إبراهيم القاضي يكتب: رابعة حين خسر الجميع وانتصرت الكراهية
أنا مع 30 يونيو حين أتحدث عن حقي في رفض حكم سياسي، وأنا ضد رابعة حين أتحدث عن حقي في رفض قتل الإنسان. ليس في ذلك تناقض

صورة بعد فض اعتصام رابعة
هناك أيام لا ينبغي للأوطان أن تنساها لا لأنها تمنحها مجدًا، وإنما لأنها تذكّرها بما يمكن أن يفعله الإنسان بأخيه الإنسان حين تتحول السياسة إلى حرب، وحين يصبح الوطن نفسه جثةً يتصارع فوقها المتصارعون.
وكان الرابع عشر من أغسطس 2013 واحدًا من تلك الأيام السوداء.
في ذلك اليوم جرى فض اعتصام رابعة، وسقط مئات الضحايا، ودخل الدم إلى الذاكرة المصرية من أوسع أبوابها.
ولا أجد في نفسي قدرة على التعامل مع هذا الدم بمنطق مشجعي الأهلي والزمالك.
فلا أستطيع أن أقول إن الضحية تستحق الموت لأنها كانت تنتمي إلى الجماعة التي أكرهها، ولا أستطيع أن أبرر سفك الدماء لأن القتلى كانوا في اعتصام أختلف معه سياسيًا.
إبراهيم القاضي يكتب: أربعة وسبعون عامًا، وما زلنا عند مفترق الطريق
يمكنني أن أختلف مع الإخوان، وأن أرفض مشروعهم السياسي
أن أرى أخطاءهم وخطاياهم، وأن أحمل قياداتهم مسؤولية سياسية وأخلاقية عن قرارات كثيرة؛ لكن كل ذلك لا يمنحني الحق في أن أغمض عيني أمام جريمة قتل إنسان، فالسياسة لا تمنحنا رخصة لإلغاء إنسانيتنا.
ولذلك أقولها بلا مواربة: ما حدث في رابعة كان مأساة دموية وجريمة سياسية وأخلاقية كبرى، لا ينبغي تبريرها باسم الدولة، ولا باسم الأمن، ولا باسم الثورة، ولا باسم محاربة الإرهاب.
لكنني في الوقت نفسه أرفض الرواية التي تحاول اختصار المأساة كلها في طرف واحد.
فالمشهد أكثر قسوة وتعقيدًا من ذلك.
لقد كان هناك طرف يملك القوة والسلاح والقرار، واختار في النهاية فض الاعتصام بالقوة، وسقط الضحايا تحت رصاص أجهزة الدولة.
وهذه مسؤولية لا يستطيع أحد أن يمحوها من التاريخ بالشعارات.
وكان هناك، في الجانب الآخر، قيادات سياسية ودينية لجماعة وضعت أنصارها في مواجهة دولة كاملة، واستمرت في اعتصام أصبح، بمرور الوقت، أشبه بمعركة وجود، بينما كان الثمن المحتمل لهذه المعركة هو دماء الناس الموجودين في الميدان.
وهنا تقع المأساة الأخلاقية التي لا أحب أن يتحدث عنها أحد.
ماذا كان يعرف قادة الجماعة؟ ومتى عرفوا؟ وماذا قالوا لمن كانوا في الميدان؟
هذه أسئلة تاريخية لا يجوز أن تتحول إلى يقينيات بلا أدلة، ولا إلى اتهامات جزافية، لكنها أسئلة مشروعة ينبغي أن يجيب عنها التحقيق التاريخي والسياسي.
وإذا ثبت أن قيادات كانت تعلم باقتراب عملية الفض، أو كانت تملك معلومات تسمح لها بتحذير المعتصمين، فإن المسؤولية الأخلاقية تصبح ثقيلة للغاية.
لأن الإنسان الذي يملك فرصة لإنقاذ إنسان آخر ثم لا يفعل، لا يستطيع أن يتحدث طويلًا عن البطولة.
كان يمكن أن يقال للناس: الخطر قادم.
كان يمكن أن يقال لهم: من أراد الرحيل فليرحل.
كان يمكن أن تترك لكل إنسان فرصة أن يقرر مصيره بنفسه، بدل أن يتحول الميدان إلى مكان يموت فيه الناس وهم يظنون أنهم يخوضون معركة سياسية بينما يعرف آخرون أكثر مما يعرفون.
وحتى لو اختلفنا حول الوقائع والتفاصيل، فإن السؤال الأخلاقي يبقى قائمًا: هل كان من حق أي قيادة سياسية أن تجعل من أجساد أنصارها جدارًا تقف خلفه؟

وهنا لا أستطيع أيضًا أن أتجاهل حقيقة أخرى.
كثيرون ممن كانوا في رابعة لم يكونوا، في رأيي، يدافعون عن الديمقراطية في معناها المجرد، كانوا يدافعون عن جماعتهم، وعن الرئيس الذي ينتمي إليها، وعن مشروعهم السياسي.
وهذا حقهم ما دام سلميًا، لكن تحويل الجماعة إلى وطن، وتحويل الوطن إلى معسكرين: معنا أو ضدنا، كان أحد أسباب الكارثة.
ولذلك فإن استدعاء رابعة كل عام بوصفها حكايةً مكتملة الأركان عن “الخير المطلق” في مواجهة “الشر المطلق” هو نوع آخر من الظلم للضحايا.
فالضحايا لا يحتاجون إلى أسطورة. يحتاجون إلى الحقيقة.
والحقيقة لا تخاف من الأسئلة.
لا أقول هذا دفاعًا عن السلطة التي فضت الاعتصام. ولا أقول هذا دفاعًا عن الإخوان.
أنا أقول شيئًا أبسط وأصعب:
الدولة التي تقتل مواطنيها تفقد شيئًا من أخلاقها، والجماعة التي تدفع أبناءها إلى الموت دون أن تحميهم تفقد شيئًا من أخلاقها أيضًا.
ولذلك لا أقبل أن تتحول رابعة إلى بطاقة عضوية سياسية.
لا أقبل أن يقول لي أحد: إذا أدنت رابعة فأنت إخواني.
كما لا أقبل أن يقول لي آخر: إذا أدنت الإخوان فأنت تبرر رابعة.
لقد شاركت في 30 يونيو، وكنت أرى أن استمرار حكم الإخوان كان طريقًا خاطئًا لمصر، وكنت أعتقد أن خروج ملايين المصريين كان تعبيرًا عن أزمة سياسية حقيقية.
لكن مشاركتي في 30 يونيو لا تلزمني بأن أبرر 14 أغسطس.
أنا مع 30 يونيو حين أتحدث عن حقي في رفض حكم سياسي، وأنا ضد رابعة حين أتحدث عن حقي في رفض قتل الإنسان. ليس في ذلك تناقض. بل ربما يكون هذا هو المعنى الوحيد الذي يستحق أن نتمسك به بعد كل هذه السنوات.
لقد أخطأت الجماعة حين تعاملت مع الدولة كأنها غنيمة تخصها، وأخطأت السلطة حين تعاملت مع خصومها كأنهم أعداء يجب سحقهم، وأخطأ الجميع حين أصبح الوطن هو الشيء الوحيد الذي لا يتحدث عنه أحد.
منذ52 ونحن نكرر المأساة نفسها بأسماء مختلفة:
فريق يملك السلطة، وفريق يريد السلطة، وكلاهما يتحدث باسم مصر.
أما مصر نفسها، فتقف في المنتصف، وتدفع الثمن.
في 1811 كان المشهد مختلفًا في التفاصيل، لكن الدم كان حاضرًا في تأسيس سلطة محمد علي.
ولا يصح تاريخيًا مساواة الحادثتين أو إسقاطهما على بعضهما ببساطة؛ فلكل واحدة سياقها وشخصياتها وبنيتها السياسية.
لكن التشابه المرعب بينهما يكمن في شيء واحد: حين يصبح قتل الخصم جزءًا من تأسيس أو تثبيت السلطة، فإن الدولة تدخل منطقة أخلاقية شديدة السواد.
والمشكلة أننا لم نتعلم بما يكفي ما زلنا نبحث عن قاتل واحد، وضحية واحدة، وشيطان واحد.
والتاريخ أكثر قسوة من ذلك.
التاريخ يقول لنا إن المآسي الكبرى لا يصنعها الأشرار وحدهم، أحيانًا يصنعها أناس يؤمن كل منهم أنه يفعل الصواب، حتى تتراكم القرارات الصغيرة، والكراهية، والتحريض، والخوف، والطموح، حتى يصل الوطن إلى اللحظة التي يصبح فيها الرصاص هو اللغة الوحيدة.
لهذا لا أريد أن أتذكر رابعة لكي أكره الإخوان، ولا لكي أحب الإخوان. أريد أن أتذكرها لكي أكره المذبحة.
وأريد أن أتذكر قتلاها باعتبارهم بشرًا قبل أن يكونوا إخوانًا أو معارضين أو مؤيدين. كان بينهم أب سيعود إلى بيته. وأم تنتظر ابنها.وشاب ربما كان يحلم بمستقبل لم يأت
ورجل ترك خلفه أطفالًا لا يعرفون لماذا لم يعد.
كل هؤلاء أكبر من الجماعة، وأكبر من السلطة، وأكبر من المعركة السياسية التي ماتوا فيها.
الإنسان أولًا. هذه هي النقطة التي لا ينبغي أن نخسرها ونحن نتحدث عن رابعة.
فإذا خسرنا إنسانيتنا ونحن ندافع عن الديمقراطية، فقد خسرنا الديمقراطية نفسها.
وإذا خسرنا إنسانيتنا ونحن ندافع عن الدولة، فقد حولنا الدولة إلى مجرد سلطة.
وإذا خسرنا إنسانيتنا ونحن ندافع عن الجماعة، فقد حولنا الجماعة إلى صنم.
أما الوطن الحقيقي، فلا يحتاج إلى دماء أبنائه لكي يثبت أنه وطن.
رابعة ليست ملك الإخوان.
وليست ملك السلطة.
وليست ملك من شاركوا في 30 يونيو أو من عارضوها.
رابعة ملك الذاكرة المصرية.
والذاكرة العادلة لا تنتقم.
الذاكرة العادلة تسأل.
من أعطى الأوامر؟
من قتل؟
من حرض؟
من كان يعلم؟
من كان يستطيع أن يمنع الدم ولم يفعل؟
ومن جعل من الناس وقودًا لمعركة كان يمكن أن تنتهي بطريقة أخرى؟
هذه الأسئلة يجب أن تبقى مفتوحة حتى يجيب عنها التاريخ والقضاء والوثائق، لا الشعارات.
أما نحن، فعلينا أن نتعلم شيئًا واحدًا على الأقل:
لا توجد قضية سياسية تستحق أن يموت من أجلها الإنسان إذا كان الذين يقودونه إليها يستطيعون أن يجنبوه الموت.
وفي النهاية، لم تكن رابعة انتصارًا لأحد.
لم تنتصر الدولة لأن مئات المصريين ماتوا.
ولم تنتصر الجماعة لأن لديها مئات القتلى.
ولم تنتصر الديمقراطية.
الخاسر كان مصر.
وكلما تذكرنا ذلك اليوم، ينبغي ألا نسأل فقط: من كان على حق؟
بل ينبغي أن نسأل السؤال الأكثر إيلامًا:
كيف وصلنا إلى اللحظة التي أصبح فيها قتل المصري للمصري ممكنًا، ثم صار لكل طرف ألف مبرر كي لا يرى الدم؟






