائية لم يترك مشروعه الأول، بل نقله من التاريخ إلى الواقع.

مشاركة:
حجم الخط:

أبطال من المهمشين 

من محمد بيومي إلى خريف آدم رحلة مخرج رأى أن السينما إنقاذ للذاكرة والإنسان
لم يكن الدكتور محمد كامل القليوبي بالنسبة لي مجرد أستاذ وقف أمامنا في قاعات المعهد العالي للسينما ليشرح قواعد الإخراج أو بناء الشخصية الدرامية.

كان أكبر من ذلك بكثي،؛ كان نموذجًا للمثقف السينمائي الذي يسبق المخرج، والإنسان الذي يرى في الفن مسؤولية قبل أن يراه مهنة.

كنت أراه يدخل قاعة الدرس محملًا بتاريخ كامل من الأسئلة، لا بمجموعة من الإجابات الجاهزة.

كان يؤمن أن السينمائي الحقيقي لا يبدأ من الكاميرا، بل من موقفه من الإنسان والعالم

لم يكن يعلمنا كيف نصنع مشهدًا فقط، بل كيف نبحث عن المعنى خلف المشهد، وكيف ندرك أن الصورة السينمائية ليست مجرد تكوين جمالي، وإنما شهادة على عصر وناس وأحلام ووجع.

ولهذا ربما كان أصعب ما يمكن أن نفعله أمام تجربة محمد كامل القليوبي هو اختزالها في قائمة أفلام؛ لأن أفلامه، رغم قلتها العددية، كانت أجزاء من مشروع فكري واحد.

مشروع يدور حول سؤال جوهري:

كيف نحمي الإنسان والذاكرة من السقوط في النسيان؟

فالرابط العميق بين القليوبي المخرج والقليوبي المؤرخ هو أنه كان دائم البحث عن الأشياء التي أوشكت على الاختفاء.

مرة يبحث عن رائد سينمائي محاه التاريخ، ومرة يبحث عن إنسان عادي سحقته الظروف، ومرة يفتح ملفًا تاريخيًا مسكوتًا عنه. كان دائمًا يقف في مواجهة الغياب.

ولهذا لم يكن غريبًا أن تصبح معركته من أجل أرشيف السينما المصرية امتدادًا طبيعيًا لسينماه، فالرجل الذي شعر بالخطر على ذاكرة الأفلام، شعر بالخطر نفسه على البشر الذين يعيشون خارج دائرة الضوء.

لماذا محمد بيومي؟ اختيار يكشف فلسفة القليوبي قبل أن يكشف تاريخ السينما

حين اختار محمد كامل القليوبي شخصية محمد بيومي موضوعًا لفيلمه التسجيلي “محمد بيومي ووقائع الزمن الضائع” 1989 لم يكن يختار مجرد رائد سينمائي قديم، بل كان يختار قضية.
كان يمكن أن يذهب إلى أسماء أكثر شهرة، أسماء صنعت حولها الأساطير، لكنه اختار رجلًا يمثل مشكلة أكبر: مشكلة النسيان.
محمد بيومي كان من صناع البدايات في السينما المصرية، لكنه لم يحتل المكانة التي تتناسب مع دوره في الذاكرة العامة. وهنا يصبح اختيار القليوبي له موقفًا فكريًا قبل أن يكون اختيارًا فنيًا.
فهو لم يكن يسأل: من هم أشهر صناع السينما؟

بل كان يسأل: من هم الذين ظلمهم التاريخ؟

وهذا السؤال يكشف جوهر شخصية القليوبي نفسها. فالمخرج الذي ينحاز إلى رجل منسي في التاريخ هو غالبًا مخرج يبحث عن الإنسان المنسي في الحاضر.

لم يكن محمد بيومي عند القليوبي شخصية من الماضي، بل كان رمزًا لكل مبدع يختفي خلف أسماء أكثر لمعانًا، ولكل تجربة إنسانية تضيع لأن المجتمع لا يمتلك آليات عادلة لحفظ ذاكرته.

“وقائع الزمن الضائع” عندما يتحول الفيلم التسجيلي إلى بيان ضد النسيان

قيمة “محمد بيومي ووقائع الزمن الضائع” لا تكمن فقط في موضوعه، بل في الطريقة التي تعامل بها القليوبي مع الموضوع.

الفيلم ليس مجرد جمع معلومات عن شخصية تاريخية، وليس تسجيلًا أرشيفيًا باردًا. إنه رحلة بحث عن أثر إنسان اختفى من الوعي العام.

القليوبي لم يستخدم الكاميرا هنا لتسجيل الماضي، بل لاستخراجه من تحت طبقات الإهمال.

ولذلك يبدو الفيلم أقرب إلى عملية تنقيب؛ فكل وثيقة وكل صورة وكل شهادة ليست مجرد معلومة، وإنما محاولة لاستعادة روح غائبة.

وهنا تتضح عبقرية الفيلم: أن القليوبي لم يكن يدافع عن محمد بيومي وحده، بل كان يدافع عن فكرة أكبر؛ فكرة أن السينما المصرية لا تبدأ فقط من اللحظات التي حفظها التاريخ، وإنما أيضًا من اللحظات التي أهملها.

لقد كان القليوبي يرى أن حماية الأرشيف ليست عملًا إداريًا، بل فعل مقاومة ثقافية.

فالفيلم القديم ليس مجرد شريط، وإنما شهادة على مجتمع كامل؛ على طريقة تفكير الناس، وأحلامهم، ولهجاتهم، وعلاقاتهم، وتحولاتهم التاريخية.

ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين “بيومي” وكل أعماله اللاحقة:

الفيلم الذي بحث فيه عن إنقاذ مبدع من النسيان، قاد صاحبه لاحقًا إلى البحث عن إنقاذ الإنسان نفسه من المصير ذاته.

من ذاكرة السينما إلى جرح الإنسان: القليوبي الروائي يواصل المعركة نفسها

عندما انتقل القليوبي إلى السينما الروائية لم يترك مشروعه الأول، بل نقله من التاريخ إلى الواقع.
في “ثلاثة على الطريق” لم يعد السؤال: كيف ننقذ شخصية منسية من الماضي؟ بل أصبح: كيف يرى المجتمع الإنسان الذي يعيش بيننا ولا نراه؟

الطريق في الفيلم ليس مجرد مسافة تتحرك عليها الشخصيات، وإنما رحلة داخلية.

الشخصيات تتحرك في الجغرافيا، لكنها في الحقيقة تبحث عن معنى، عن خلاص، عن مكان لها في عالم لا يمنحها الاعتراف بسهولة.

وهنا يظهر أحد أهم ملامح سينما القليوبي: انحيازه للشخصيات الهامشية.

لكن الهامش عنده لم يكن يعني الضعف، بل كان يعني المساحة التي تكشف الحقيقة. فالشخصيات البسيطة التي قدمها كانت تحمل أسئلة أكبر من حجمها الاجتماعي:

سؤال العدالة، سؤال الحرية، سؤال الإنسان حين يصطدم بعالم قاسٍ.

“البحر بيضحك ليه”  البحث عن الحرية خلف قناع الضحك

ثم يأتي “البحر بيضحك ليه” ليكشف مرحلة أكثر عمقًا في عالم القليوبي.

البحر هنا ليس مجرد مكان، بل رمز اتساعه الخارجي يقابله ضيق داخلي يعيشه الإنسان.

هو مساحة مفتوحة، لكن البطل يحمل سجنه معه.

وهذه من أجمل مفارقات الفيلم:

أن الإنسان قد يهرب من المكان، لكنه لا يستطيع دائمًا الهروب من أزمته الداخلية.

كانت لديه قدرة نادرة على تحويل التفاصيل اليومية إلى أسئلة فلسفية:

لماذا نشعر بالغربة ونحن بين أهلنا؟

لماذا يبحث الإنسان عن الخلاص ثم يكتشف أنه يحمل سجنه داخله؟

القليوبي لا يقدم الحرية باعتبارها انتقالًا من مكان إلى مكان، بل باعتبارها مواجهة الإنسان لذاته.
ولهذا جاءت شخصياته دائمًا حاملة لأسئلة أكبر منها؛ لأنها ليست شخصيات تبحث فقط عن حل لمشكلة، بل تبحث عن معنى لوجودها.

لقد كان القليوبي يعرف أن أعظم أزمات الإنسان ليست دائمًا ما يحدث حوله، بل ما يحدث داخله.

رحل محمد كامل القليوبي في فبراير 2017، لكن رحيله لم يكن نهاية رجل، بل غياب صوت كان يذكرنا دائمًا بأن السينما ذاكرة قبل أن تكون صناعة، وأن الفيلم الذي لا يحفظ إنسانيتنا لا يستحق أن يبقى..

شارك المقال: