كاتب وكتاب
أحمد رجب شلتوت
أحمد رجب شلتوت

كاتب وناقد وباحث

أحمد رجب شلتوت يقرأ : كتاب قدوم الإقطاع الجديد (1-2)

هذا يؤدي إلى نشوء نوع جديد من الإقطاع يقوم على السيطرة على الأصول التي يحتاج إليها الآخرون من أجل الحياة والعمل

مشاركة:
حجم الخط:

قدوم الإقطاع الجديد: تحذير إلى الطبقة الوسطى العالمية

كتاب أمريكي يحذر من تذويب الطبقة الوسطى

 حين نتحدث اليوم عن الإقطاع، فإن الكلمة قد تستدعي صورًا قديمة، لباشوات يملكون الأرض، وفلاحون يعملون فيها مقابل أجر قليل وربما بلا أي ضمانات، لكن الاقتصادي الأمريكي “جويل كوتكين” في كتابه “قدوم الإقطاع الجديد، تحذير إلى الطبقة الوسطى العالمية” يعلن أن الإقطاع لم يختف لكنه فقط غير مظهره.

ففي القرن الحادي والعشرين فقد يكون “الإقطاعي” مالكًا لمنصة رقمية، أو شركة تكنولوجية عملاقة، أو صندوقًا استثماريًا، أو مؤسسة مالية تمتلك من الأصول ما يمنحها قدرة هائلة على التأثير في حياة ملايين البشر.

أما “الفلاح” الجديد فقد يكون موظفًا يعمل بعقد مؤقت، أو عاملًا في اقتصاد المنصات، أو فردًا من طبقة وسطى تتآكل قدرتها الاقتصادية عامًا بعد عام.

كذلك يرى “كوتكين” أن العالم المتقدم، الذي زعم أنه يسير في خط مستقيم نحو مزيد من الديمقراطية والعدالة، بدأ يتحرك في الاتجاه المعاكس.

فبدلا من مجتمع يقوم على وجود طبقة وسطى واسعة ومستقلة نسبيًا، تتشكل بنية اجتماعية جديدة تتمركز فيها الثروة والسلطة في القمة، بينما تتسع في الأسفل طبقات تعاني فقرا متزايدا.

يبدأ الكتاب باستدعاء حقيقة تاريخية، فمن أهم إنجازات الحداثة الغربية نشوء طبقة وسطى واسعة.

فمنذ الثورة الصناعية، ثم خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية، شهدت الولايات المتحدة وأوروبا وعدد من الدول المتقدمة صعود نموذج اجتماعي مختلف عن المجتمع الإقطاعي القديم، لذا كان المواطن يستطيع، بدرجات متفاوتة، أن يتلقى تعليمًا جيدًا، ويحصل على وظيفة مستقرة، ويشتري منزلًا، ويؤسس أسرة، ويدخر للمستقبل.

المؤلف جويل كوتكين
المؤلف جويل كوتكين

لم يكن المجتمع خاليًا من التفاوت، لكنه كان يتيح مساحة حقيقية للحراك الاجتماعي.

وهنا يرى الكاتب أن المشكلة الكبرى في العقود الأخيرة لا تتمثل فقط في اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، بل في تآكل البنية التي كانت تجعل الطبقة الوسطى ممكنة أصلًا.

فالوظائف المستقرة أصبحت أقل، وأسعار العقارات ارتفعت إلى مستويات تجعل امتلاك المسكن حلمًا بعيد المنال بالنسبة إلى أعداد كبيرة من الشباب، بينما تتركز الثروة بصورة متزايدة في أيدي نسبة محدودة من السكان.

وبذلك يتراجع النموذج الذي كان يقوم على انتشار الملكية والاستقلال الاقتصادي، ليحل محله مجتمع أكثر هرمية.

وفي هذا المجتمع لا تتحدد مكانة الفرد بقدر ما يستطيع أن ينتجه أو يملكه فقط، بل بمدى قربه من مراكز السلطة الاقتصادية والتكنولوجية والمؤسسية.

وخطورة هذا التحول لا تتمثل فقط في تهديده للفقراء، وإنما في تهديده للطبقة الوسطى نفسها.

استعباد التكنولوجيا

كثيرا ما تربط الأذهان بين التقدم التكنولوجي وفكرة التحرر، فالإنترنت أتاح المعرفة للجميع، والعمل عن بُعد سوف يحرر الإنسان من قيود المكان، كما أن المنصات الرقمية ستمنح الأفراد فرصة لمنافسة المؤسسات الكبرى، لكن “كوتكين” يرى العكس.

فالشركات التكنولوجية الكبرى تمتلك البنية التي يتحرك من خلالها الاقتصاد والمعلومات والتواصل.

ومع اقتصاد البيانات والمنصات والشبكات الرقمية، يمكن لعدد محدود من الشركات أن يكتسب نفوذًا لم يكن متصورًا في المراحل السابقة من الرأسمالية.

وهذا يؤدي إلى نشوء نوع جديد من الإقطاع يقوم على السيطرة على الأصول التي يحتاج إليها الآخرون من أجل الحياة والعمل.

ففي الماضي كانت الأرض هي الشرط الأساسي للإنتاج أما اليوم فقد تصبح المنصة الرقمية أو البيانات أو البنية التكنولوجية أو الملكية الفكرية هي الأرض الجديدة.

ومن لا يمتلك هذه الأصول يصبح، بدرجة ما، تابعًا لمن يملكها.

الأرستقراطية الجديدة

يحدد الكتاب ملامح طبقة عليا جديدة تشبه، من حيث الموقع الاجتماعي الأرستقراطيات القديمة، لكنها تتأسس على الثروة المركزة والسيطرة على المؤسسات والأصول والشبكات.

وهي تتكون، في تصور الكتاب، من كبار أصحاب التكنولوجيا والمال والشركات العابرة للحدود، إلى جانب قطاعات من النخب المهنية والثقافية والإدارية التي ترتبط مصالحها بهذا النظام، وهكذا تنتج الرأسمالية شكلًا جديدًا من التراتبية الاجتماعية.

فالمنافسة قد تؤدي إلى نقيضها، حين تضعف الضوابط، فبدلا من آلاف المنافسين، يمكن أن ينتهي الأمر إلى التنافس بين عدد محدود من الشركات العملاقة.

وبالتالي يمكن فهم مفهوم “الإقطاع الجديد” باعتباره استعارة اجتماعية، فالمقصود منه عودة بعض خصائصه الأساسية مثل تركيز الملكية، ضعف الحراك الاجتماعي، اتساع التبعية، وتحول الامتياز إلى حالة شبه دائمة.

 

شارك المقال: