د. مجدي قرقر يكتب: هل هناك أهل ذكر في الإسلام أم لا؟
الإسلام لا يعرف الحكومة الدينية المفوضة من الله والتي لها حق اتخاذ القرار بسلطان الدين لأن الإسلام لا يعرف الكهنوتية وليس فيه رجال دين

صورة تعبيرية للمقال
أهل الذكر بين الرسالات السابقة وعلماء الإسلام
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) النحل
تأتي هذه الآيات ردا على المشركين المكذبين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم بحجة أنه بشر وأن الله إذا أراد أن يرسل رسولا أرسل ملكا من عنده ليهدي الناس، هنا يحاجهم الله ولماذا لم تنكروا نبوة إبراهيم وعيسى وموسى من قبل؟،
يوبخ الله سبحانه المشركين “بأنكم إذا كنتم لا تعلمون – رغم أنهم يعلمون – فاسألوا أهل الذكر من أصحاب الكتب (الزبر) والمعجزات (البينات) السابقة إذا كنتم لا تعلمون بهذه الكتب أو البينات”
ومن هنا فالوصل بين الآيتين أولى (صلي)، بل أن صاحب الظلال ذهب في ظلاله إلى عدم الوقف فوضع (لا) بين الآيتين.
إذن فالمقصود هنا بأهل الذكر هم أصحاب الكتب السابقة، يحاجهم الله سبحانه ويقول لهم اسألوا أهل الكتب السابقة هل من أنزل عليهم هذه الكتب كانوا رجالا أم ملائكة أم خلق آخر؟ يحاجهم الله وهو يعلم أنهم يعلمون الإجابة.
ولكن هذا لا يمنع أن يكون في الإسلام “أهل ذكر” حيث ينكر البعض ذلك
هل نقصر مفهوم “أهل الذكر” الذي ورد في القرآن الكريم على أصحاب الرسالات السابقة وننكره على رسالة الإسلام كما يريد “إسلام بحيري”؟ الذي يقول إن مصطلح “أهل الذكر هو أكبر عملية نصب تمت في التاريخ”
أليس علماء الإسلام أهل ذكر؟
إذا كان الله سبحانه في سياق هذه الآية يخص أصحاب الكتب السابقة فهل يقتصر هذا عليهم أم ينتقل إلى أصحاب العلم بالقرآن الكريم؟
الآية التالية (44) الموصولة بسابقتها تخاطب محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ” وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ”
والذكر هنا هو القرآن الكريم ومن يسأله الناس عن الذكر هو رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام الذي أمر بأن يبين الذكر للناس.
وبموت الرسول الكريم فإن من يسأل بعده عن الذكر هو من تعلم منه بيانه ومن تفكر في قرآنه (الذكر) في ضوء ما فهمه وما وصل إليه من تبيان رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن هنا لا يجوز قصر مفهوم أهل الذكر في هذه الآيات على أصحاب الكتب السابقة بل إن مفهوم أهل الذكر يمتد إلى المسلمين الذين تدبروا القرآن وفهموا تبيان رسولهم الكريم الذي نقل إليهم.
يقول صاحب الظلال في تفسير الآية المشابهة في سورة الأنبياء “وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” (الأنبياء 7):
“إن معجزة القرآن معجزة مفتوحة للأجيال، وليست كالخوارق المادية التي تنقضي في جيل واحد، ولا يتأثر بها إلا الذين يرونها من ذلك الجيل.
إن البشرية لم تعرف العرب إلا بكتابهم وعقيدتهم وسلوكهم المستمد من ذلك الكتاب وهذه العقيدة” (انتهى)،
ومن هنا فمعجزة القرآن ممتدة ومتجددة تجدد القرائح التي تتدبر القرآن معجزة الإسلام الخالدة.
هل علماء الإسلام رجال دين؟
هنا يثير المشككون السابقون في وجود أهل ذكر في الإسلام الكثير من الهواجس حول علماء المسلمين الذين نعنيهم بأهل الذكر، ونرد عليهم بقولنا:
إن علماء الإسلام ليسوا علماء سلطة ولا يجوز أن تكون لهم سلطة، كما أنهم ليسوا رجال دين فالإسلام لا يعرف ما يسمى برجال الدين الذين يحكمون بالحكم الإلهي ويستمدون سلطاتهم من الله (الدولة الثيوقراطية).
الإسلام لا يعرف الحكومة الدينية المفوضة من الله والتي لها حق اتخاذ القرار بسلطان الدين لأن الإسلام لا يعرف الكهنوتية وليس فيه رجال دين وإنما فيه علماء دين متخصصون في علوم الدين والذين نعني بهم أهل الذكر في هذا المقال.
لا كهنوت في الإسلام، وعلماء المسلمين وكذلك الحكام ليسوا بمعصومين.
فهذا أول الخلفاء الراشدين أبو بكر الصديق يخطب غداة مبايعته بالخلافة (أيها الناس، إني وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أخطأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم).
أين إذن الحكم بالحق الإلهي الذي يتحفظون عليه؟
من هنا فإن علماء الإسلام ليس لهم قداسة وإن كان هذا لا ينفي أن لهم مكانة، فهم بشر يصيبون ويخطئون.
وعلماء وأئمة المسلمين السابقون – رحمهم الله – يبقى لهم فضل السبق ووضع منهج التدبر والتفكر في القرآن والسنة والحديث بل والعلم التجريبي والذي تعلمته منهم أوربا (المنهج العلمي) وقت أن كانت في عصورها الوسطى المظلمة.
فهل نهدر مكانة علماء السلف السابقين والمحدثين وهل نهدر جهدهم وإسهامهم؟
وهل أمر الله لنا بتدبر القرآن يعني أن نهيل التراب على كل من سبقونا في الزمن ومن سبقونا في امتلاك أدوات العلم والتدبر؟
هل كل من يتدبر القرآن من أهل الذكر؟
لا كهنوت في الإسلام ويؤكد هذا مقولة الشيخين الجليلين الغزالي والشعراوي.
شيخنا الغزالي لا يخشى على الإسلام ممن يفكر ويتدبر ولكنه يخشى عليه ممن لا يفكر لأن إيمانه سيكون ضعيفا، إيمان بدون أساس تجتثه الريح من فوق الأرض.
ويحذر شيخنا الشعراوي ممن يقصرون الإسلام على الشعائر والعبادات فيعزلونه عن حركة الحياة والمجتمع لصالحهم.
ولكن، هل أمر الله لنا بتدبر القرآن يعني أن يكون التدبر مشاعا للجميع وإن لم يمتلكوا أبسط أدواته؟ هل السباحة مباحة للجميع وإن لم يتعلموها؟ أم أن السباحة تحرم على من لم يتعلم العوم، كذلك يحرم الخوض في الدين وفي القرآن لمن لا يمتلك أدوات فهمه؟
من حق كل المسلمين تدبر القرآن وفهم معانيه ولكن بعد تعلم ألف باء كيفية التدبر وامتلاك جزء يسير من أدواتها، وإلا كنا كمن يلقي بشخص في الماء قبل أن يتعلم كيف يسبح.
نفهم القرآن دون تفريط أو إفراط
في مقابل من ينكرون وجود “أهل ذكر” في الإسلام وقصرها على أصحاب الرسالات السابقة، يتطرف البعض بقولهم إن أهل الذكر في الآيات هم أهل الاختصاص في كافة العلوم.
ويدعون أن القرآن فيه إجابة لكل شيء من كيمياء وفلك وطب وهندسة بقوله سبحانه (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)
فإذا قلنا لهم أن سياق الآيات لا يحتمل هذا يقولون وسعوا المعنى ولا تضيقوه، فنرد بقولنا إنه لا يجوز توسيع المعنى بما لا يحتمله النص ولا سياقه.
مقولتهم صحيحة: إذا غم علينا شيء سألنا أهل الذكر (أهل الاختصاص)
وهو معنى صحيح أكده رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله (أنتم أدرى بشئون دنياكم)، معنى صحيح ولكن سياق الآية لا يحتمله فلا يجوز تحميل النص القرآني به.
الخلاصة
أهل الذكر في الآيتين (43، 44) سورة النحل هم أصحاب الكتب السابقة
ويمتد المفهوم إلى نبي الإسلام وعلماء المسلمين من بعده
فلا يجوز أن نقر بها لأصحاب الكتب السابقة وننكرها على المسلمين؟
كما لا يجوز أن ندعي أن المقصود بها في الآيات أهل الاختصاص في كل العلوم، حتى وإن كانت المقولة صحيحة لأن آيات القرآن وسياقها لا يحتمل ذلك.






