مقالات
حمدي عبد العزير
حمدي عبد العزير

كاتب وسياسي

حمدي عبد العزيز يكتب: الأوز وسيمفونية قلب البهجة!

فلا عجب أن تقترن هذه الجلبة في خيالى كما لو أن عازفي الأوركسترا قرروا في لحظة إستثنائية ممارسة حالة من العزف العشوائي المتداخل في غياب المايسترو قائد تلك الأوركسترا.

مشاركة:
حجم الخط:

شغب الذاكرة

سرب الأوز  كان يرتفع صوته صياحاً قوياً متميزاً يعلو على أصوات الديكة والدجاجات، وذلك البط المتنوع ما بين السوداني والبكيني والبلدي والمجنس ذو الصوت المبحوح في غبش اللحظات التي تفصل بين الفجر وبواكير الصباح.

سيمفونية تبدأ عقب أن تنتهي جدتي القروية من وضع وجبة الإفطار لهم عبر فرك قصعة من مسحوق نخالة قشور الأرز (الرجيعة) المبللة بالماء وإلقائها مصاحبة لنداء (بسيبس بسيبس .. بسيبس) فيتصاعد الصياح أكثر كما لو كان هتافات عارمة بلغة غير معروفة.

كانت جدتى تنتهى من ذلك قبل أن توقظ كل من في الدار

كانت الدار مشيدة بالطين المخلوط بتبن الفول والقمح وكانت هذه الخلطة من المواد الأولية البسيطة تشيع الدفء بالمكان في موسم الشتاء ، وترطبه إذا ما جاء صهد الصيف بشمسه الحارقة التي تلهب مؤخرات أعناق الفلاحين في الحقول.

الأجداد كانوا يشيدون بخلطة الطين والتبن قاعة للخبيز وقاعة لخزين الدار من الدقيق والأرز والبصل والثوم وجرار المش، وجرار الماء.

 كانت جرار الماء تملأ من مضخات المياه العمومية على حدود البنادر قبل أن تقترب رويداً رويداً في ستينيات القرن الماضى، ولم تكن دار تخلو من الجرار المملوءة بالماء للطبيخ وإعداد أكواب الشاي للأنفار.

ولم تكن دار تخلو من الزير الذى كان يتسع لمياه جرتين، وينتصب في زاوية ما بين آخر صالة البيت وعتبة غرفة الخزين التي كانت جدتى تطلق عليها (الكرار)

الريفيات قادمات بعد ملء الجرار (منصات)
الريفيات قادمات بعد ملء الجرار (منصات)

وكما كانت جرار الماء تستند على أحد أركان غرفة الكرار كانت جرار (المش)

تستند على ركن ثان، وكانت تحوي خلاف الجبن القريش المنغمس لشهور في سائل المش (مزيج مخلوط باقتدار من شرش الجبن واللبن والكركم والمورتة الناتجة عن عملية تحويل الزبد إلى سمن) بالإضافة إلى قرون من الترمس الأخضر والبشائر المبكرة للقتة والخيار التي تقطف قبل النضج، أو حتى بعض حبات من الطماطم الخضراء التي قطفت قبل نضجها، أو أعواد اللفت لكنها لم تكن تخلو من قرون الشطة القانية الإحمرار التي كنت أكرهها في ذلك الحين.

كنت أحب جداً أن تخرج لي جدتي أعواد الترمس الخضراء مع المش وقطع الجبن القديم وكنت أعتبر ذلك مع رغيف البتاو هدية كبرى أستعد مبتهجاً لإلتهامها بطفاسة لا أنكرها.

وبالضرورة الحتمية كان لابد لأجدادنا أن يبنوا بتلك الخلطة الطينية قاعة واسعة لتربية الطيور ، بحيث لم يكن بيتاً في القرية يخلو من قاعة للطيور ، حتى وإن تطلب الأمر أن تخلو الدار من غرف نوم إضافية للأبناء.

صورة ريفية قديمة (منصات)
صورة ريفية قديمة (منصات)

كانت القاعة في نصفها العلوي تحوي أقفاصاً للحمام القطاوي الذي لا يطير بعيداً.

أما الحمام الذى يطير فكانت له بنيات معلقة على المخارج الخلفية للبيوت تلك التي كان يخرج منها الرجال إلى الحقل مباشرة بعد أن يتناولون الإفطار أو الشاي بعد أن يأخذوا قبعاتهم المجدولة من الخوص والمعلقة على خوابير حوائط ما قبل الأبواب الخلفية.

بينما كان جدار غرفة الطيور في نصفه السفلي يحوي تجويفات تشبه الكهوف الصغيرة للأرانب، وبعد ذلك ثم تتكدس القاعة بأعشاش وأقفاص الدجاج، وأبرمة وطواجن ماء الشرب الليلى للبط والأوز والدجاج والأرانب.

بينما تتناثر هنا وهناك في تلك القاعة الجهنمية أقفاص يسمونها ( سباتيات) لمبيت صغار الطيور

 وأخرى حيث تبيض الأمهات من تلك الطيور المتنوعة في هذا العالم الذى يفور بالحيوية وصخب الحياة، وتنطلق منه الصياحات في غبشة ما قبل الشروق
، كنت أصحو مبكراً على صوت تلك الجلبة التي تحدثها أصوات طيور جدتي بعد الفجر بقليل.

الآن عندما أتذكرها وأنا ابن التمدن الحضري المولع الآن بموسيقي تشايكوفيسكي وكورساكوف، ورحمانينوف ، وشتراوس ، وكارل أولف، وشوبان وخانشادوريان وأندريا رايدار ، وعلي إسماعيل ، وفؤاد الظاهري ، وراجح داود وغيرهم ، فلا عجب أن تقترن هذه الجلبة في خيالى كما لو أن عازفي الأوركسترا قرروا في لحظة إستثنائية ممارسة حالة من العزف العشوائي المتداخل في غياب المايسترو قائد تلك الأوركسترا.

ولذلك أتذكر أننى لم أكن أنا الصبى الصغير أصحو منزعجاً

نتيجة هذه الأصوات، بل على العكس على العكس كانت تشتعل في جسدي حالة من النشاط الممتزج بالحبور، فكنت أقفز من سريري ، وقبل أن أقوم بأعمال النظافة الصباحية أو أن أغتسل أخرج مباشرة ً لحضور طقس خروج أسراب البط والأوز الصباحي إلى الترعة المقابلة لبيت جدي.

لا شيء كان يعوضني عن مشاهدة حالة الطيور وهي تنطلق من محبسها إلى الفضاء الوسيع بعد تناولهم لوجبة الفطور التي تعدها لهم جدتي من الردة المبللة بالماء وأعواد البرسيم الخضراء إذا كان الأوان هو أوان البرسيم.

يالها من لحظة لا مانع لدي أن يتوقف العمر عندها أن أمكن ذلك.

أسراب الأوز المتنوع الألوان ما بين الأبيض الشاهق وما بين الأبيض المختلط بالرمادي وما بين الرمادي الخالص باستثناء شريط الرقبة الأبيض أو الأبيض الخالص باستثناء شريط الرقبة الرمادي أو ربما الأجنحة.

هي اللحظة التي أريد من أجلها أن أرتد لأصير هذا الطفل ثم الصبي الصغير الذي كنته ، وأقف عندها عمراً آخر ، وربما عمرين إضافيين إن سمح لى ميقاتى السماء.

إنها لحظة اشتعال فرحة الأوز وتأججها ليشرع سرب كامل من الأوز بأجنحته في آن واحد فيطير لبضعة أمتار فوق سطح مياه الترعة الصباحي الرقراق صائحاً.

كما لو كان يصرخ مشتعلاً بالفرح.

أنا روح هذه الحياة.

أنا قلب البهجة.

أنا البهجة ذاتها

 

شارك المقال: