كاتب وكتاب
عزت إبراهيم
عزت إبراهيم

كاتب صحفي ورئيس تحرير الأهرام ويكلي

عزت إبراهيم يقرأ: كل حروب الروساء (2-2) أفغانستان

رأى ترامب أن إنهاء الحضور العسكري يعادل إنهاء الحرب.رأى بايدن أن إنهاء مهمة لا يمكن الدفاع عن استمرارها سيغلق ملف أفغانستان.

مشاركة:
حجم الخط:

في الجزء الثاني من كتاب (كل حروب الروساء)  الذي قدمه الكاتب الصحفي عزت إبراهيم رئيس تحرير الإهرام ويكلي لقراء صفحته على فيس بوك

يصل السرد إلى ترامب

وهنا يصبح عنوان أحد الفصول الذي يستحضره النقاد، «فن التنازل» دالا على موقف بيرجن من اتفاق الدوحة مع طالبان.

تعامل ترامب مع الوجود الأمريكي في أفغانستان باعتباره نموذجا للحرب الأبدية التي يجب التخلص منها.

وقد امتلك هذا الموقف قوة سياسية حقيقية: بعد عقدين، فقد الجمهور الأمريكي الرغبة في تمويل مهمة لا يستطيع قادتها أن يحددوا بوضوح متى تنتهي.

غير أن بيرجن يميز بين إنهاء الحرب وإنهاء المشاركة فيها.

فحين تفاوضت واشنطن مباشرة مع طالبان، وحددت جدول الخروج، وخفضت أوراق الضغط التي تملكها قبل ضمان تسوية سياسية قابلة للحياة، لم تعد تتفاوض حول شكل السلام بقدر ما بدأت تتفاوض حول شروط مغادرتها.

ثم جاء بايدن ليجد الاتفاق أمامه.

كان يستطيع إعادة النظر فيه، بما يترتب على ذلك من استئناف محتمل للقتال وتصاعد الخسائر، أو تنفيذه وتحمل مخاطر انهيار الدولة الأفغانية.

اختار الانسحاب.

وما يجعل سرد بيرجن أكثر إزعاجا من الإدانة الأخلاقية البسيطة أن التحذيرات بشأن هشاشة الجيش والدولة الأفغانية كانت موجودة، فيما ظلت السرعة الفعلية للانهيار مدهشة حتى لكثيرين ممن توقعوا نهايته.

عزت إبراهيم يقرأ كتاب: كل حروب الرؤساء (1-2)

لا يصور الكتاب أغسطس 2021 بوصفه حادثا منفصلا وقع بسبب إدارة واحدة

يقدمه باعتباره نقطة تجمع عشرين عاما من القرارات:

اعتماد مفرط على الولايات المتحدة، دولة شيدت فوق مؤسسات ضعيفة، قوات أمن اعتمدت على منظومة لوجستية واستخباراتية أمريكية، مفاوضات أضعفت الحكومة التي يفترض أن تستمر بعد رحيل واشنطن، ثم قرار أخير أزال الدعامة المتبقية.

وهنا تظهر إحدى أكثر أفكار الكتاب أهمية:

تستطيع الإمبراطوريات اختيار لحظة دخول الحرب بدرجة أكبر كثيرا من قدرتها على اختيار الشروط التي تغادر بها.

أطلقت واشنطن حرب أفغانستان وهي تملك تفوقا عسكريا يكاد يكون مطلقا. وبعد عشرين عاما، كانت طالبان هي التي عادت إلى كابول.

لا تعني هذه النتيجة أن الولايات المتحدة هزمت عسكريا بالمعنى التقليدي؛ فهي تكشف حدود القوة حين يستخدم الزمن كسلاح سياسي.

تستطيع دولة عظمى أن تنفق أكثر، وتقصف أكثر، وتراقب أكثر، وتقتل قادة أكثر، بينما يكتفي خصم محلي بالبقاء. يتحول البقاء نفسه مع مرور السنوات إلى استراتيجية.

ويمنح هذا المنظور الكتاب أهمية تتجاوز أفغانستان.

فبيرجن يربط حصيلة ربع القرن بالسؤال الذي تواجهه الولايات المتحدة مرة أخرى في حربها مع إيران عام 2026. ويصبح سؤال كلاوزفيتز أكثر إلحاحا:

أي حرب تخوض أمريكا؟

هل الغاية تحييد قدرات محددة؟

تغيير سلوك النظام؟ تغيير النظام نفسه؟

إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي؟

وما الذي يحدث عندما تنتهي المرحلة التي تستطيع فيها الصواريخ والطائرات تنفيذ أهداف واضحة وتبدأ المرحلة التي تحتاج فيها السياسة إلى تعريف «النصر»؟

تذكر المادة المنشورة عن الكتاب صراحة أن بيرجن يمتد بالسرد إلى الحرب الأمريكية مع إيران، بما يحول العمل من تشريح لحروب انتهت إلى تحذير بشأن حرب جارية. 

تكمن قوة بيرجن كذلك في خلفيته الصحفية.

لا يقدم نظرية كبرى عن الإمبراطورية الأمريكية، ولا يكتب تاريخا اجتماعيا للمجتمعات التي دخلت إليها القوات الأمريكية، ولا يفكك البنية الاقتصادية لصناعة الحرب.

يبني كتابه بالطريقة التي يجيدها:

الأشخاص، والاجتماعات، والوثائق، والقرارات، والمعلومات التي كانت متاحة لحظة اتخاذ القرار.

وقد أمضى بيرجن معظم حياته المهنية في هذا العالم، من لقائه بن لادن إلى عمله محللا للأمن القومي وأستاذا وباحثا في «نيو أمريكا»

وألف أو حرر عشرة كتب عن الإرهاب والسياسة الأمنية والحروب التي أعقبت 11 سبتمبر.

تخدم هذه الطريقة هدفا مهما.

فالكتابة عن حرب فاشلة بعد انتهائها تغري بما يمكن تسميته «حكمة النتيجة»:

بما أننا نعرف الآن أن العراق انفجر، وأن طالبان عادت، وأن تنظيم الدولة ظهر، يصبح من السهل افتراض أن كل هذه النتائج كانت واضحة سلفا.

يعيد بيرجن القارئ إلى اللحظة التي لم تكن فيها النهاية معروفة.

يكشف البدائل التي كانت مطروحة، والمعلومات التي جرى تجاهلها، والافتراضات التي لم تختبر.

بهذا المعنى، لا يعفي صناع القرار من المسؤولية، يجعل المسؤولية أكثر دقة.

فالفشل الحقيقي لا يقع لأن رئيسا لم يتنبأ بالمستقبل بصورة كاملة، وإنما عندما يستبعد المعلومات التي تناقض النظرية التي يريد تصديقها.

ومن هنا يبرز مفهوم «الحكم» judgment بوصفه الموضوع الأعمق للكتاب.

لا تنقص القوة العظمى الأمريكية المعلومات عادة؛ تكمن المعضلة في الطريقة التي تنتقي بها القيادة من المعلومات ما ينسجم مع القرار الذي تميل إليه.

رأى بوش في إسقاط صدام خطوة داخل مشروع أوسع لإعادة ترتيب الشرق الأوسط. رأى أوباما في الأدوات الدقيقة وسيلة لفصل مكافحة الإرهاب عن الحروب الكبرى.

رأى ترامب أن إنهاء الحضور العسكري يعادل إنهاء الحرب.

رأى بايدن أن إنهاء مهمة لا يمكن الدفاع عن استمرارها سيغلق ملف أفغانستان.

احتوت كل رؤية على جزء من الحقيقة، وتحولت المشكلة عندما أخذ الجزء مكان الكل.

ولا يخلو الكتاب من حدود واضحة.

يضع البيت الأبيض في مركز الصورة، ومن ثم يروي الحرب من أعلى الهرم الأمريكي إلى أسفله.

تساعد هذه الزاوية على فهم كيف تصنع القرارات في واشنطن، إلا أنها تمنح المجتمعات التي جرت الحروب فوق أراضيها مساحة أقل مما تستحق.

فالأفغان والعراقيون والباكستانيون والسوريون واليمنيون يظهرون في هذا النوع من التاريخ في كثير من الأحيان باعتبارهم البيئة التي تتفاعل داخلها السياسة الأمريكية أكثر من كونهم فاعلين ينتجون السياسة والحرب بدورهم.

كما لاحظت مراجعة Small Wars Journal أن التركيز الرئاسي يترك بعض المسارح والبرامج جانبا، ومنها أجزاء من تجربة مكافحة الإرهاب في جنوب شرق آسيا، وإن كانت المراجعة ترى أن ذلك نتيجة طبيعية لاختيار المؤلف موضوعه المحدد.

ويفتح هذا الحد بابا لنقد أكبر.

ربما لم يكن الفشل الأمريكي مجرد فشل في «فهم نوع الحرب»، وإنما فشل في إدراك حدود قدرة الولايات المتحدة على التحكم في التحولات السياسية لمجتمعات أخرى.

فحتى استراتيجية مثالية لا تستطيع بالضرورة إزالة الانقسامات الطائفية في العراق، أو إعادة تشكيل الاقتصاد السياسي الأفغاني، أو محو القومية البشتونية، أو تصفية شبكات جهادية تستطيع الانتقال بين الدول والهويات.

وإذا كان بيرجن يسأل لماذا اختار الرؤساء أدوات خاطئة لأهدافهم، يستطيع القارئ أن يدفع السؤال خطوة أخرى:

هل كانت بعض الأهداف نفسها مستحيلة بالقوة التي خصصت لها، وربما مستحيلة بالقوة العسكرية من حيث المبدأ؟

لهذا السبب يتجاوز All the Presidents’ Wars كثيرا من أدبيات «الحروب الأبدية»

لا يقدم خاتمة مريحة تقول إن على أمريكا أن تتدخل أكثر، أو أقل، أو ألا تتدخل مطلقا. يعلم ربع القرن الماضي أن كل شعار من هذه الشعارات يمكن أن ينتج كارثة إذا تحول إلى عقيدة. أدى الإفراط في التدخل إلى العراق.

لم يمنع الحذر ظهور تنظيم الدولة. حققت القوة المحدودة نجاحات مهمة حين ارتبطت بشركاء محليين وأهداف محددة.

وأفضى الانسحاب عندما أصبح غاية مستقلة إلى مشهد أفغانستان عام 2021.

السؤال الصحيح إذن لا يبدأ بحجم القوة،يبدأ بالعلاقة بين الغرض السياسي والوسيلة العسكرية والزمن الذي تستطيع الدولة تحمله.

وتكمن المأساة التي يسجلها بيرجن في أن الولايات المتحدة تعلمت كثيرا خلال خمسة وعشرين عاما من الحرب، من دون أن تتأكد بعد من أنها تعلمت الدرس الأهم.

حسنت قدراتها الاستخباراتية بصورة هائلة.

بنت منظومة عالمية لملاحقة التنظيمات المسلحة.

طورت الطائرات المسيرة والعمليات الخاصة.

تعلمت العمل مع الجيوش المحلية.

ولم تتعرض لهجوم خارجي بحجم 11 سبتمبر مرة أخرى. وفي المقابل، دفعت تريليونات الدولارات، وخاضت حروبا امتدت من دون نهاية سياسية واضحة، وساهمت بعض قراراتها في إنتاج خصوم جدد، ثم خرجت من أفغانستان تاركة الحركة التي أسقطتها عام 2001 حاكمة للبلاد من جديد.

وتصف المواد الرسمية للكتاب هذه الحصيلة بأنها مزيج من الكلفة المالية الهائلة والخسائر البشرية والحروب سيئة التوجيه والتداعيات التي أضرت بصورة القوة الأمريكية.

لا يكتب بيتر بيرجن إذا تاريخ خسارة أمريكية واحدة.

لكنه يكتب عن تاريخ الفجوة بين القدرة والفهم.

وهذه فجوة أشد خطورة من نقص السلاح، لأن القوة عندما تنفصل عن تصور سياسي دقيق تستطيع أن تضخم الخطأ بدلا من تصحيحه.

امتلكت الولايات المتحدة خلال «الحرب على الإرهاب» كل ما تحتاج إليه تقريبا للفوز بالمعارك، من الأقمار الصناعية إلى القاذفات وحاملات الطائرات وأفضل أجهزة الاستخبارات وقوات العمليات الخاصة.

ما لم تمتلكه دائما كان جوابا مستقرا عن السؤال السابق لكل ذلك: ما الحرب التي نخوضها، وما الحالة السياسية التي نريد أن توجد عندما تتوقف؟

استندت المراجعة أيضا إلى عرض Small Wars Journal المنشور في 7 أغسطس 2026 وكتابات بيرجن الممتدة عبر سنوات.

شارك المقال: