قصة سالم أبو رخا : إبتسامة ضحى
كانت أمي تواسيني فتقول : "الحب اسمه الحقيقي القسمة والنصيب" رأيتُ موكبها يمر من أمام المقهى الذي كنت أجلس عليه

الصورة للفنان الشاعر والصحفي طارق سعيد أحمد
في غرفتي بالقاهرة، لا يسكنني الصخب، بل يسكنني صمتٌ يشبه صمت القبور التي لم تُفتح منذ دهر.
هنا في “المنيرة” البيوت متلاصقة كأنها تخاف الوحدة، والشوارع ضيقة لدرجة أن الجار يشم رائحة قهوة جاره، وهمس الأسرار، ومع ذلك، أشعر أنني أعيش في جزيرة مقطوعة.
كلما اشتد بي الحنين، أغمض عينيّ، فتأتيني “دسوق”.
لا تأتيني كخريطة، أو ذكريات أيامي التى كانت ، بل كرائحة؛ رائحة الطمى المبلل في صباحات الشتاء، وخضروات جزيرة الرحمانية وصوت القطار القادم من دمنهور، ورائحة الياسمين البلدي الذي كان يتدلى من شرفة بيت “ضحى”.
كانت “دسوق” في ذلك الزمن مدينة صغيرة بما يكفي لنعرف أسماء القطط في الشوارع، وكبيرة بما يكفي لتتسع لأحلامنا التي لم تكتمل.
(ياظالمني) قصة قصيرة لمنى شماخ
مضيق النار والبلور ( قصة قصبرة )
(جمهورية الشبشب) قصة محمود عبد السلام
كنتُ وضحى نمشي على شاطئ النيل،
النيل هناك هادئ، ينساب كأنه يخاف أن يوقظ النائمين
كانت تقول لي: “يا رياض، النيل هنا لا يجري، هو فقط يراقبنا، أحيانا يبتسم، واحيانا حزين “
كنت أضحك وأقول لها إن النيل يعرف أسرارنا كلها، لذلك يبتسم ويحزن ويضيق .
اليوم، أنا هنا في القاهرة، والنيل أمامي يندفع بجنون كأنه يحاول الهروب من المدينة، وأنا مثل نيل “دسوق”. أقف مكاني، أراقب السنين وهي تمر، وأصمت.
مرت عشر سنوات على ذلك اليوم الذي انكسر فيه كل شيء.
اليوم الذي زُفت فيه “ضحى” لغيري.
لم يكن رجلاً شريراً، كان فقط “النصيب” الذي نتحجج به حين نعجز عن المواجهة.
كانت أمي تواسيني فتقول : “الحب اسمه الحقيقي القسمة والنصيب” رأيتُ موكبها يمر من أمام المقهى الذي كنت أجلس عليه.
لم أبكِ الرجال في عائلتنا لا يبكون أمام الناس، لكنني شعرتُ بشيء ما في داخلي ينخلع، كأن شجرة جميز عتيقة اقتُلعت من جذورها.
غادرتُ “دسوق” في اليوم التالي.
حملتُ حقيبة صغيرة، وكتباً مهترئة، وقلباً مثقوباً.
جئتُ إلى القاهرة لأضيع فيها، فالمدن الكبيرة خير مخبأ للمهزومين.
عملتُ في ماسبيرو في قسم الأرشيف، أغرق في الأوراق والملفات، أبحث عن ملامح “ضحى” في الوجوه العابرة، وأفشل في كل مرة.
في مساء هذا اليوم، كنتُ أجلس في مقهى “فيينا”
المقهى الذي يحمل عبق المثقفين الراحلين والقصص التي لم تُحكِ.
كانت السماء تمطر رذاذاً خفيفاً يذكرني بأيام “سيدي إبراهيم الدسوقي” في الشتاء، حين كنا نلتمس الدفء في الزحام.
كان بجانبي شاب وفتاة، يبدو أنهما في أول عهدهما بالحب.
كان الشاب يحاول إبهارها، فأخرج من حقيبته عصفوراً صغيراً مصنوعاً من الورق، وبدأ يحركه ببراعة كأنه يطير.
ضحكت الفتاة ضحكة مجلجلة، صافية، ذكرتني بضحكة “ضحى” حين كنتُ أصنع لها مراكب الورق ونطلقها في النيل.
في تلك اللحظة، حدث ما لم يكن في الحسبان. غفلت حراستي المشددة على قلبي.
انفرجت أساريري، وشعرتُ بدفء يسري في وجهي، وخرجت مني ضحكة خافتة، حقيقية، وربما طويلة بعض الشيء.
ضحكتُ على براءة الشاب، وعلى فرحة الفتاة، وعلى الحياة التي لا تزال قادرة على إنتاج الجمال برغم كل المقابض الحديدية التي تحيط بقلبي.
لكن، ما إن تلاشت الضحكة من على شفتي، حتى شعرتُ ببرودة مفاجئة، كأنني سقطتُ في بئر سحيقة.
تجمدت ملامحي.
نظرتُ حولي بذعر كأنني ارتكبتُ جريمة قتل في وضح النهار
. كيف تجرأت؟ كيف استطعتُ أن أبتسم بينما “ضحى” غائبة؟ كيف سمحتُ لقطعة من الفرح أن تقتحم حصن حزني المقدس؟
أخرجتُ مفكرتي الصغيرة، يدي كانت ترتجف. كتبتُ فيها كلمات شعرتُ أنها تُنحت في لحمي:
“تصدقي يا ضحى.. تصدقي مرة نسيتك وابتسمت.”
شعرتُ بالخزي. الابتسامة كانت “خيانة”
خيانة لليالي التي قضيتها أعدّ النجوم في سماء “دسوق” وأنا أتخيل وجهها.
خيانة للعهد الصامت بأنني لن أسعد أبداً طالما أنها ليست بجانبي.
شعرتُ أنني بابتسامتي تلك قد أعطيتُ للنسيان تصريحاً بالدخول.
إذا بدأتُ أبتسم اليوم لطيور الورق، فربما غداً سأنسى لون عينيها، وبعد غد سأنسى نبرة صوتها وهي تناديني “يا رياض”
الحزن ليس ضعفاً، بل هو نوع من المقاومة.
وأنا اليوم كنتُ أقاوم بالندم.
الندم هو الطريقة الوحيدة التي أسترد بها وفائي لضحى.
“تصوري إني على البسمة ندم”
لقد استعدتُ الآن جرحي ، واستعدتُ معه “ضحى”.
الآن فقط، يمكنني أن أنام بسلام، وأنا أعرف أنني لا أزال
وفي لخرابي الجميل.




