واشنطن تريد إنهاء الحرب، لكن طهران ترفض التراجع
تسعى الولايات المتحدة إلى تثبيت وقف إطلاق النار مع إيران والانتقال إلى مرحلة التفاوض، بينما تواصل طهران التمسك بمواقفها الاستراتيجية، مستفيدة من ورقة مضيق هرمز وقدرتها على فرض كلفة سياسية واقتصادية على واشنطن وحلفائها.

واشنطن وطهران.. هدنة قائمة لكن الثقة غائبة
كيف نجحت إيران في استهداف مواقع أمريكية حيوية ؟
رغم توقف المواجهات العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ إعلان وقف إطلاق النار في أبريل الماضي،
فإن التوتر لا يزال يهيمن على العلاقة بين الطرفين.
فالمحادثات مستمرة بوساطة إقليمية تقودها قطر وباكستان وشركاء آخرون، إلا أن أجواء الحذر وعدم الثقة ما زالت تلقي
بظلالها على أي تقدم محتمل نحو اتفاق شامل.
وفي الوقت نفسه، تحتفظ الولايات المتحدة بقوات بحرية وجوية كبيرة بالقرب من إيران، بينما تواصل طهران
رفع جاهزيتها العسكرية وإعادة ترتيب قدراتها الدفاعية بعد الضربات التي تعرضت لها خلال الحرب.
الغارديان: ترامب يعود إلى نقطة البداية في إيران
لماذا تحتاج واشنطن إلى إنهاء الحرب؟
تدرك الإدارة الأمريكية أن استمرار الصراع يحمل تكلفة سياسية واقتصادية مرتفعة.
فإغلاق مضيق هرمز أدى إلى اضطراب واسع في حركة التجارة والطاقة العالمية، كما تسبب في ضغوط متزايدة على أسواق النفط والغاز.
ورغم أن الولايات المتحدة لم تعد تعتمد بشكل مباشر على نفط الخليج كما في العقود السابقة، فإن أي ارتفاع حاد في أسعار الطاقة
ينعكس سريعاً على الاقتصاد الأمريكي والناخب الأمريكي.
لهذا السبب، تسعى واشنطن إلى إعادة فتح المضيق واحتواء التصعيد قبل أن تتفاقم التداعيات الاقتصادية داخلياً وخارجياً.
مضيق هرمز.. الورقة الأقوى بيد إيران
تمتلك إيران واحدة من أهم أوراق الضغط في المنطقة، وهي السيطرة الفعلية على مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية.
ومنذ إغلاق المضيق عقب اندلاع الحرب، تراجعت حركة الملاحة بشكل حاد، ما أثر على صادرات النفط والغاز العالمية.
وبينما تمكنت بعض الدول الخليجية من استخدام خطوط أنابيب بديلة، لا يزال الاقتصاد العالمي يتأثر بخسارة نسبة كبيرة
من الإمدادات المعتادة.
لذلك، تبدو إعادة فتح المضيق شرطاً أساسياً لأي تقدم حقيقي في المفاوضات الجارية.
طهران لا تتراجع رغم الضغوط
على الجانب الآخر، ترى القيادة الإيرانية أن الصراع الحالي يتجاوز مجرد خلاف سياسي أو نووي، بل يرتبط مباشرة ببقاء النظام واستمراره.
ولهذا، لا تبدو طهران مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية بسهولة، خصوصاً في الملفات المرتبطة ببرنامجها النووي أو نفوذها الإقليمي.
كما تراهن إيران على أن الضغوط الاقتصادية والسياسية داخل الولايات المتحدة ستدفع واشنطن في نهاية المطاف
إلى تقديم تنازلات أكبر من أجل إنهاء الأزمة.
معضلة ترامب بين التفاوض والضغوط الداخلية
يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معادلة معقدة.
فمن جهة، يحتاج إلى تحقيق اختراق دبلوماسي يسمح له بإظهار نجاح سياسته تجاه إيران.
ومن جهة أخرى، يواجه ضغوطاً من داخل حزبه الجمهوري، حيث يرفض العديد من التيارات المحافظة تقديم
أي تنازلات قد تُفسر على أنها تراجع أمام طهران.
كما أن ترامب يدرك أن أي اتفاق جديد مع إيران قد يُقارن بالاتفاق النووي الذي وقعته إدارة باراك أوباما عام 2015،
وهو الاتفاق الذي انتقده بشدة خلال سنوات طويلة.
دول الخليج تدفع الثمن الاقتصادي
لم تقتصر تداعيات الحرب على الولايات المتحدة وإيران فقط، بل امتدت إلى دول الخليج العربي.
فالدول الخليجية بنت استراتيجياتها الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة على أساس الاستقرار الإقليمي وجذب الاستثمارات الأجنبية.
إلا أن الحرب الأخيرة ألحقت أضراراً بصورة المنطقة الاستثمارية، ورفعت منسوب المخاطر الجيوسياسية،
ما قد يؤثر على خطط التنمية طويلة المدى.
كما أن استمرار التوتر يهدد مشاريع اقتصادية كبرى تعتمد على استقرار أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
هل أخطأت واشنطن وتل أبيب في تقدير إيران؟
يرى عدد من المحللين أن الولايات المتحدة وإسرائيل أخطأتا في تقدير قدرة النظام الإيراني على الصمود.
فالتوقعات التي راهنت على انهيار سريع أو استسلام سياسي لم تتحقق، رغم الضربات العسكرية والخسائر الاقتصادية التي تعرضت لها طهران.
بل على العكس، أظهرت إيران قدرة على التكيف وإدارة الأزمة، مستفيدة من شبكة تحالفاتها الإقليمية
ومن قدرتها على استخدام أدوات الضغط الاقتصادية والعسكرية.
مستقبل المفاوضات الأمريكية الإيرانية
في المرحلة الحالية، يبدو أن الهدف الأكثر واقعية للطرفين هو الحفاظ على وقف إطلاق النار ومنع العودة إلى المواجهة المباشرة.
أما التوصل إلى اتفاق شامل ومستدام، فما زال يتطلب معالجة ملفات شديدة التعقيد، تشمل:
البرنامج النووي الإيراني.
تخصيب اليورانيوم.
العقوبات الاقتصادية.
أمن الملاحة في الخليج.
النفوذ الإيراني الإقليمي.
ولهذا، يتوقع أن تستمر المفاوضات لفترة طويلة قبل الوصول إلى أي اختراق حاسم.
الخلاصة
تكشف التطورات الأخيرة أن الولايات المتحدة وإيران لا ترغبان في العودة إلى الحرب،
لكنهما في الوقت نفسه غير مستعدتين للتراجع عن مواقفهما الأساسية.
وبينما تحتاج واشنطن إلى إنهاء الأزمة لتجنب تداعياتها الاقتصادية والسياسية، ترى طهران أن الوقت يعمل لصالحها
وأن أوراق الضغط التي تمتلكها، وعلى رأسها مضيق هرمز، تمنحها مساحة أكبر للمناورة.
لذلك، يبقى المشهد مفتوحاً على مفاوضات طويلة ومعقدة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية والاقتصادية والسياسية
على المستويين الإقليمي والدولي.
رابط المقال المختصر:





