إبداع
زكريا صبح
زكريا صبح

كاتب وناقد فني

زكريا صبح يقرأ: رواية (سنوات النمش) لوحيد الطويلة (1)

جعلت معنى النمش ودلالته كخلفية تارة، وكدليل تارة أخرى، فمن حيث كونه دليلًا فقد أخذ بيدي - معنى النمش - في أثناء رحلة القراءة

مشاركة:
حجم الخط:

دلالة العنوان اللافت 

لست ممن يحبون الدخول للنصوص من عتباتها الأولى مثل العنوان، ولكنني وجدت نفسي مدفوعًا للتوقف أمام هذا العنوان اللافت.

لم أُمهِل نفسي كعادتي للدخول في النص لأكتشف دلالة العنوان؛ لأن السؤال الذي طاردني لم يهدأ حتى عدت إلى القاموس.

 فعلمت أن “النمش” هو: بقع صغيرة بنية اللون تظهر على الجلد، وخاصةً في الأماكن الأكثر عرضة للشمس.

وهو يصيب أصحاب البشرة البيضاء أكثر من غيرهم، وهو ليس مرضًا، بل ربما أضفى جمالًا على صاحبه أو جعله مميزًا عن الآخرين.

محمد فرحات يكتب: قراءة في همس الماتريوشكا (1)

أحمد سراج يكتب: حريم الجزار معنى جديد نظرة أخرى

من هنا بدأت قراءة العمل

وجعلت معنى النمش ودلالته كخلفية تارة، وكدليل تارة أخرى، فمن حيث كونه دليلًا فقد أخذ بيدي – معنى النمش – في أثناء رحلة القراءة.

فجعلت كلما قرأت فصلًا يصور حال هذه القرية التي تنتمي وفقًا للتقسيم المصري إلى وجه بحري، ورأيت صور القهر والفقر والأعراف المتحجرة، والنفوس المريضة، والحالة المزرية لأهل هذه القرية.

أقول: جعلت – كلما قرأت هذه الصور السلبية – أن أربط بينها وبين صورة النمش التي تصبغ الوجوه فتبدو مميزة لهذه الوجوه، من غير أن نستطيع القول إنه – أي النمش – مرض، ومن غير أن نقول إنه ميزة.

وبعد أن تنتهي من القراءة ستعلم أنها سنوات نمش، فكما كان البطل ذا وجه “منمش” فقد كانت القرية كذلك.

ولأن القرية لم تكن تمثل إلا مثالًا صغيرًا من مجتمع كبير يمتد في كل ربوع بلد كبير مثل مصر، ولأن مصر ليست إلا نموذجًا مصغرًا من ثقافة عربية ممتدة في كل الوطن العربي.

أقول: إذا كان الأمر كذلك فإن هذه السنوات في هذا العمل لا تخص مسرح الأحداث الصغير، بل تشمل السنوات التي مرت بها الأمة.

أقول أيضًا إن النمش هنا لا يخص البطل وأسرته، ولا القرية وأهلها، ولا مصر ومواطنيها، بل الوطن العربي كله والبشر الذين يعيشون فيه.

جماليات اللغة

إن الحديث عن لغة الرواية يكاد لا ينتهي؛ لأننا من الممكن أن نتناولها من جوانب شتى، لكني سأكتفي ببعض هذه الجوانب التي لفتت نظري.

 1-رغم حرصه على فصاحة السرد، فإنه لم يتورع عن استخدام اللهجة العامية في السرد من دون وضع المفردات العامية بين قوسين.

كأنه يؤكد حرصه على أن يكون السرد عفويًّا لا تكلُّف فيه، وكأنه أراد ألَّا يتوقف القارئ أمام مفردة عامية موضوعة بين ظفرين، بل جل همه أن يسترسل القارئ مع نفس الكاتب المسترسل.

فتراه يقول مثلًا: «كنا أربعة نقطع الطريق يوميًّا سيرًا على الأقدام، شاويش في نقطة شرطة على مسافة عشرة كيلومترات.

شاب عايق لا حديث له إلا عن الزواج، يكاد يتزوج على نفسه.

واحدة فارهة الطول بسمرة ريفية بتقاسيم مدورة تتلوى تحت جلبابها الطويل، في وسطها من الخلف متكأ بارز يصلح لتضع قدمًا وتصعد عليه».

أرأيت كيف استخدم كلمة “عايق” ودسها وسط سرده الفصيح، حتى يكاد أمرها يلتبس علينا، أهي فصيحة أم عامية؟

وعلى هذا المنوال يغزل سرده في كامل روايته، فما من صفحة تخلو من مثل هذه النماذج.

2 -استخدام المفردات بدلالتها الاجتماعية الشائعة التي قد لا يفهمها إلا المصريون، خذ مثلًا من هذه الاستخدامات، وهي كثيرة ومتناثرة في العمل، في الفقرة السابقة يقول: «يكاد يتزوج على نفسه»

فإذا تعاملنا معها لغويًّا كما وردت من دون أن نعرف أنها من المعاني الدارجة في اللهجة المصرية، وتعني أن الرجل شديد الرغبة في الزواج، إن لم يكن شديد الرغبة في المضاجعة، حتى لو كانت بعيدًا عن الزواج.

وإليك نموذج آخر:

يقول في ص 111: «كان من عائلة معروف عنها أن ذكورها يملكون آلات كبيرة».
فإذا لم يفطن القارئ إلى دلالة كلمة «آلة» والمقصود منها، فربما ضيع على نفسه المعنى، إذ المقصود أن هؤلاء الذكور لهم أعضاء تناسلية كبيرة.

وفي ص ٦٣ يقول: «كن يعتقدن أن كثرة المواقعة ستقصف عمر أخيهن، سيتعب من كثرة القفز»

فإذا لم يكن القارئ يعرف الظلال الجنسية لكلمة «القفز»، ضاع منه معنى جنسي له إيحاءات فجة، ولكنها مقصودة، فهو يقصد أن الرجل كثير المضاجعة لامرأته.

3 -خفة الظل اللغوي

وحيد الطويلة كان حريصًا – وهو ينقل لنا هذا العالم السفلي من قاع المجتمع – على نزع الابتسامة من القارئ تخفيفًا عنه وكسرًا لسوداوية العالم الذي ينقله.

يقول في ص 79 على لسان أحد أبطاله بعد أن طلبت منه امرأته أن يسامحها كي تدخل الجنة، فرد عليها قائلًا: “ليه؟! هي الجنة هاتبقى زريبة؟!”

وإذا عدنا إلى ص 118 عندما وصف مقعدة امرأة كانت تسير مع آخرين متجهين إلى المدرسة، وجدناه يصفها قائلًا: «في وسطها من الخلف متكأ بارز يصلح لتضع قدمًا وتصعد عليه».

هل انتزع الابتسامة من هذه الصورة الساخرة لمقعدة المرأة؟ أظنه فعل.

الروائي المصري وحيد الطويلة
الروائي المصري وحيد الطويلة

4-أنسنة المادي والمعنوي

اللغة الأدبية تختلف عن اللغة العادية في إدارة الكاتب لمفرداتها وإعادة تشكيلها وبث الروح في تركيباتها، بحيث تأتي مغايرة للغة الدارجة والشائعة على ألسنة الناس، ولكل كاتب طريقته وأسلوبه في ذلك.

ومن بين هذه الطرق والتقنيات تقنية «أنسنة الأشياء» لتصبح وكأنها – أي الأشياء – ضمن أبطال العمل.

وهذا ما فعله وحيد الطويلة دائمًا في الرواية، انظر معي هذه الفقرة ص 88: “برد غريب يأتي برعشة تخطف البدن، ليس برد العجوز بل برد بدايات الخريف، برد تتوارى فيه شهوة الحب، نعرفه في أوقات الفرح المنسحبة، في اليوم الأخير من العيد حين تتعب الفرحة وتدخل لتنام”

أرأيت كيف جعل من الفرحة إنسانًا يتعب ويدخل لينام؟

ويقول في ص 117: “تحول الورد إلى صديق لنا، ولم يخُنا إلا مرات قليلة حين كانت وردة تغضب من رفيقتها لأنه غازل وردة أخرى، تنسحب بعيدًا عنه، تفك خيوطها من خيوطه فتنزلق قدم الواحد منا داخل الماء”

الورد أصبح صديقًا، لا يخون أصحابه، الورد يغضب ويغار؛ لأن أحدهم غازل وردًا آخر.
إنها إدارة ماهرة للسرد تبث فيه الروح الإنسانية ليصير العالم كله متفاعلًا بهذه الروح الإنسانية.

5 -توريط القارئ في ترديد صوت البطل ولهجته

لا يتوقف الأمر عند اختيار اللفظة اللغوية أو التركيب اللغوي أو الاستعارة والتشبيه، لكن الكاتب حريص على جرس اللغة التي يقرؤها.

لذا نراه في ص 84 يقول: “سوف نتسلل إلى دار الحاج حسن أبو محِمد»، ونراه يضع كسرة تحت حرف الحاء في اسم «محِمد”

ليضطر القارئ إلى نُطقها كما تُنطَق في بيئتها، ومن ثَم نعيش الصوت واللهجة مع الصورة المرسومة؛ فنشعر كأننا نعايش الرواية في مكانها وزمانها ولهجتها وإيقاع تلك اللهجة.

بين السردي والفلسفي

الأديب الكبير والناقد العظيم الأستاذ يحيى حقي كان يقول ما معناه: إن الروائي الحق هو الذي يجعل من قارئه صديقًا له، فيُجلِسه إلى جواره ليهمس له بروايته همسًا.

وحيد الطويلة من هذا الصنف من الكُتاب

يتسلل إلى قارئه حتى يدنو منه، ثم يجعل فمه في أُذن قارئه، ثم يُحدِّثه بهدوء، يهمس له بأسرار أبطاله، كأنه طفل بريء استرق السمع فراح يحكي كل ما شاهده.

لا يتحسب لشيء ولا لأحد، ولا يخاف شيئًا ولا أحدًا، لا يضع محاذير تحول بينه وبين قارئه.

وهو إذ يفعل ذلك لا يجد القارئ مفرًّا من الإنصات في خشوع، مغمضًا عينيه، ليسبح معه في نهر خياله الجامح.

فيبدو القارئ كالمسحور، لا يعنيه إن كان ما يقوله ذلك الطفل البريء حقيقةً أم خيالًا، واقعًا أم وهمًا.

وسيظل القارئ منصتًا حتى ينتهي كاتبه من سرد أسرار أبطاله

ومن فرط اقترابه من القارئ يمارس لعبة فنية غاية في الجمال اصطلح النقاد على تسميتها «كسر الحائط الرابع»

وأنا أسميها “إزالة الحاجز الأخير بين الكاتب وقارئه”

ولذلك بينما السرد يتوالاه الراوي المشارك ناقلًا الأحداث من دون استهداف شخص بعينه.

نرى الكاتب يفاجئنا بالحديث إلينا كلًّا على حدة، فيقول: “حين تتأخر حبيبتك، ليس عليك سوى شيء واحد، سيساعدك فيه واحد ستتأخر حبيبته يومًا ما” ص 120، فمَن تراه المقصود بالخطاب هنا سوى أنا وأنت في نقلة تقنية حوَّل فيها الكاتب الخطاب من القارئ المُطلَق إلى القارئ المُحدَّد؟

وفي المقال القادم نستكمل قرءة (النمش) لوحيد الطويلة 

 

 

شارك المقال: