تقارير
سالم أبو رخا
سالم أبو رخا

كاتب صحفي

سالم أبو رخا يكتب: الطريق والعمال والدماء

في 11 أغسطس، وقع التصادم على طريق الدواويس. 18 شخصًا قتلوا. 29 أصيبوا. كان معظم الضحايا من العمال الذين كانوا في طريقهم إلى العمل.

مشاركة:
حجم الخط:

السادسة صباحًا: حين يبدأ يوم العمل من صندوق سيارة

في قرى القصاصين، لا تبدأ رحلة العمال إلى المزارع من باب أتوبيس، وإنما من صندوق «ربع نقل»

حادثان خلال أسبوعين أعادا السؤال القديم: من المسؤول عن نقل عمال الزراعة؟

في السادسة صباحًا تقريبًا، تكون قرى القصاصين قد بدأت يومها.

بيوت تفتح أبوابها، وعمال يخرجون إلى الطرق الزراعية، يحمل بعضهم أكياس الطعام وزجاجات المياه.

لا ينتظرون أتوبيسًا مكتوبًا عليه اسم شركة أو مزرعة، ينتظرون سيارات «ربع نقل»

تتوقف السيارة، يصعد العمال إلى الصندوق الخلفي، ثم تتحرك.

بالنسبة إلى كثيرين منهم، هذه ليست رحلة استثنائية ولا مخاطرة يقررون خوضها في يوم بعينه.

إنها الطريقة المعتادة للوصول إلى العمل.

في 11 أغسطس، كانت إحدى هذه الرحلات تنتهي على طريق الدواويس.

تصادمت سيارتا «ربع نقل» تحملان عمالًا، سقط 18 قتيلًا وأصيب 29 آخرون.

بعد أقل من أسبوعين، وفي الطريق نفسه تقريبًا، وقع حادث آخر.

صباح 25 أغسطس، اصطدمت سيارة «ربع نقل» بسيارة ملاكي، وأصيب 24 شخصًا، بينهم أطفال تتراوح أعمارهم بين 10 و17 عامًا، بحسب ما أوردته المفوضية المصرية للحقوق والحريات.

حادثان متقاربان في المكان والوسيلة والتوقيت.

لكن الفارق بينهما ليس فقط عدد الضحايا.

الحادث الثاني أعاد إلى الواجهة سؤالًا أكبر من السائق الذي كان خلف عجلة القيادة:
لماذا يصل العمال إلى مزارعهم بهذه الطريقة أصلًا؟

الطريق إلى المزرعة

في القرى التي يعتمد جزء من سكانها على العمل الزراعي الموسمي، لا يكون العامل هو من يحدد وسيلة الانتقال عادة.

هناك شخص يجمع العمال، ومزرعة تحتاج إلى أيدٍ عاملة، وسيارة تنقلهم من القرية إلى مكان العمل.
هذه السلسلة تعرف محليًا باسم «مقاول الأنفار».

المقاول يجمع العدد المطلوب من العمال، ويتفق مع المزرعة على توفير العمالة، ثم يبدأ البحث عن وسيلة نقل.

وهنا تدخل «الربع نقل».

سيارة مصممة أساسًا لنقل البضائع، لكن صندوقها الخلفي يتحول في ساعات الصباح الأولى إلى وسيلة نقل جماعي.

لا مقاعد مخصصة.

لا أحزمة أمان.

لا وسيلة لحماية الركاب من السقوط.

ومع ذلك، يصعد إليها العمال.

ليس لأنهم يفضلونها، ولكن لأن البديل في كثير من الحالات غير موجود أو أكثر تكلفة.

عامل يحصل على يومية في حدود 200 جنيه، وفق المعلومات التي أوردتها المفوضية، لا يستطيع ببساطة أن يقرر أن جزءًا كبيرًا من أجره سيذهب إلى وسيلة انتقال خاصة.

الوصول إلى العمل شرط للحصول على الأجر أصلًا.

وهكذا تصبح الرحلة جزءًا من معادلة العمل، حتى لو لم تكن داخل المزرعة.

حادث 11 أغسطس لم يكن الأول

في 11 أغسطس، وقع التصادم على طريق الدواويس.

18 شخصًا قتلوا.

29 أصيبوا.

كان معظم الضحايا من العمال الذين كانوا في طريقهم إلى العمل.

بعد الحادث، صدرت تحركات وقرارات محلية، من بينها حصر المزارع، والتشديد على عمالة الأطفال، ومنع استخدام سيارات نقل البضائع في نقل العمال، إلى جانب مراجعة الطريق.
كان من المفترض أن تبدأ بعدها مرحلة مختلفة.

لكن في 25 أغسطس، جاء حادث آخر.

لم تعد القضية حادثًا منفردًا يمكن إغلاقه بمحضر وتحقيق وإحالة سائق إلى النيابة.

أصبح السؤال متعلقًا بما يحدث كل صباح قبل وقوع الحوادث.

من الذي يجمع العمال؟

من يختار السيارة؟

من يدفع تكلفة النقل؟

ومن المسؤول عندما تكون وسيلة النقل نفسها غير صالحة لنقل البشر؟

الأطفال الذين يبدأ يومهم قبل السابعة

من بين أكثر تفاصيل الحادث الثاني إثارة للانتباه وجود أطفال بين المصابين.

أعمارهم، وفق ما ذكرته المفوضية، تبدأ من العاشرة وتصل إلى السابعة عشرة.

وهنا لا يتعلق الأمر فقط بحادث طريق.

قانون الطفل يضع قيودًا على تشغيل الأطفال، كما أن قانون العمل يتضمن أحكامًا خاصة بعملهم وظروف تشغيلهم.

وجود طفل في العاشرة صباحًا في طريقه إلى مزرعة للعمل يفتح سؤالًا آخر:

متى بدأ يوم عمله؟

إذا كانت السيارة تتحرك قبل السادسة صباحًا، فإن الطفل يكون قد غادر منزله قبل ذلك بوقت كافٍ.

أي أن المشكلة لا تبدأ عند بوابة المزرعة.

تبدأ من الطريق إليها.

«المقاول».. الحلقة التي لا يراها أحد

في نهاية كل سلسلة هناك طرف يمكن الوصول إليه بسهولة: السائق.

لكن في بداية السلسلة توجد أطراف أخرى.

المزارع تحتاج إلى العمال.

المقاول يوفرهم.

السيارة تنقلهم.

والعامل يصعد لأنه يريد الوصول إلى عمله.

هذه السلسلة تجعل المسؤولية موزعة بين أكثر من طرف، وهو ما دفع المفوضية المصرية للحقوق والحريات إلى المطالبة بتوسيع نطاق المساءلة وعدم الاكتفاء بالسائق.

وتستند المفوضية في ذلك إلى أحكام قانونية تتعلق بمسؤولية من يخل بواجبات السلامة، وكذلك إلى النصوص التي تنظم علاقة صاحب العمل بمن يعهد إليه بجزء من أعماله.
لكن إثبات المسؤولية القانونية شيء آخر.

وهنا تحديدًا تحتاج القضية إلى تحقيق رسمي يحدد:

من اتخذ قرار استخدام وسيلة النقل؟ ومن كان يعلم بها؟ ومن كان قادرًا على منع استخدامها؟

القانون يقول شيئًا.. والطريق يقول شيئًا آخر

قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 يتضمن التزامًا يتعلق بتوفير وسيلة انتقال مناسبة للعمال في الحالات التي لا تتوافر فيها وسائل المواصلات العامة إلى مكان العمل.

النص يبدو واضحًا.

لكن طريق الدواويس يقدم صورة مختلفة.

عمال يصلون إلى مزارعهم في صناديق سيارات نقل.

وبين النص والتطبيق توجد المساحة التي وقعت فيها الحوادث.

المفوضية ترى أن هذه الفجوة تكشف ضعف الرقابة على العمالة الزراعية، خصوصًا أن التفتيش على هذا النوع من العمل أكثر صعوبة من التفتيش على مصنع أو شركة لها عنوان ثابت وسجلات واضحة.

العامل الزراعي يتحرك.

المزرعة قد تكون بعيدة.

والعمالة موسمية.

أما «مقاول الأنفار» فيمكن أن يكون هو الحلقة التي تربط الجميع ببعضهم، من دون أن يظهر بالضرورة في الصورة الرسمية لعلاقة العمل.

لماذا لا توجد حافلة؟

السؤال يبدو بسيطًا، لكنه ربما أهم سؤال في القصة كلها.

لماذا لا تنقل المزرعة عمالها في أتوبيسات مجهزة؟

الإجابة تحتاج إلى أرقام.

كم تبلغ تكلفة الأتوبيس في اليوم؟

كم عاملًا ينقل؟

كم تبلغ تكلفة نقل العامل الواحد؟

وكم تبلغ تكلفة «الربع نقل»؟

إذا كانت المزرعة تتعاقد مع المقاول على عدد من العمال وليس على عملية نقل آمنة، فمن يتحمل تكلفة الرحلة؟

هنا يمكن أن تتحول القصة من حديث عن حادثتين إلى قصة عن اقتصاد نقل العمالة الزراعية.
فالسيارة الأرخص قد تكون هي الخيار الأكثر خطورة.

والعامل الأقل قدرة على التفاوض هو أول من يدفع الثمن.

الطريق الذي لا يتعلم

بعد حادث 11 أغسطس، كان يمكن أن يصبح طريق الدواويس مكانًا تراقب فيه السلطات حركة سيارات نقل العمال.

لكن بعد أسبوعين وقع حادث آخر.

وهذا لا يعني بالضرورة أن القرارات السابقة لم تُنفذ، لكنه يعني أن الحادث الثاني يفرض اختبارًا حقيقيًا لمدى فعالية الإجراءات التي أُعلنت بعد الحادث الأول.

هل جرى بالفعل حصر سيارات نقل العمال؟

كم سيارة تم ضبطها؟

كم مزرعة جرى التفتيش عليها؟

هل تغيرت وسيلة نقل العمال بعد الحادث الأول؟

هل توجد نقاط تفتيش في ساعات الصباح الأولى؟

وهذه أسئلة لا تجيب عنها البيانات الصحفية وحدها.

ليست مشكلة «ربع نقل» فقط

التركيز على السيارة قد يجعل القضية تبدو وكأن الحل هو منع «الربع نقل» فقط.

لكن القصة أوسع.

هناك سوق للعمالة الزراعية.

هناك عمالة موسمية.

هناك مقاولون.

هناك مزارع بعيدة عن خطوط المواصلات.

وهناك عمال يقبلون ظروفًا لا يختارونها لأن البديل هو عدم العمل.

لذلك فإن منع السيارة من نقل العمال دون توفير وسيلة بديلة قد ينقل المشكلة من مكان إلى آخر.

العامل سيظل بحاجة إلى الوصول إلى المزرعة.

والمزرعة ستظل بحاجة إلى العامل.

والسؤال الحقيقي هو: من سيدفع تكلفة النقل الآمن؟

من يدفع؟

العامل يدفع من جسده عندما تقع الكارثة.

لكن قبل ذلك، هناك تكلفة اقتصادية تحاول الأطراف المختلفة تجنبها.

المزرعة تريد تقليل تكلفة العمالة.

المقاول يريد الحفاظ على هامش ربحه.

السائق يريد تشغيل سيارته.

والعامل يريد أن يحصل على يوميته.

وفي وسط هذه المعادلة توجد رحلة قصيرة، تبدأ قبل السادسة صباحًا وتنتهي عادة أمام بوابة مزرعة.

لكن في يوم 11 أغسطس، انتهت الرحلة بالنسبة إلى 18 شخصًا في مكان آخر.

وفي 25 أغسطس، أصيب 24 آخرون.

لهذا لا تبدو المسألة بعد الآن مجرد حوادث طرق متكررة.

إنها سؤال عن الطريقة التي يصل بها أفقر العمال إلى أماكن العمل التي تعتمد عليهم.

وفي السادسة صباحًا من كل يوم، قبل أن يبدأ العمل، تبدأ هذه القصة مرة أخرى.

سيارة «ربع نقل» تقترب، يفتح السائق الصندوق، يصعد العمال، ثم تتحرك السيارة.
والفارق بين يوم عمل عادي ويوم ينتهي بكارثة قد لا يتجاوز لحظة واحدة على الطريق.

شارك المقال: