مقالات
السفير معصوم مرزوق
السفير معصوم مرزوق

دبلوماسي وسفير سابق

معصوم مرزوق يكتب: العجز عن مجرد الثرثرة

العمل الفني أكثر خلوداً من أي عمل آخر ، فالأهرامات أمامنا حتي اليوم ولكن أين الملوك الذين أمروا ببنائها

مشاركة:
حجم الخط:

أستخدمت في الكثير من مقالاتي عبارة لبريخت يقول فيها : ” أن الحديث عن الأشجار يوشك أن يكون جريمة ، لأنه يعني الصمت علي جرائم أشد هولاً ” ولا زلت أري ذلك صحيحاً إلي حد كبير ، خاصة في الزمن الذي تشابه فيه البقر علي الناس، تماماً مثلما تشابه الناس علي البقر !

ولكن لا بأس من الصعود فوق الشجرة من حين لآخر ، خاصة وأن تراثنا البديع يغني أغنية شعبية طريفة تقول بعض كلماتها : ” يا طالع الشجرة ، هات لي معك بقرة !! ”  بما يؤكد أن موضوع الشجر والبقر له دلالات خفية وإشارات ذات معني لأولئك الذين يرون أن للألفاظ معني ودلالة ..

العمل الفني أكثر خلوداً من أي عمل آخر ، فالأهرامات أمامنا حتي اليوم ولكن أين الملوك الذين أمروا ببنائها ؟ 

والفنان في أي عصر هو ضمير المجتمع الإنساني الذي يعيش فيه ، هو خلاصة ثقافة العصر والمجتمع، وهو بشكل ما ” زرقاء اليمامة ” التي يمتد بصرها إلي ما وراء المرئي القريب.

معصوم مرزوق يكتب: هدنة قلقة مقلقة

معصوم مرزوق: ملحمة الغبي وملاحم المستقبل!

أنت من بلد نجيب مجفوظ 

كلما تفاعل الفنان مع مجتمعه وعاش فيه ومعه ومن أجله حتي النخاع، كلما زادت قيمة أعماله الفنية، وهذه هي التوليفة التي أخرجت أعمال مبدعنا العظيم نجيب محفوظ الذي وصلت كلماته إلي الملايين بأغلب لغات الأرض.

لن أنسي ذات يوم أثناء وجودي في مونتفيديو حين هتفت إحدي الفتيات : ” أنت من بلد نجيب محفوظ .. أنت محظوظ! ” 

لقد أدهشني أنها لم تقل مثلاً أنني من بلد الإهرامات، أو النيل، أو من بلد سعد زغلول، أو عبد الناصر  فهي قد عرفتني وعرفت بلدي عن طريق ” نجيب محفوظ. ” 

مواقف لا تحتمل الفن 

لقد كان ” بريخت ” يعني في عبارته التي أستعرتها كثيراً ، أن ” الفن ” قد لا يكفي في أزمنة معينة، أي أن ” اللغة غير المباشرة ” لا تحتملها بعض المواقف، وأن الحديث عن “الأشجار ” قد يكون جريمة.

إذا كان يعني الصمت علي جرائم موت الناس جوعاً مثلاً، هل يستسيغ أحد الغناء في سرادق للعزاء ؟!

الفن من أجل الفن 

إلا أن ذلك يثير من ناحية أخري إشكالية علاقة ” الجمال ” بالأزمة، حيث قد يري الكثيرون من ناحية أن الفن له دوره الترويحي للبشر، وأنه علاقة جدلية بين عبقرية الفنان وتراثه الجمالي وبين الطبيعة لا أكثر ولا أقل، وقد تبسط البعض وأطلقوا علي ذلك عبارة : ” الفن من أجل الفن” 

الفن من أجل المجتمع 

من ناحية أخري قد يري الكثيرون أن الفن له وظيفة إجتماعية تتجاوز مجرد التذوق الفني.

الفنان يحمل رسالة تجاه المجتمع الإنساني الذي يعيش فيه.

ويصل البعض من أنصار هذا التوجه إلي أن الفن يجب أن يكون تحريضياً محفزاً نحو الأفضل ، أو منحازاً إلي الأضعف والأقل حظاً.
وتوالت النظريات التي تؤسس لهذا وذاك ، فتارة رومانسية وتارات أخري واقعية وما بعد واقعية وتكعيبية .. إلخ 

العمل الفني واصل لوجدان المجتمع 

أن الفنان يمكنه عن طريق إبداعاته أن يحقق ما يعجز عنه الخطباء والبلغاء من أهل السياسة والإجتماع، حيث أن العمل الفني يشق طريقه بسهولة إلي وجدان المتلقي، يعيد تشكيله من جديد، يوقظ فيه إحساسه النائم، يحرك فيه زلزال الجمال الذي لا يطيق القبح أياً كان شكله أو موضوعه.

الفنان والظرف الاجتماعي 

إلا أنه يجب أن نستدرك علي الفور بأن ذلك يتوقف علي اللحظة التاريخية التي يمر بها أي مجتمع إنساني.

فإذا كان هذا المجتمع قد وصل إلي لحظته التاريخية الحرجة، ووقف حائراً عند مفترق طرق.

فأن المثقف بوجه عام، والفنان بوجه أخص يجب أن يوظف كل طاقاته الذهنية وخبراته المخزونة من أجل أن يشير بوضوح وصدق إلي الطريق الصحيح ، بدون مداورة أو مراوغة تزيد التيه تيهاً، أو تقود الناس إلي الضياع.

الفنان في زمن الفتنة 

ما أصعب الحياة علي الفنان في زمن الفتنة، فهو إن أكتفي بالإبداع قتله شعوره بالإحباط لعجزه عن التغيير، وهو إن أتخذ موقفاً قتله من وقفوا علي الناصية الأخري، وهو إن صمت وسكن صار جثة باردة.

أنه مقتول في كل الأحوال، وبالتالي فليس لديه سوي حرية الإختيار بين أنواع موته المحقق، والموت المعنوي هو أبشع أنواع القتل !

لنقذف السائرين بالطوب لعلهم 

أما وقد تشابه البقر علي القوم ، فلا مناص من الجلوس فوق الشجر وقذف السائرين بالطوب وممارسة العبث ، فلعل إنسان يرفع رأسه في هذا الزمن الجلوبالي ويفكر.

  لعل إنسان يكتشف أن العالم قد صار علي شفا جرف هاو، فيلتفت ويحذر، وربما سمعه أحد 
أن ينابيع الفن تجف حين تنتحر المعاني.

ويصبح الإبداع قريناً للعنقاء والخل الوفي ممتنعاً إلي درجة الإستحالة، ويتحول الفنان إما إلي بهلوان في بلاط السلطان، وإما نزيل في مصحة عقلية أو زنزانة، شارداً يقرض أظافره في إنتظار الذي لا يجيئ، مثله مثل الآخرين .

هذا ليس مقالاً يهوم في المطلق ، وإنما يبحث عن علامات إرشاد في زمن تختنق همسة الأمل وصرخة الخلاص أو حتي صرخة الألم ..

شارك المقال: