الحياة الدنيا في سورتي يونس والكهف، موضوع للتدبر
"وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا" (الكهف ٤٥)

صورة تعبيرية للمقال
وصف رب العزة الحياة الدنيا في سورة يونس بقوله:
“إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” (يونس ٢٤)
بينما وصف الحياة الدنيا في سورة الكهف بقوله سبحانه:
“وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا” (الكهف ٤٥)
سؤال للتدبر:
لماذا وجدت العبارة التالية في سورة يونس ولم توجد في الكهف “مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا”؟
أولًا: اختلاف السياق العام للسورتين
سياق سورة يونس:
سورة يونس سورة دعوية احتجاجية، تخاطب المكذبين، وتجادلهم في: حقيقة التوحيد، زيف الاغترار بالدنيا، ووهم القدرة البشرية وعدم الحاجة إلى الله، فهي تُعالج غفلة الإنسان وهو في أوج الانتفاع والسيطرة.
من هنا تعرض السورة في الآيات (21 حتى 24) لمشاهد الأحداث التي يعيشها العباد ويرونها بأعينهم، ومع ذلك يغفلون عنها وعن دلالاتها.
من هنا ذُكرت سورة يونس مراحل الانتفاع والاغترار في العبارة التي لم ترد في سورة الكهف: (مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا)

وتمثل هذه العبارة ثلاث مراحل نفسية وسلوكية:
1- مرحلة الانتفاع: ما يأكل الناس والأنعام، والدنيا هنا مصدر عيش وأمن غذائي.
2- مرحلة الزينة والبهجة: أخذت الأرض زخرفها وازينت، وتعني هنا الانتقال من الحاجة إلى الترف.
3- مرحلة الوهم بالقدرة: وظن أهلها أنهم قادرون عليها، وهنا مكمن الخطر بالوقوع في وهم السيطرة والاستغناء عن الله. وهذا الوهم هو الذي تستهدفه سورة يونس بقوة؛ لأن المخاطَبين بها قوم اغتروا بما في أيديهم.
ثم يأتي الانقطاع المفاجئ: (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا) ليُحطم هذا الوهم.
سياق سورة الكهف:
أما سورة الكهف فسورة تربوية إيمانية، تعالج الفتن (فتنة الدين، المال، العلم، السلطة) وتربية القلب على الزهد وعدم الاغترار بالدنيا.
فهي تُعالج حقيقة الدنيا في ذاتها لا في شعور الإنسان بالتحكم فيها، لأن جل أحداث سورة الكهف أحداث قدرية (نوم أهل الكهف، إهلاك الجنتين، المواقف بين موسى والخضر عليهما السلام، قصة ذي القرنين).

فالغرض في سورة الكهف ليس تتبع تدرج الغرور الإنساني، بل إظهار هشاشة الدنيا ذاتها مهما كانت.
لقد جاءت آية سورة الكهف تعقيبا على قصة صاحب الجنتين اللتين أهلكهما الله سبحانه “بغته” عقابا على شركه بالله وعبادة لذاته وتألهه على الله، حتى أنه لم يهنأ بأكل ثمارها أو الانتفاع بها أو التمتع بزينتها وبهجتها كما جاء في سياق سورة يونس (عليه السلام).
من هنا حُذفت هذه التفاصيل في سورة الكهف حيث (لا أكل ولا انتفاع ولا تمتع بزينتها وبهجتها) ومن هنا جاء تعبير “فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ” دون ذكر الأكل ولا الانتفاع ولا الزينة والبهجة، لأن التركيز في سورة الكهف كان على النتيجة النهائية السريعة لا مراحلها وكأن السورة تقول:
لا تنشغل كثيرًا بأحداث الدنيا ومراحلها وانظر إلى مآلها.
ثانيا: ملمح بلاغي
في سورة يونس: الدنيا تُغري الإنسان ثم تفاجأه، وهذا مناسب للجدل مع المغترين بدنياهم، أما في الكهف:
الدنيا سريعة الذبول بذاتها، وهذا مناسب لتربية المؤمن على الزهد فيها والنظر إلى المآل الأخروي.
ولهذا ختمت آية الكهف بـ: (\”وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا” لا على سبيل المفاجأة، بل على سبيل الحقيقة الدائمة.

ثالثا – تفسير الآيات
تفسير آية سورة يونس:
إنما مثل الحياة الدنيا في بهرجتها وزينتها وفي سرعة انقضائها كمثل مطر اختلطت به بذور النباتات في الأرض مما يأكل الناس والأنعام من الحبوب والثمار، والحشائش.
حتى إذا أخذت الأرض زخرفها بما تنبته من نباتات ذات ألوان مختلفة زاهية، واغتر أهلها وتكبروا وظنوا أنهم قد امتلكوا هذه الأرض وانهم قادرون على حصاد خيراتها، جاءها قضاؤنا وعذابنا بإهلاكها.
مثلها مثل الدنيا التي تزينت وتبهرجت وسرعان ما صارت حصادا كأن لم تكن عامرةً بأشجارها وثمارها ونباتها بالأمس كذلك نبين الأدلة والبراهين لمن يتفكرون ويعتبرون.
تفسير آية سورة الكهف:
يفسر البعض آية سورة الكهف بأن الله سبحانه وتعالى شبه الحياة الدنيا بالماء ويستشهدون بقول بعض الحكماء بأن من أوجه الشبه بينهما أن الماء لا يستقر في موضع وكذلك الحياة الدنيا لا تستقر على حال واحد.
كما أن الماء يذهب ولا يبقى وكذلك الدنيا تفنى ولا تبقى، وكما أن الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتل فكذلك الدنيا لا يسلم أحد من فتنتها وآفاتها وأن الماء إذا كان بقدر كان نافعا منبتا، وإذا جاوز المقدار كان ضارا مهلكا وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع وفضولها يضر.
لا أظن أن هذا المعنى الذي ذهب إليه البعض صحيحا، فرب العزة هنا لا يشبه الدنيا بالماء ولكنه يشبه الدنيا بحالة أو صورة متكاملة.
إذ يشبهها بالماء الذي اختلط ببذور الأرض فأخرج نباتات كثيرة مختلفة ألوانها تعجب الزراع وفجأة تصبح هشيما تذروه الرياح وهكذا هي الدنيا.
أما تشبيهها بالماء والاستدلال بأقوال الحكماء فهو تسطيح للتشبيه القرآني عميق الدلالة.
يؤكد المعنى الذي ذهبت إليه قوله سبحانه في الآية الأكثر تفصيلا (24 يونس)
وكذلك الآية (20 الحديد) “اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ” (20 الحديد)
التشبيه هنا كما أشرت تشبيه حالة أو صورة متكاملة وليس تشبيه شيء بشيء.
يقول الشيخ الشعراوي في خواطره حول هذه السورة:
وهذه صورة كما يقولون منتزعة من مُتعدّد. أي: أن وجه الشبه فيها ليس شيئاً واحداً، بل عِدّة أشياء، فإن كان التشبيه مُركّباً من أشياء متعددة فهو مَثَلز
وإنْ كان تشبيه شيء مفرد بشيء مفرد يُسمُّونه مِثْل، نقول: هذا مِثْل هذا، لذلك قال تعالى: “فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأمثال” [النحل: 74] لأن لله تعالى المثل الأعلى.
هل لاحظتم الفرق الدقيق الذي وضع الشيخ الشعراوي يده عليه بين مثل بكسر الميم وتسكين الثاء، ومثل بفتح الميم والثاء؟
مثل بكسر الميم تشبيه شيء بشيء أما مثل بفتح الميم فتشبيه صورة بصورة أو حالة بحالة.
خلاصة التدبر
يمكن أن نقول باختصار أن سورة يونس تصف الدنيا كما يراها المغتر بها، بينما سورة الكهف تصف الدنيا كما هي في ميزان الحقيقة.
في هذا التنوع القرآني تربية للعقل والقلب معًا، العقل ليفهم السنن، والقلب ليزهد في وهم الاغترار بالدنيا، ومن هنا عرضت سورة يونس بمراحلها المختلفة، بينما ذهبت سورة الكهف إلى المآل مباشرة دون تفصيل لا يقتضيه السياق.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.






