حين يصبح الجسد مرآةً متبادلة بين الشرق والغرب (1-3)
اختيار الموضوع في حد ذاته يمثل مغامرة؛ لأن "هوبود" يرى في الجنس مدخلا مهما لفهم العلاقات الأوروبية العربية

صور ة من كتاب الهواجس الجنسية
ليست العلاقات بين الشرق والغرب مجرد تاريخ من الحروب والاحتلال والمصالح الاقتصادية.
فثمة تاريخ آخر أكثر حميمية، جرت أحداثه في الظل، وصنعته الخيالات والصور المتبادلة عن الجسد والجنس.
هذه المنطقة الملتبسة يناقشها المؤرخ البريطاني “ديريك هوبود” (1933–2020) في كتابه “التصورات الجنسية عن الشرق الأوسط:
البريطانيون والفرنسيون والعرب”، الصادر بالعربية عن مشروع كلمة في 2009، بترجمة ناصر مصطفى أبو الهيجاء.
أحمد رجب شلتوت يقرأ : كتاب قدوم الإقطاع الجديد (1-2)
حالة كاشفة
اختيار الموضوع في حد ذاته يمثل مغامرة؛ لأن “هوبود” يرى في الجنس مدخلا مهما لفهم العلاقات الأوروبية العربية، لقناعته بأن الطريقة التي ينظر بها مجتمع إلى جسد المجتمع الآخر تكشف كثيرًا من تصوراته عنه.
وهو يضع العلاقات الجنسية في سياق أوسع من الصور والتصورات والأحكام المسبقة، فيميز بين العلاقات الحقيقية التي قد تنشأ بين أفراد من الطرفين، وبين التصورات العامة التي استقرت في العقول وانتقلت عبر الكتب والصور.
وهو تمييز بالغ الأهمية
لأن الكتاب لا يريد أن يقول إن البريطانيين أو الفرنسيين كانوا على صورة واحدة في علاقتهم بالعرب، وإنما يحاول أن يضع التجربة الفردية في مواجهة الصورة الجماعية التي صنعتها الثقافة.
يبدأ الكتاب من سؤال عن الذي يمكن حدوثه عندما يلتقي أفراد ينتمون إلى ثقافتين مختلفتين، وتحكم كل ثقافة منهما تصورات مسبقة عن الأخرى.
هنا تصبح العلاقة الجنسية حالة كاشفة، فقد يلتقي رجل أوروبي بامرأة عربية في علاقة فعلية تتجاوز الصور المسبقة.
لكن المجتمع الذي ينتمي إليه الطرفان ربما يكون قد صنع قبل اللقاء صورة كاملة عن الآخر.
ولذلك يصبح اللقاء، بطريقة ما، مواجهة بين الإنسان الحقيقي والصورة المتخيلة عنه.
قد يكون الواقع أكثر تعقيدًا من الصورة، لكن الصورة تحدد ما يتوقعه الفرد من الآخر قبل أن يلتقيه.
ولذلك يحرص المؤلف على تتبع هذه العلاقة عبر مراحل تاريخية مختلفة، هي المرحلة السابقة للاستعمار، والمرحلة الاستعمارية، ثم مرحلة ما بعد الاستعمار.
ذلك يجعل الجنس عنده جزءًا من تاريخ طويل للاتصال بين العالم العربي وأوروبا، وليس ظاهرة منفصلة عن التحولات السياسية والاجتماعية.

خلفية الأحكام المسبقة
يحمل الفصل الأول عنوان “خلفية الأحكام المسبقة” ثم ينتقل الفصل الثاني إلى “الشرق الأوسط في الوعي الأوروبي” قبل أن يصل الفصل الثالث إلى العلاقة بين الشرق الأوسط والإمبراطوريات.
وهذا الترتيب يكشف عن الطريقة بناء الكتاب
فهو يبدأ من الصورة الذهنية، ثم يتابع تحولها إلى علاقة، ثم يضع العلاقة داخل سياق القوة السياسية والإمبراطورية.
وهنا يقترب من منطقة الاستشراق، لكنه لا يدخل إليها بالطريق النظري المعتاد.
فبدلًا من التركيز على الكتب العلمية والسياسية التي أنتجت معرفة عن الشرق، يتتبع “هوبود” المخيلة الجنسية التي ساهمت في إنتاج صورة الشرق.
والشرق في المخيلة الأوروبية لم يكن مجرد أرض بعيدة ذات تاريخ وحضارة
كان أيضًا مكانًا للغموض والغرابة والحريم والعادات الجنسية التي تبدو للأوروبي القادم من ثقافته موضوعًا للدهشة.
وهكذا يصبح الجسد جزءًا من عملية إنتاج صورة الآخر.
لكن “هوبود” لا يحصر المسألة في النظرة الأوروبية وحدها.
فالكتاب، في فصوله اللاحقة، يحاول أن يتابع أيضًا موقف العرب من الأوروبيين والأوروبيات، وأن يرى العلاقات الجنسية بوصفها عملية تبادل للنظرات، وإن لم يكن هذا التبادل متكافئًا دائمًا.
الإمبراطورية في غرفة النوم
يأتي الفصل الثالث بعنوان «الشرق الأوسط والإمبراطوريات» ثم يخصص الفصل الرابع للتجارب الفرنسية، والفصل الخامس للعلاقة بين الأوروبيين والمؤسسات أو الأوساط المرتبطة بالشرق الأوسط.
وبعد ذلك ينتقل في الفصل السادس إلى «المواقف الغربية تجاه رجال الشرق ونسائه»

وفي الفصول الثلاثة يرى أن الجنس لا يحدث في فراغ اجتماعي.
فالأوروبي الذي يصل إلى الشرق في القرن التاسع عشر أو بدايات القرن العشرين لا يصل بوصفه فردًا مجردًا.
فقد يكون سائحًا أو رحالة أو موظفًا أو جنديًا أو مستعمرًا، ومن ثم فإن علاقته بالآخر تحمل معها، بدرجات مختلفة، موقعه داخل منظومة القوة.
وهذا يجعل صورة المرأة الشرقية مثلًا قابلة لأن تصبح جزءًا من صورة أوسع عن المجتمع الشرقي كله.
فإذا تم تصوير المرأة الشرقية كخاضعة أو غامضة أو شديدة الحسية، فإن الصورة لا تتوقف عند حدود المرأة، وإنما يمكن أن تمتد لتصبح حكمًا على المجتمع الذي تنتمي إليه.
ومن هنا يكشف أن الاستعمار لم يكن مجرد سيطرة على الأرض، بل كان أيضًا سيطرة على صورة الآخر، وقد تكون السيطرة على الصورة أكثر استمرارًا من السيطرة السياسية نفسها، لأنها تنتقل الثقافة إلى المخيلة.






