مقالات
د. مجدي قرقر
د. مجدي قرقر

أستاذ جامعي وكاتب

د. مجدي قرقر يكتب: إبراهيم عليه السلام إمامُ الحكمةِ والمنطقِ

وبحسب الرأي الذي يرى أنها مرحلة بحث وتأمل قبل النبوة، فلقد أدرك إبراهيم عليه السلام بعقله بطلان عبادة ما سوى الله.

مشاركة:
حجم الخط:

في الرحلة الإيمانية لسيدنا إبراهيم عليه السلام

نرصد ما يلي في آيات قرآننا العظيم:

بدأ إبراهيم عليه السلام رحلته الإيمانية كأي باحث علمي عن الحقيقة بالسؤال والتفكير ونقد ما هو سائد

﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ (الأنبياء ٥٢)

ونتيجة لهذا البحث الجاد واجتهاده هداه الله سبحانه بأن أراه بعضًا من آياته الكونية (الكوكب والقمر والشمس)، والتي كان قومه يعبدونها إضافة للأصنام.

  • وبحسب الرأي الذي يرى أنها مرحلة بحث وتأمل قبل النبوة، فلقد أدرك إبراهيم عليه السلام بعقله بطلان عبادة ما سوى الله.

(وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَءَا الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)) (الأنعام)

ولأن الله سبحانه يكافئ المجتهدين ولا يكافئ الكسالى

فقد من الله عليه بالاصطفاء نبيا ورسولا، بل واصطفاه أبا للأنبياء من بعده.

(وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) (البقرة 130)

إذا كان الغرب يُعَدُّ أرسطو مؤسسا لعلم المنطق بوصفه علمًا مدونًا، فإن إبراهيم عليه السلام يمثل في القرآن النموذج الأبرز للتفكير العقلي والاستدلال المنطقي والحجاج الرشيد، والدليل على ذلك محاجاته للنمرود

“أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إبراهيم فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إبراهيم رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إبراهيم فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ” (البقرة ٢٥٨)

ألم تر إلى هذا الملك الطاغوت المنكر المتعنت، الذي بطرته نعمة الملك الذي آتيناه امتحاناً له فكفر وادعى الربوبية أو أشرك به سبحانه، رغم أن الله هو الذي آتاه الملك وجعل في يده السلطان!

وبدلا من أن يشكره ويحمده يطغي ويبطر، ويضع الكفر في موضع الشكر.

حاجه إبراهيم عليه السلام بقوله:

ربي الذي يحيي الخلائق ويُمِيتُها، أجابه الطاغية عنادًا:

أنا أُحيي وأميت بأن أقتل من أشاء وأعفو عمن أشاء، عند ذلك لم يرد إبراهيم عليه السلام أن يسترسل معه في جدله وسفسطته حول معنى الإحياء والإماتة فهو يماري ويناور في تلك الحقيقة الهائلة، حقيقة منح الحياة وسلبها التي لا يملكها سواه سبحانه، فأفحمه إبراهيم عليه السلام بحجة أخرى أعظم، فقال له:

إن الله الذي أعبده يأتي بالشمس من المشرق، فهل تستطيع تغيير هذه السُّنَّة الإلهية بأن تجعلها تأتي من المغرب؟

حقيقة كونية مكررة تطالع الأنظار والمدارك كل يوم؛ ولا تتخلف مرة ولا تتأخر، وهنا تحيَّر هذا الكافر وبهت وانقطعت حجته، شأنه شأن الظالمين لا يهديهم الله إلى الحق والصواب.

حاج إبراهيم عليه السلام مشركي قومه بالمنطق العقلي بعد تكسير اصنامهم

(قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إبراهيم (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64)) الأنبياء.

استخدم إبراهيم عليه السلام المنطق والأدلة العقلية مع أبيه وقومه قبل أن يستخدم معهم الدعوة الإيمانية

﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ (الأنبياء ٥٢)

“إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا” (45-مريم)

بدأ باستخدام المنطق العقلي ثم انتقل إلى الحديث الإيماني

كان لدى إبراهيم عليه السلام علم اليقين بالبعث فسأل ربه ان ينقله من علم اليقين إلى عين اليقين

“وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي” (البقرة 260)

فأعطاه الله أكثر من عين اليقين إذ من عليه بحق اليقين، فأعطاه الله ما تجاوز مجرد العلم النظري والرؤية التي طلبها إلى الفعل المباشر بيده (حق اليقين).

“قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” (البقرة 260)

اللهم كما صليت وسلمت على سيدنا إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، صل وسلم على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، في العالمين إنك حميد مجيد.

شارك المقال: