(أسرار يرويها الأثر : حين يصبح الترميم رسالة لا مهنة (4)
أن الترميم في مثل هذه المواقع ليس إصلاحًا لما أفسده الزمن فقط، بل هو حفاظ على رسالة حضارية وروحية، حتى تنتقل إلى الأجيال القادمة كما ورثناها، بكل ما تحمله من جمال وقدسية.

صورة داخلية من مسجد الحسين
ليست الآثار مجرد أحجار صامتة أو مبانٍ عتيقة، بل هي صفحات حية من كتاب الحضارة، تركها لنا الأجداد لتروي قصة الإنسان والإيمان والتاريخ.
ولكل أثر سر، ولكل حجر حكاية، ولكل أثر قدسيته التي تستوجب العلم والأمانة والإخلاص.
مقدمة :
إن ما أسطره في الصفحات القادمة ليس نقلًا لما ورد في الكتب أو إعادةً لما تداولته المراجع، وإنما هو شهادة شاهد عيان تشرف بأن يعيش تجربةً نادرة داخل أحد أشرف وأقدس الأماكن في مصر والعالم الإسلامي.
فقد كنت شاهدًا ومشاركًا ومشرفًا على أعمال الصيانة والترميم، أعايش تفاصيلها لحظةً بلحظة، وأتابع مراحلها بعين الأثري، وأمانة المرمم، وقلب المؤمن الذي يستشعر جلال المكان وقدسيته.
ومن هنا، فإن القارئ لن يقرأ تاريخًا منقولًا فحسب، بل سيقرأ تاريخًا عاشه أحد الذين تشرفوا بالعمل بين جدران هذا المكان المبارك، وسجلوا وقائعه كما رأوها، ووثقوا أحداثها كما جرت، ونقلوها بأمانة العلم، ودقة الفن، وإجلال المكان.
إنها صفحات لا تروي قصة ترميم أثر فحسب، بل تروي تجربة إنسانية ومهنية وروحية، امتزجت فيها المعرفة بالمسؤولية، والعمل بالإخلاص، والمهارة بخشوعٍ فرضته قدسية المكان، لتبقى هذه الشهادة وثيقةً للتاريخ، وأمانةً للأجيال القادمة.

أعمال الصيانة والترميم
حين يتشرف المرمم بخدمة المكان
من أعظم النعم التي امتنَّ الله بها عليَّ أن أكون واحدًا من المشاركين في أعمال صيانة وترميم أحد أشرف وأقدس المزارات الإسلامية في مصر، المشهد الحسيني.
ذلك المكان الذي تهفو إليه القلوب قبل أن تبلغه الأقدام، وتغمر زائره مشاعر السكينة والخشوع منذ اللحظة الأولى.
ولم تكن المهمة مجرد عمل هندسي أو مشروع ترميم، بل كانت مسؤولية عظيمة وأمانة ثقيلة.
فكل حجر، وكل لوح رخامي، وكل قطعة خشبية كانت تحمل عبق قرون من التاريخ، وتحمل في الوقت نفسه مكانة روحية راسخة في وجدان ملايين المحبين.
وقد تشرفت بالإشراف والمشاركة في أعمال صيانة وترميم غرفة المقتنيات النبوية
وكذلك عناصر الضريح الشريف، بما تضمه من الحوائط الرخامية والكسوة الخشبية الداخلية للقبة، حيث كانت كل خطوة تُنفذ بمنتهى الدقة، وكل لمسة تُسبق بالدراسة والتوثيق، احترامًا لقدسية المكان وقيمته الأثرية.
وجرت هذه الأعمال تحت إشراف نخبة من أعلام الآثار والترميم، يتقدمهم الأستاذ مدحت المنباوي، والأستاذ السيد العربي محمد المصري، مؤسس إدارات صيانة وترميم الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية، وبرعاية الأستاذ محمد الهيتي، ورئاسة الدكتور فهمي عبد العليم، وبالتعاون المثمر مع إدارة المسجد الحسيني ووزارة الأوقاف، وبدعم كريم من المحب لآل بيت رسول الله ﷺ، السيد عمر الفاروق.
وكان للعمل في هذا المكان المبارك طابع خاص لا يشبه أي موقع أثري آخر.

كانت أعمال الترميم تُنفذ في هدوء الليل
بعد انصراف الزائرين، حين يعم السكون أرجاء المسجد، فلا يُسمع إلا همسات العاملين، وكأن الجميع يستشعر عظمة الأمانة التي يحملها. وفي تلك الساعات، كان المكان يفيض بخشوع يصعب وصفه، فيشعر المرمم أنه لا يتعامل مع عناصر معمارية فحسب، بل مع جزء من ذاكرة أمة، ومكان له منزلة خاصة في قلوب المسلمين.
ولقد تعلمت خلال تلك الأيام أن الترميم في مثل هذه المواقع ليس إصلاحًا لما أفسده الزمن فقط، بل هو حفاظ على رسالة حضارية وروحية، حتى تنتقل إلى الأجيال القادمة كما ورثناها، بكل ما تحمله من جمال وقدسية.
وفي المقال القادم، أصحبكم في رحلة من قلب أعمال الصيانة والترميم، لنكشف معًا ما لم يره كثيرون، ونقترب من تفاصيل دقيقة، ومواقف إنسانية، وتجارب مهنية عشتها بين جدران هذا المكان الطاهر، حيث يمتزج التاريخ بالإيمان، ويصبح الترميم رسالة قبل أن يكون مهنة.
وهكذا… يرويها الأثر:
وهكذا يظل كل أثر شاهدًا صادقًا على حضارة صنعت التاريخ، ورسالةً تحملها الأحجار من جيل إلى جيل. وما نرويه هنا ليس مجرد وقائع ترميم، بل صفحات من ذاكرة مكان عظيم، كتبتها الأمانة، وحفظها الإخلاص، وشهدت عليها الأحجار.
فالآثار لا تتحدث… لكنها تروي لمن يعرف كيف يُنصت إليها.






