د. محمد محفوظ يكتب : تفكيك معادلة الخوف
إذا تعاظمت تكلفة الخسارة فإن الخوف يصبح بلا معنى ، ولا تُجدي معه بندقية أو سيف ، فينفلت المربوط ، وتحترق أشباح الخوف، وينطلق الحشد .

صورة تعبيرية للمقال
تحرص أي سلطة مستبدة على سد كافة المنافذ التي تؤدي الى تضامن وتكاتف أفراد الشعب ومن خلال البطش والقهر والعصف بالحقوق والحريات ، ينغلق كل فرد على ذاته ، إيثارا للسلامة ، وأملا في النجاة من البطش .
وهكذا، يصبح الخوف جدارا يحيط بكل فرد، فيمنع من ذوبانه في جماعة أوسع ؛ كان يمكن أن تتشكل من خلالها كتلة الجماهير الحرجة وحالة الحشد.
وفي حين أنه من المسلم به ، أن يخاف الفرد المنفرد في مواجهة السلطة بتنظيمها وسلاحها.
إلا أن تلك المُسلَّمة تنقلب عندما تواجه تلك السلطة جماهير حاشدة غاضبة، فينقلب صانع الخوف إلى مستهلك له، وغارق فيه .
لذلك ، على أي قوى معارضة تتحين الفرصة لقيادة وتنظيم الحراك الجماهيري ضد النظم الديكتاتورية ، أن تمتلك القدرة على ( تفكيك معادلة الخوف ) إلى عناصرها الأساسية ، واستقراء ومتابعة معدلات استقرارها أو ارتفاعها وانخفاضها ، حتى يمكن توجيه الضربة لقلبها ، فتنهار أركانها وتتصدع أسوارها ، وتحين لحظة الانفجار وحالة تدفق الحشد .
وتتمثل العناصر الأساسية لمعادلة الخوف في كل من :
– ترمومتر القمع .
– منحنى الهيبة .
– ميزان الولاء .
١ – ترمومتر القمع :
وهو المقياس الذي يحدد مستويات البطش ، التي لو تعاظمت يصل المجتمع إلى درجة الغليان ، وهي النقطة الحرجة التي تسبق درجة الانفجار المحتوم ، نتيجة انسداد منافذ التنفيس ومخارج البخر ، فيطير غطاء القمع ، ويفور ما كان مكبوتا وينسكب على الأرض .
ولذلك يظل القمع سياسيا كان أم اقتصاديا أم فكريا أم أكاديميا أم وظيفيا . . إلخ ، يظل فاعل ومؤثر طالما ظل متحسبا للحظة الفارقة التي يتحتم أن يتوقف عندها الضغط والكبت ، وإلا أدى الوصول لدرجة الغليان إلى الاجتراء على الطغيان ، مصداقا للمثل الدارج : ( المتخوزق يشتم السلطان ) .
ولذلك تبدأ معادلة الخوف في التصدع إذا ما تم الوصول لدرجة الغليان . لأن الخسارة لدى أفراد المجتمع تظل دائما مقبولة على مضض لو ظلت تكلفتها أقل من ثمن الخوف.
ولكن إذا تعاظمت تكلفة الخسارة فإن الخوف يصبح بلا معنى ، ولا تُجدي معه بندقية أو سيف ، فينفلت المربوط ، وتحترق أشباح الخوف، وينطلق الحشد .
لذلك، على أي معارضة جادة أن تراقب ترمومتر القمع ، وترصد معدلاته وتستقرئ ارتفاعاته، وتربط أنشطتها الاحتجاجية بذلك الترمومتر ، لتنقل للمجتمع المحلي والمجتمع الدولي قراءة دقيقة عن درجة الغليان ومقدمات الانفجار وإرهاصات الحشد .
٢ – منحنى الهيبة :
ثمة تناقض شاسع بين كل من :-
– هيبة الحق والعدل والصلاح والتقوى .
– وهيبة البطش والجبروت والطغيان .
فبينما يكون الهبوط في منحنى ( هيبة الحق والعدل والصلاح والتقوى ) دليلا على التواضع، وموجبا للتضامن، ومحفزا على التوقير .
إلا أن الهبوط في منحنى ( هيبة البطش والجبروت والطغيان ) يصبح دليلا على الضعف والوهن ، وعلامة على بداية السقوط، ومحفزا على التمرد والمقاومة والرفض .
ولذلك يبدو منحنى هيبة الحق والعدل كهضبة ، يسهل الرجوع إلى أعلاها ، كلما تم التزحزح للأسفل والتحت.
بينما يبدو منحنى هيبة البطش كجبل وعر وشاهق ، من المستحيل الرجوع إلى قمته ، إذا ما تم الانزلاق أو السقوط من عليها نحو السفح.

ولذلك، كل هبوط في ( منحنى هيبة البطش ) يضرب معولا في صنم الخوف .
ويبدأ الهبوط في منحنى هيبة البطش، كلما تآكلت أقنعة الكذب والزيف، وأصبحت الدعاية السوداء عاجزة عن إخفاء الوجه القبيح الحقيقي لنظام الطغيان والفساد والقمع .
لذلك، يتوجب على أي معارضة جادة ، أن تداوم على فضح أقنعة السلطة الباغية، وتعرية ما تخفيه تحتها من:
احتقار للقانون ، واجتراء على الدستور ، وإهدار للمال العام ، واستعلاء على الشعب . فيهبط بذلك منحنى الهيبة لموقعه المستحق في أسفل درك .
٣ – ميزان الولاء :
لا يخضع ميزان الولاء الذي يحكم العلاقة بين الحاكم، وبين الحلفاء والمؤسسات والأجهزة لا يخضع لمنطق الزواج الكاثوليكي، وإنما يخضع لمنطق الزواج القابل للخُلع .
ولذلك بينما يسود الظن بأن ولاء الحلفاء والمؤسسات والأجهزة يكون للقابض على الحكم.
إلا أن الحقيقة المستترة المتخفية ؛ تتمثل في أن ولاء كل هذه الجهات يكون في معظمه ؛ ليس إلا ( لذاتها )
ولا يمتد هذا الولاء لغيرها، إلا بالقدر الذي يحفظ لها مصالحها وبقاءها واستمرارها .
ولهذا كلما اهتز وتقلقل كرسي الحكم ، كلما اتخذ حلفاء الداخل والخارج، والمؤسسات والأجهزة، خطوة أو خطوات للخلف، لضمان السلام ، وحفظ المصالح والاعتبار والبأس.
وهكذا هو ميزان الولاء لا تحوي كفته الثانية في وقت الأزمات والانتفاضات والانفجارات، إلا الهواء، فتهوي الكفة الأولى التي تحمل كرسي الحكم إلى حضيض الأرض .
لذلك، على أي معارضة جادة أن تكون حاضرة دوما في مشهد ميزان الولاء، لتقدم نفسها بثقلها الجماهيري وعلاقاتها الخارجية، باعتبارها البديل القابل لنيل الولاء، والأجدر بالجلوس في كفته الأولى، بحسبان أن هذه الكفة أصبحت بحسابات الواقع والمصالح هي موقعها المستحق .
إذن ، كلما شطحت السلطة الجائرة ، وتوهمت أن الإفراط في القمع بكل مظاهره وأبعاده ، يضمن ويحمي استقرار وثبات الحكم ، كلما اقتربت لحظة التصدع والسقوط ، نتيجة تفكك وتفسخ معادلة الخوف .
فمعادلة الخوف تتشرخ حينما يبدأ الاستهتار بمؤشرات ( ترمومتر القمع ) ومن ثم يتم تجاوز درجة الغليان وصولا لدرجة الانفجار، فيأخذ ( منحنى الهيبة ) في الهبوط والانحدار، ويتراجع أهل الكفة الثانية في ( ميزان الولاء ) خطوات ومسافات للخلف.
ولكن، ينبغي دوما التذكير بحقيقة مريرة مفادها :
أن تفكك معادلة الخوف في ظل معارضة مشتتة غير موحدة، أو معارضة تفتقر إلى ثنائية الوعي الرشيد والإرادة المنظمة، فإن هذا التفكك لمعادلة الخوف لن يجلب إلا انفجارا آنيا، سرعان ما تلتف حوله السلطة الباغية، ولكن بوجوه جديدة وسياسات مموهة، تبادر من خلالها بترميم التصدع الذي تشرخت بموجبه بنية معادلة الخوف، لتكون النتيجة إعادة إنتاج النظام القديم ، وإعادة تنصيب معادلة الخوف .
ولكن في كل الأحوال
فإن الخلاصة التي لا يفقهها المستبدون، مفادها :
أن الخوف لا يبني وطنا ، ولا يمنع نظاما من السقوط .
والخلاصة التي لا يعيها الخائفون ، مفادها :
أن الخوف لا يمنع الموت ، ولكنه يمنع من الحياة ومن العيش .
بينما الخلاصة التي يتيقنها المؤمنون ، مفادها :
أن الله تعالى المستعان على ما نكره ، كي يرزقنا من فضله ورحمته بما نحب .
…..






