د. محمد الغمري يكتب: التصور القرآني للمعرفة الإنسانية
فالإنسان في القرآن ليس ذاتًا عاجزة عن الفهم، لكنه ليس كذلك عقلًا مكتفيًا بذاته أو مالكًا لسلطان الحقيقة الكاملة

لفظ الجلالة (وسائل التواصل)
من تعليم الأسماء إلى تعليم البيان
“الرَّحْمٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ” (الرحمن: 1-4)
أولًا: الإنسان بين التمكين والحد
يفيد التصور القرآني أن قدرة الإنسان على الإدراك والبيان ليست معطًى جامدًا ولا ملكة مكتملة تُمنح دفعة واحدة، بل قدرة مُمكَّنة ومحدودة في آنٍ معًا، تتفاوت باختلاف الأحوال والمقامات ومجالات العلم وشروط المعرفة.
فالإنسان في القرآن ليس ذاتًا عاجزة عن الفهم، لكنه ليس كذلك عقلًا مكتفيًا بذاته أو مالكًا لسلطان الحقيقة الكاملة.
ومن هنا تتشكل إحدى البنى المركزية في الرؤية القرآنية:
الإنسان كائن مُعلَّم البيان، محدود الإدراك، يحمل في صميم تكوينه قابلية معرفية تتسع وتضيق، وتنكشف وتحتجب، من غير أن تغادر أبدًا شرطها الحدّي.
ولا تظهر المعرفة في القرآن وظيفة هامشية في تعريف الإنسان، بل عنصرًا بنيويًا في وضعه الوجودي؛ إذ يفيض النص القرآني بمعجم التعقل والتفكر والتدبر والنظر والفقه والتذكر.
غير أن هذا التمكين المعرفي لا يفضي إلى دعوى الإحاطة؛ فثمة فرق دقيق بين الإدراك والعلم والإحاطة.
فالإدراك تماس الوعي بالشيء أو انفتاح الذهن على بعض حقيقته، والعلم صورة معرفية أكثر انتظامًا واستقرارًا، أما الإحاطة فهي دعوى استنفاد الموضوع من جميع جهاته.
د. محمد الغمري يقدم لنا: سلسلة لعلهم يفكرون(1)
السنن الربانية في صعود وانهيار الحضارات
ولذلك يضع القرآن حدًا واضحًا أمام وهم الاكتمال المعرفي:
“وَمَا أُوتِيتُم مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا” (الإسراء: 85)
و”وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ” (البقرة: 255)
و “وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا” (طه: 110).
وليس المقصود من ذلك تعطيل المعرفة، بل تحريرها من ادعاء الاستنفاد.
وهو معنى قريب مما نبّه إليه أبو حامد الغزالي عند حديثه عن تفاوت مراتب الإدراك وحدود الحس والعقل، فقصور الأداة لا يجعل العلم مستحيلًا، لكنه يمنع تحويل المعرفة المحدودة إلى يقين يدّعي امتلاك الكل.
ويتصل بهذا المعنى اتصالًا بنيويًا التمييز القرآني بين عالم الشهادة وعالم الغيب، إذ لا يقتصر الأمر على الإقرار بوجود حدود للإدراك، بل يحدد طبيعة هذه الحدود من أصلها.
فالإنسان محدود لأن مجاله الأصلي هو الشهادة، ولا يدرك الغيب إلا من جهة ما أُذن له فيه وحيًا أو إلهامًا:
“عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِنْ رَسُولٍ” (الجن: 26-27)
ولذلك لا يكون الحد في التصور القرآني قصورًا عارضًا يعالج بمزيد من الأدوات، بل شرطًا وجوديًا يحكم طبيعة الإدراك الإنساني في أصله.
ثانيًا: تفاوت مواقع العلم — من الهدهد والنبي سليمان إلى موسى والخضر عليهما السلام
ويقدّم القرآن أمثلة دقيقة على طبيعة هذا التفاوت المعرفي. فالهدهد يقول لسليمان عليه السلام: “أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ” (النمل: 22)
لا ادعاءً للإحاطة المطلقة، بل كشفًا عن أن المعرفة لا تتوزع توزيعًا متجانسًا، وأن فاعلًا ما قد يمتلك علمًا موضعيًا يغيب في لحظة معينة عن فاعل أعلى منه مقامًا.
ولذلك يأتي التقرير المكثف: “وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ” (يوسف: 76) لا لتقليل قيمة العلم، بل لمنع تحوله إلى دعوى استغناء.
وتتأكد هذه البنية في قصة موسى والخضر، إذ لا تُعرض بوصفها مفاضلة بسيطة بين عالم وأعلم منه، بل باعتبارها درسًا في حدود الأفق التفسيري.
فموسى لا يعجز لقصور عقلي، وإنما لأن أفعال الخضر تقع خارج أفقه في تلك اللحظة:
“وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا” (الكهف: 68)
وقد يصح الحكم داخل أفق معين ثم يتغير مع اتساع الإدراك أو انكشاف التأويل.
ومن هنا لا يبدو الإدراك في القرآن قدرة ساكنة، بل قابلية تتحرك مع تغير الموقع المعرفي وتبدل شروط الفهم.
ومن ثم لا يقدّم القرآن حدود الإدراك بوصفها عجزًا مطلقًا، ولا يقدّم المعرفة بوصفها انكشافًا كاملًا للحقيقة، بل يرسم علاقة متحركة بين ما يُكشف للإنسان وما يبقى خارج أفقه في كل مرحلة.
وتظهر هذه العلاقة بصورة أكثر دقة في بعض الصيغ القرآنية التي تتناول حدود العلم الإنساني وإمكانات تجاوزه.

ثالثًا: «ما أَدراك» و«ما يُدريك» — نمطان في علاقة الإنسان بحدود إدراكه
ويتجلى هذا البناء بوضوح خاص في الاستعمال القرآني لصيغتي «ما أَدراك» و«ما يُدريك».
فالصيغتان لا تمثلان تنويعًا تعبيريًا، بل تكشفان عن نمطين مختلفين في علاقة الإنسان بحدود إدراكه.
ففي قوله تعالى: “وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ” (الحاقة: 3)
وقوله: “وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ” (القدر: 2)
لا يقف الخطاب عند إعلان محدودية الإدراك، بل يعقبه في الغالب لون من البيان أو الكشف.
وقد التفت المفسرون، من الطبري إلى ابن عاشور، إلى هذا الفارق؛ إذ تميل «ما أَدراك» إلى اقترانها ببيان لاحق يرفع بعض الحجاب عن المخاطَب.
أما “ما يُدريك” فتتحرك داخل أفق مختلف، ففي قوله تعالى:
“وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى” (عبس: 3)
أو “وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا” (الأحزاب: 63)
لا يتجه الخطاب إلى كشف المجهول، بل إلى تثبيت الوعي بوجود حدود لا تُرفع كلها ولا تدخل بكاملها داخل مجال النفاذ الإنساني.
وهكذا لا يفيد التصور القرآني أن الإدراك إما مغلق أو مكشوف على نحو مطلق، بل إنه يتسع وينكمش بحسب موضوع المعرفة ومجالها ومصدرها.
رابعًا: منظومة التعليم الإلهي — الأسماء والبيان والقلم
وإذا كان حد الإدراك يشكل أحد أركان التصور القرآني، فإن البيان يشكل ركنه الآخر.
غير أن القرآن لا يقدم البيان مجرد ملكة لسانية منفصلة، بل داخل أفق يتقدم فيه تعليم القرآن على خلق الإنسان وتعليمه البيان.
ومن ثم يُفهم البيان لا باعتباره مجرد قدرة على التلفظ، بل قدرة الإنسان على تحويل الإدراك إلى دلالة، والخبرة إلى معنى، والمعنى إلى صيغة قابلة للفهم والتداول.
وبهذا لا يكون البيان مجرد أداة للتعبير عن المعرفة، بل الوسيط الذي تنتقل عبره الخبرة الفردية إلى مجال الفهم المشترك بين البشر.
وتتأسس هذه المنظومة على لحظة سابقة:
“وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا” (البقرة: 31)
إذ ليس المقصود تلقين ألفاظ منفصلة، بل منح الإنسان قدرة على تسمية العالم وتصنيف الخبرة وتحويل الموجودات إلى موضوعات قابلة للفهم.
فالاسم يمثل في التصور القرآني وسيطًا معرفيًا يجعل الموجودات قابلة للتعيين والفهم، وتجيب الملائكة بما يكشف حقيقة هذا التعليم:
“لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا” (البقرة: 32)
وتأتي سورة العلق لتضيف بعدًا ثالثًا:
“اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ” (العلق: 1-5)
فتعليم القلم يتيح للإنسان أن يراكم المعرفة ويتجاوز حدود الخبرة الفردية عبر الزمن، و«ما لم يعلم» دلالة على أن أفق التعليم الإلهي لا يقف عند حد مسمى.
وإذا نُظر إلى هذه العناصر الثلاثة في نسق واحد أمكن القول إن القرآن يؤسس للمعرفة الإنسانية عبر ثلاث دوائر متكاملة:
فتعليم الأسماء يمنح الإنسان القدرة على إدراك العالم وتصنيف خبراته، وتعليم البيان يمنحه القدرة على تحويل تلك الخبرات إلى معانٍ قابلة للتواصل.
وتعليم القلم يتيح لتلك المعاني أن تتجاوز حدود الفرد واللحظة لتدخل في مسار التراكم الإنساني عبر الزمن.
وبذلك لا تبدو هذه العناصر متفرقة في البناء القرآني، بل حلقات متصلة في منظومة واحدة للتعليم والمعرفة.
وهكذا تتشكل منظومة متكاملة: الأسماء تمكّن من الإدراك، والبيان يمكّن من التعبير، والقلم يمكّن من التراكم والتجاوز، وكلها تعمل داخل شرط واحد:
أن المعرفة عطية لا ملكية، وأن الإنسان معلَّم لا محيط. غير أن منح البيان لا يساوي منح الإحاطة، فما يقوله الإنسان عن العالم لا يطابقه دائمًا، وما يعبّر عنه لا يستنفد حقيقته بالضرورة:
“قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي” (الكهف: 109)
خامسًا: المسؤولية والتزكية — مسار الحد ومسار التوسيع
ومن هنا يربط القرآن بين العلم والقول ربطًا مسؤولًا:
“وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا” (الإسراء: 36)
فالمشكلة ليست في وجود حدود للمعرفة، بل في تجاوزها ادعاءً أو تحويل البيان إلى سلطة تتكلم فيما لا تملك علمه.
ومن هذه الزاوية لا يعود التواضع المعرفي مجرد خُلُق فردي، بل مبدأ ناظمًا للفعل العقلي نفسه، وهو معنى يجد صداه عند طه عبد الرحمن حيث لا تُفهم المعرفة بوصفها امتلاكًا محايدًا للحقيقة، بل ممارسة مشروطة بمسؤولية الدعوى وحدود البيان.
غير أن القرآن لا يكتفي بتقرير الحد، بل يفتح في الوقت ذاته مسارًا لتوسيعه من داخل شروطه لا تجاوزًا لها.
فثمة ارتباط قرآني صريح بين التقوى والإدراك:
“إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا” (الأنفال: 29)
و”وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ” (البقرة: 282)
فالتقوى لا تلغي الحد ولا تحول الإنسان إلى محيط، لكنها تهيئه لاستقبال ما هو أوسع من مداه العادي، علمًا ينبثق من صفاء الموقف لا من تراكم المعلومات وحده.
ومن هنا لا تبدو المعرفة في التصور القرآني مسارًا أفقيًا يتوسع بالأدوات فحسب، بل مسارًا يتعمق بتزكية الإدراك نفسه.
ويتصل بهذا تمييز قرآني جوهري، فالقرآن لا يساوي بين أنواع العلم.
فثمة علم يرسخ الغفلة ويعمق الانحباس: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الحج: 3]، وثمة علم يوسع الأفق ويقرب من الحقيقة.
والتمييز النبوي في الدعاء المأثور: “اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع” لا يتعلق بمضمون المعرفة وحده، بل بغايتها وأثرها في الإنسان:
هل تقربه من الحقيقة أم تباعده عنها؟ هل تنمي إدراكه أم تضخم وهمه؟
سادسًا: الانحباس داخل الظاهر — راهنية التحذير القرآني
ويكشف القرآن كذلك عن إمكان انحباس الإنسان داخل مستوى معين من الإدراك:
“يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ” (الروم: 7)
فالقصور هنا ليس غياب العلم، بل الاكتفاء بطبقة واحدة منه والتعامل معها باعتبارها الصورة الكاملة للعالم.
وتكتسب هذه الرؤية راهنيتها في زمن يكاد يخلط بين امتلاك الوسائل التقنية وامتلاك الحقيقة ذاتها.
وهي الإشكالية التي لامسها عبد الوهاب المسيري في نقده للعقل الأداتي ووهم الإنسان المكتفي بذاته.
ولعل ما يمنح هذا التصور القرآني راهنيته أن كثيرًا من النقاشات المعرفية المعاصرة ما تزال تواجه الإشكالية نفسها:
إشكالية الخلط بين امتلاك أدوات الوصف وامتلاك الحقيقة ذاتها.
فغالبًا ما يتسع الجهد المبذول في تشخيص الأزمات والظواهر، بينما تتراجع مساءلة الأطر المعرفية التي تنتج هذا التشخيص.
كما قد تتضخم الثقة بالقدرة التعبيرية والخطابية حتى يبدو امتلاك اللغة وكأنه امتلاك للحقيقة نفسها، وهو ما يرفضه التصور القرآني حين يميز بين البيان بوصفه قدرة على التعبير، والإحاطة بوصفها دعوى لا يملكها الإنسان.
خاتمة: عقل لا يملك الاكتمال لكنه لا يفقد مشروعية السعي
إن أعظم ما يؤسسه القرآن للعقل الإنساني ليس توسيع أفق المعرفة فحسب، بل تعليمه كيف يعيش داخل حدوده دون أن يتوقف عن طلب الزيادة. فالإدراك والبيان في التصور القرآني ليسا مل
ن مكتملتين ولا قوتين معطلتين، بل قابليتين إنسانيتين تتحركان داخل شرطهما الحدّي: تتسعان بالتعليم والخبرة والوحي، وتضيقان بالاختزال وادعاء الإحاطة.
وإذا كان القرآن قد افتتح صورة الإنسان في هذا السياق بقوله تعالى:
“عَلَّمَهُ الْبَيَانَ”
فإن هذا البيان لا يظهر في الرؤية القرآنية علامة على اكتمال المعرفة، بل علامة على التكليف بالسعي إليها؛ إذ مُنح الإنسان القدرة على الفهم والتعبير لا ليعلن امتلاك الحقيقة، بل ليواصل طلبها.
ولذلك يظل الأمر الإلهي: “وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا” (طه: 114)
لا مجرد دعاء بالزيادة، بل إعلانًا عن بنية الإنسان المعرفية نفسها: عقل لا يملك الاكتمال، لكنه لا يفقد مشروعية السعي؛ عقل لا يستنفد الحقيقة، لكنه لا يُعفى من طلبها.






