د. محمد فؤاد يكتب: الجواز الثاني لم يعد رفاهية ( 1-2) لبنان
هذه الطبقة كانت تاريخيًا الأكثر ارتباطًا بفكرة الاستقرار داخل لبنان؛ فهي تضم الموظفين والمتعلمين وأصحاب المهن الحرة

صورة تعبيرية للمقال
كيف تحول لبنان إلى بلد يصدر أبناءه؟
في تاريخ الشعوب، كانت الهجرة غالبًا قصة بحث عن فرصة أكبر؛ شاب يريد راتبًا أعلى، أو طالب يبحث عن جامعة أفضل، أو عائلة تسعى لتحسين مستوى معيشتها.
لكن في بعض الدول، تتحول الهجرة من قرار اختياري إلى استراتيجية بقاء.
لبنان هو أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول.
فالجواز اللبناني الذي كان لعقود رمزًا للانفتاح على العالم، أصبح بالنسبة لقطاع متزايد من اللبنانيين مجرد محطة انتقال نحو جواز آخر.
لم يعد السؤال عند كثير من الشباب: “كيف أبني مستقبلي في لبنان؟” بل أصبح: “كيف أحصل على إقامة أو جنسية تمنحني فرصة للنجاة إذا ساءت الأمور أكثر؟”
هذه الظاهرة ليست مجرد موجة سفر عابرة، بل انعكاس لأزمة ثقة عميقة بين المواطن والدولة.
فحين يفقد الإنسان الإحساس بأن تعليمه وعمله ومدخراته قادرة على ضمان مستقبله، يبدأ في البحث عن “وطن احتياط”
لم يعد جواز السفر بالنسبة لشريحة واسعة من اللبنانيين مجرد وثيقة للسفر، بل تحول إلى مشروع حياة وخطة احتياط لمواجهة مستقبل غير مضمون.
ففي بلد كان لعقود مركزًا للتجارة والتعليم والثقافة في المنطقة، أصبح كثير من أبنائه يبحثون عن وطن بديل أو إقامة تمنحهم شعورًا بالأمان.
د. محمد فؤاد يكتب: لبنان بين وهم الحياد وحقيقة الميدان
الهجرة اللبنانية ليست ظاهرة جديدة
فلبنان تاريخيًا بلد اغتراب، ويمتلك واحدة من أكبر الجاليات في العالم مقارنة بعدد سكانه.
لكن الفرق اليوم أن الهجرة لم تعد مرتبطة فقط بالطموح أو الرغبة في تحسين المستوى المعيشي، بل أصبحت بالنسبة للكثيرين استجابة مباشرة لانهيار اقتصادي واجتماعي وسياسي جعل البقاء أكثر صعوبة.
السؤال لم يعد: لماذا يهاجر اللبناني؟
بل: ما الذي جعل الرحيل يبدو خيارًا أكثر عقلانية من البقاء؟
من بلد يصدر الثقافة والتجارة إلى بلد يصدر أبناءه
تشير تقديرات مختلفة إلى أن عدد اللبنانيين المنتشرين في الخارج يفوق عدد المقيمين داخل لبنان بفارق كبير، حيث تتراوح تقديرات حجم الاغتراب اللبناني الي أكثر من عشرة ملايين شخص، نتيجة موجات الهجرة المتتالية منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم.
لكن الموجة الحالية تختلف عن موجات الماضي، فاللبناني سابقًا كان يهاجر غالبًا بهدف التجارة أو بناء ثروة، أما اليوم فأصبحت الهجرة مرتبطة بالبحث عن الاستقرار الأساسي.
لقد انتقل لبنان من مرحلة “هجرة الفرص” إلى مرحلة “هجرة الضرورة”.

الانهيار الاقتصادي نقطة التحول الكبرى
شكل عام 2019 نقطة فاصلة في تاريخ لبنان الحديث، عندما دخلت البلاد في أزمة مالية وصفها البنك الدولي بأنها واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية عالميًا منذ منتصف القرن التاسع عشر.
انهارت العملة اللبنانية، وتراجعت قيمة الرواتب، وفقد المواطنون جزءًا كبيرًا من مدخراتهم بسبب أزمة القطاع المصرفي، بينما ارتفعت معدلات الفقر بشكل حاد.
ووفق البنك الدولي، ارتفعت نسبة الفقر في لبنان إلى نحو 44% عام 2022 مقارنة بنحو 12% قبل عقد تقريبًا، ما يعكس حجم التحول الاجتماعي الذي ضرب الطبقة الوسطى بشكل خاص.
هذه الطبقة كانت تاريخيًا الأكثر ارتباطًا بفكرة الاستقرار داخل لبنان؛ فهي تضم الموظفين والمتعلمين وأصحاب المهن الحرة.
لكن الأزمة جعلت كثيرين منهم يعيدون حساباتهم.
فالطبيب أو المهندس أو الأستاذ الجامعي لم يعد يسأل فقط عن مستوى دخله، بل عن قدرته على تأمين مستقبل أسرته.
نزيف العقول… الخسارة الأكبر
أخطر ما في موجة الهجرة اللبنانية الحالية أنها لا تستهدف فقط الباحثين عن عمل، بل تستنزف أصحاب الخبرات والكفاءات.
تشهد قطاعات مثل الطب والهندسة والتكنولوجيا والتعليم خروج أعداد من أصحاب الخبرة بحثًا عن فرص أكثر استقرارًا.
وهذا النوع من الهجرة يمثل خسارة طويلة المدى؛ لأن الدولة لا تفقد شخصًا فقط، بل تفقد سنوات من التعليم والتدريب والخبرة التي يحتاج تعويضها إلى عقود.
وفي الوقت نفسه، أصبح بعض الشباب اللبناني يرى أن بناء مستقبل مهني في الخارج أسهل من محاولة تثبيت نفسه في اقتصاد يعاني من عدم الاستقرار.
المفارقة اللبنانية: بلد يصدر الكفاءات التي تصنع نجاحات العالم
المفارقة الأكثر إثارة في قصة الهجرة اللبنانية أن هذا البلد الصغير لم يكن يومًا فقيرًا في المواهب، بل كان أحد أكبر مصادر الكفاءات المؤثرة عالميًا.
فالكثير من اللبنانيين الذين غادروا بلادهم لم يصبحوا مجرد مهاجرين يبحثون عن فرصة، بل تحولوا إلى أسماء بارزة في الاقتصاد والسياسة والعلوم والإدارة في دول المهجر.
في عالم الأعمال، يبرز اسم كارلوس غصن، رجل الأعمال اللبناني الأصل الذي قاد تحالف رينو–نيسان العالمي ووصل إلى موقع أحد أبرز التنفيذيين في صناعة السيارات عالميًا.
كما يبرز رالف ديباس (Ralph Debbas)، مؤسس شركة W Motors اللبنانية التي دخلت عالم صناعة السيارات الفاخرة، ونيكولا حايك (Nicolas Hayek)
اللبناني الأصل ومؤسس مجموعة Swatch السويسرية التي أصبحت واحدة من أكبر العلامات في صناعة الساعات العالمية.
وفي عالم المال والاستثمار
يظهر جوزيف صفرا وعائلة صفرا المصرفية اللبنانية الأصل، التي أصبحت من أبرز العائلات المصرفية عالميًا، إضافة إلى رجال أعمال لبنانيين وذوي أصول لبنانية حققوا حضورًا واسعًا في أمريكا اللاتينية وإفريقيا وأوروبا.
ولم يقتصر الحضور اللبناني في الخارج على الاقتصاد، بل امتد إلى السياسة والمجال العام؛ فقد وصل عدد من ذوي الأصول اللبنانية إلى مناصب قيادية في دول المهجر
مثل ميشيل تامر الذي أصبح رئيسًا للبرازيل، وكارلوس منعم الذي تولى رئاسة الأرجنتين، وهما من أبرز الأمثلة على تأثير الجاليات اللبنانية في الحياة السياسية خارج الوطن.
هذه النماذج تكشف مفارقة عميقة:
المشكلة اللبنانية ليست في قدرة أبنائه على النجاح، بل في أن كثيرًا من هذه النجاحات تتحقق بعد مغادرة البلاد.
فلبنان يملك رأس المال البشري، لكنه كثيرًا ما يخسر المكان الذي يمكن أن يستثمر فيه هذا الرأس المال.
أين يذهب اللبنانيون؟
ما زالت دول الخليج من أبرز الوجهات للبنانيين، خصوصًا أصحاب الشهادات والخبرات في مجالات الطب والهندسة والتعليم والإدارة.
ميزة هذه الهجرة أنها غالبًا قانونية ومنظمة، لكنها أصبحت أكثر تنافسية مع تغيرات أسواق العمل وسياسات توطين الوظائف في بعض الدول.
هناك شريحة أخرى لا تبحث فقط عن وظيفة، بل عن بيئة مستقرة للأبناء.
لذلك أصبحت دول مثل كندا وأستراليا وأوروبا جذابة بسبب برامج الهجرة والإقامة والتعليم والخدمات الاجتماعية.
وهنا تظهر فكرة “الجواز الثاني”.. فالحصول على جنسية أو إقامة أجنبية لم يعد بالنسبة للكثيرين رفاهية، بل أصبح وسيلة لتقليل المخاطر.
تحويلات المغتربين… إنقاذ مؤقت واقتصاد يعتمد على الرحيل
تلعب تحويلات اللبنانيين في الخارج دورًا أساسيًا في دعم الأسر والاقتصاد المحلي.. لكن المفارقة أن الأموال القادمة من الخارج تكشف في الوقت نفسه مشكلة عميقة:
اعتماد الاقتصاد على أبنائه الذين يعيشون خارجه، المغترب أصبح مصدر دعم لعائلته، لكنه أيضًا دليل على أن الداخل لم يعد قادرًا وحده على توفير الفرص.
أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة هجرة
الهجرة اللبنانية الحالية ليست مجرد بحث عن راتب أعلى، بل هي نتيجة أزمة ثقة بين المواطن ومستقبل بلده.. عندما يبدأ الإنسان في البحث عن وطن احتياط، فهذا يعني أنه لم يعد يشعر بأن وطنه الحالي قادر على حمايته اقتصاديًا واجتماعيًا.
لبنان اليوم لا يخسر فقط عددًا من السكان، بل يخسر جزءًا من طاقته البشرية وشبابه وكفاءاته.
ويبقى السؤال الأصعب:
هل يستطيع لبنان أن يعيد بناء الثقة بحيث يصبح الجواز اللبناني بوابة للانفتاح على العالم، لا مجرد خطوة أولى نحو الرحيل؟






