د. محمد فؤاد يكتب: لبنان بين وهم الحياد وحقيقة الميدان
هذا اللقاء، الذي تصفه الرئاسة اللبنانية بكونه "بحثاً عن وقف إطلاق النار" بينما يعلنه الجانب الإسرائيلي كمقدمة لـ "مفاوضات سلام رسمية"، يأتي في توقيت انتحاري؛ حيث يعيش الشارع اللبناني استنفاراً طائفياً بلغ ذروة الغليان

صورة تعبيرية من وحي المقال
فخ “الثلاثاء” في واشنطن
بينما تقف العاصمة الأمريكية واشنطن على أعتاب “صباح الثلاثاء” المثير للجدل، حيث من المقرر أن تشهد أروقة الخارجية الأمريكية أول لقاء مباشر بين سفيرة لبنان “ندى حمادة” وسفير كيان الاحتلال “يحئيل ليتر”، تندفع الدولة اللبنانية نحو حافة الهاوية تحت وطأة “اشتباك المسارات”.
هذا اللقاء، الذي تصفه الرئاسة اللبنانية بكونه “بحثاً عن وقف إطلاق النار” بينما يعلنه الجانب الإسرائيلي كمقدمة لـ “مفاوضات سلام رسمية”، يأتي في توقيت انتحاري؛ حيث يعيش الشارع اللبناني استنفاراً طائفياً بلغ ذروة الغليان، تغذيه تصريحات رئاسية من بعبدا تُلوح بـ “حظر السلاح” القسري وصدام مباشر مع المقاومة، وهو ما يضع الجيش اللبناني في مواجهة فخ “الحرب الأهلية” برعاية دولية.
إن “تفاهمات واشنطن” المرتقبة، التي تتم بالتوازي مع ضغوط أمريكية لربط المساعدات العسكرية بتفكيك البنية التحتية للمقاومة، لا تستهدف فقط الجغرافيا الحدودية، بل تستهدف تجريد لبنان من هويته القتالية وتحويله إلى “كيان إداري” منزوع المخالب في مواجهة أطماع لا تشبع.
لبنان في مواجهة “الإملاءات الأمريكية” العارية
مع الإعلان الرسمي عن انهيار وساطة إسلام آباد وفشل المساعي التي قادها “شهباز شريف” لتقريب وجهات النظر الإقليمية، تبددت آخر أوهام “التبريد الدبلوماسي”، ليجد لبنان نفسه وحيداً في مواجهة العاصفة بواشنطن صباح الثلاثاء.
هذا الفشل الذريع للوساطة الباكستانية لم يكن مجرد تعثر دبلوماسي، بل كان إشارة خضراء للإدارة الأمريكية للانتقال من “لغة الوساطة” إلى “لغة الإملاءات”، حيث تشير التقارير الواردة من الكابيتول هيل إلى أن السفيرة “ندى حمادة” ستواجه مسودة اتفاق إسرائيلية مدعومة أمريكياً تفرض “استسلاماً سيادياً” كاملاً تحت مسمى القرار 1701 المحدث.
في بيروت، تسبب سقوط المظلة الإقليمية في حالة من الذعر السياسي داخل السراي الحكومي؛ إذ بات رئيس الوزراء نواف سلام مكشوفاً تماماً أمام القوى الميدانية، بعدما راهن على غطاء دولي يشرعن إجراءاته الأخيرة بحصر السلاح.
د. محمد فؤاد يكتب … لبنان تحت النار
د. محمد فؤاد يكتب: همجية جنكيز خان ورعونة ترامب
د. محمد فؤاد يكتب: حرب الإبادة الإسرائيلية ضد الصحافة
د. محمد فؤاد يكتب: ميلانيا ترامب في دائرة الضوء
قراءة في صدام الهوية والسلاح
منذ استقلال لبنان، والجدل يدور حول دوره الوظيفي في المنطقة. هل هو “سويسرا الشرق” الهادئة المنعزلة عن محيطها (كما تشتهي باريس)، أم هو “قلعة المقاومة” وجبهة الإسناد الأمامية؟
التصريحات الأخيرة لرئيس الجمهورية حول حظر سلاح حزب الله، حتى لو أدى ذلك لصدام مع الجيش، تفتح الباب أمام مواجهة ليست مع الحزب كفصيل، بل مع “الواقع اللبناني” الذي تشكل عبر عقود.
هل يكرر التاريخ انتحاره الجيوسياسي ؟
في ذكرى اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية التي استعرت نيرانها في 13 أبريل 1975، يطل “شبح الانقسام” مجدداً بوجوه دبلوماسية هذه المرة؛ فما شهده لبنان بين يومي 8 و9 إبريل من العام الجاري لم يكن مجرد تخبط في أروقة السراي، بل هو “جريمة إنكار” موصوفة للواقع يدفع ثمنها اللبنانيون من دمائهم وأمنهم القومي.
فحين خرج رئيس الحكومة نواف سلام، وفي توقيت يضج بذاكرة الاقتتال الداخلي، معلناً “رفض” إدراج لبنان ضمن حزمة التفاهمات الإقليمية الكبرى بين إيران والولايات المتحدة، لم يكن يمارس ترف القرار السيادي، بقدر ما كان يحاول “اغتيال الجغرافيا” لصالح أوهام العزلة التي أحرق شرارتها الأولى “بوسطة عين الرمانة”.
لبنان قدر وقلب الاشتباك الحتمي
إن محاولة ( سلام – عون ) تصوير لبنان كـ “جزيرة معزولة” قادرة على النأي بنفسها عن اشتباك المحاور الكبرى، هي محاولة بائسة لتزييف حقائق الكون؛ فلبنان، بحكم الانتماء والدين والاحتلال الصهيوني الجاثم على صدر حدوده منذ السبعينيات، لم يكن يوماً “خياراً” بل هو “قدر” وقلب الاشتباك الحتمي.
إن التناقض الصارخ بين تصريحات سلام التبريرية وبين نذر الانفجار الطائفي الذي يلوح في الأفق اليوم، يثبت أن “السيادة الورقية” التي تُبشر بها الحكومة هي الوصفة المثالية لتكرار مأساة 13 أبريل، ما لم يدرك الساسة أن حماية بيروت لا تمر عبر بوابات “الإنكار”، بل عبر الاعتراف بأن خندق المواجهة هو الضامن الوحيد لعدم تحول لبنان مجدداً إلى ساحة لتصفية حسابات الغرباء.
ولم تأتِ “مجزرة العشر دقائق” التي حصدت نحو 1500 بين قتيل وجرح إلا لتصفع هذه العقلية الطائفية الضيقة؛ إذ لم تمضِ دقائق على تصريح “سلام” حتى أثبتت آلة القتل الصهيونية أن لبنان جزء من الميدان سواء اعترف سادته بذلك أم أنكروا.
الأرتداد المذل للحكومة اللبنانية
إن الارتداد المذل للحكومة اللبنانية في اليوم التالي للمطالبة بما رفضته بالأمس، يكشف زيف السردية التي تحاول تصوير المقاومة كـ “عدوان”، بينما الحقيقة التاريخية تؤكد أنها رد فعل موضوعي وأصيل على احتلال لم تكن اتفاقات الصالونات لتردعه يوماً.
إن محاولة فصل لبنان عن واقعه الجيوسياسي ليست سوى مقامرة بدماء اللبنانيين، وإنكاراً لحق مغتصب لا يُسترد ببيانات الدبلوماسية “الناعمة”.
صراع الهوية والوظيفة
إن الصراع الراهن بين “قصر بعبدا” والضاحية ليس وليد الصدفة ، وليس وليد تصريح عابر، بل هو انفجار لدمامل صراع “الهوية والوظيفة” الذي بدأ يتجذر منذ مطلع التسعينيات.
في ذلك الوقت، برز مشروع رفيق الحريري (الحريرية السياسية) القائم على “لبنان الشركة”، أي تحويل البلاد إلى مركز مالي وخدماتي عالمي، وهو مشروع يتطلب بالضرورة استقراراً أمنياً مطلقاً ونزعاً لأي فتيل قد يستفز الخارج.
في المقابل، كان مشروع حزب الله (المقاومة الإسلامية) يتبلور كـ “لبنان الخندق”، منطلقاً من أن أي إعمار تحت ظلال التهديد الإسرائيلي هو إعمار هش، وأن “سلاح المقاومة” هو الضامن الوحيد للسيادة.

من “دولة الطائف” إلى “دولة المقاومة”
إن الصدام الراهن بين مؤسسة الرئاسة والمقاومة هو “الذروة” لانفجار بدأ فتيله منذ لحظة توقيع اتفاق الطائف.
نحن لا نتحدث عن خلاف سياسي، بل عن دولتين داخل جغرافيا واحدة، لكل منهما مرجعيتها وقاموسها السيادي:
المرحلة الأولى: تسعينيات “الثنائية القلقة” (الحريري- نصر الله)
مع مطلع التسعينيات، دخل لبنان في معادلة “توزيع الأدوار” برعاية سورية. برز مشروع رفيق الحريري القائم على “لبنان الواجهة”، الذي يعتمد على المديونية الضخمة وإعادة الإعمار لجذب الاستثمارات، وهو ما يتطلب بيئة “منزوعة البارود”.
في المقابل، كان حزب الله (خاصة بعد تولي السيد حسن نصر الله الأمانة العامة في 1992) يرسخ مشروع “لبنان القاعدة”، معتبراً أن إعمار الحريري هو “تخدير” للشعب عن واقعه كمحتل.
هذا الصدام الصامت تجلى في “مجزرة جسر المطار” 1993، حين قمعت حكومة الحريري متظاهري الحزب الرافضين لاتفاق أوسلو، وسقط أول دم داخلي يوثق الفجوة بين “شرعية الدولة” و”شرعية البندقية”.
المرحلة الثانية: التحرير والقرار 1559 (الصدام المباشر)
بعد اندحار الاحتلال عام 2000، سقطت ذريعة “السلاح للتحرير” في نظر فريق الحريري، وبدأ الضغط الدولي يتشكل عبر القرار 1559 (عام 2004) الذي طالب بنزع سلاح الميليشيات.
هنا تحول الصراع من “خلاف رؤى” إلى “معركة وجود”؛ الحريري رأى في القرار فرصة لاستعادة الدولة، بينما رآه الحزب “مؤامرة دولية” تهدف لتجريد لبنان من قوته لصالح إسرائيل.
المرحلة الثالثة: اغتيال رفيق الحريري
لم يكن تفجير منطقة “السان جورج” في 14 فبراير 2005 و هو الاسم الذي ارتبط بأضخم عملية اغتيال سياسي في تاريخ لبنان الحديث. يقع الفندق في منطقة “عين المريسة” على واجهة بيروت البحرية، وهي النقطة التي استُهدف فيها موكب رفيق الحريري بشاحنة مفخخة تحتوي على أكثر من 1000 كجم من المتفجرات، مما أدى إلى إحداث حفرة هائلة وتدمير المنطقة المحيطة بالكامل.
لم تكن مجرد عملية اغتيال استهدفت جسد رفيق الحريري، بل كان “انفجاراً كونياً” أطاح بالركائز الهشة لـ “لبنان الطائف”.
هذا الزلزال الذي هزّ واجهة بيروت البحرية، كان بمثابة الطلقة الأولى في “حرب الهويات” التي شطرت البلاد عمودياً، ونقلت لبنان من مرحلة “التعايش القلق” تحت الوصاية إلى مرحلة “المواجهة المفتوحة” بين مشروعين:
لبنان “السان جورج” (14 آذار):
الذي اتخذ من دماء الحريري ومن المكان رمزاً لمشروع “الدولة المدنية” المستندة للشرعية الدولية والمطالبة بخروج السوري ونزع سلاح المقاومة فوراً، معتبرة أن السلاح هو المعطل الحقيقي للاستقرار والإعمار.
لبنان “الخنادق” (8 آذار):
الذي رأى في توقيت الاغتيال والمطالبة الدولية بنزع السلاح “مؤامرة” تهدف لتصفية عناصر القوة اللبنانية لصالح إسرائيل، معتبراً أن “المحكمة الدولية” التي ولدت من رحم أنقاض السان جورج ليست سوى مقصلة سياسية استخباراتية.
المحكمة الدولية و”7 أيار”: حين هزمت “شرعية البندقية” “سلطة الأوراق”
لم تكن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في لاهاي مجرد إجراء قضائي، بل تحولت إلى “غرفة عمليات سياسية” بامتياز، فجّرت لغماً في قلب النسيج اللبناني:
بالنسبة لحزب الله، كانت المحكمة “مشروعاً صهيونياً بعباءة دولية”. لم يرَ فيها الحزب سعياً للحقيقة، بل رأى فيها محاولة لتطويق المقاومة قانونياً بعد الفشل في تطويقها عسكرياً في حرب تموز 2006. خاصة عندما بدأت التسريبات والاتهامات تشير إلى عناصر من الحزب، مما جعل السلاح يتحول من وظيفة “الدفاع ضد إسرائيل” إلى وظيفة “الدفاع ضد الاتهام الدولي”.
في المقابل، استثمر فريق “14 آذار” (ورثة الحريري) في المحكمة كأداة وحيدة لتقليص نفوذ الحزب داخلياً وإخراجه من دائرة “القداسة القتالية” إلى دائرة “الاتهام الجنائي”.
انفجار “7 أيار 2008”:
وصل هذا التوتر إلى ذروته عندما اتخذت حكومة فؤاد السنيورة (بإيعاز مباشر من المحور الداعم لها) قرارين وصفهما الحزب بـ “إعلان حرب”:
• تفكيك شبكة الاتصالات السلكية الخاصة بالمقاومة (وهي العمود الفقري التقني لإدارة المعارك مع إسرائيل).
إقالة رئيس جهاز أمن المطار العميد وفيق شقير (المقرب من الحزب).
كان رد المقاومة صاعقاً وميدانياً، حيث اجتاحت عناصرها بيروت عسكرياً في 7 أيار، معتبرة أن “سلاح الإشارة هو جزء من سلاح المقاومة”.
هذا اليوم لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل كان “إثباتاً عملياً” وقاسياً بأن “قوة الميدان” قادرة على سحق “قوة الورق” الحكومية في ساعات. لقد سقطت هيبة الدولة وقراراتها الإدارية أمام واقع القوة الصلبة، مما أدى لاحقاً إلى “اتفاق الدوحة” الذي كرس مبنى “الثلث المعطل” ومنح الحزب فيتو شرعياً داخل مؤسسات الدولة.
انتصار الجغرافيا على أوهام “الحياد”
إن ما يرفض ساسة لبنان استيعابه، من “قصر بعبدا” إلى “السراي الحكومي”، هو أن لبنان لم يكن يوماً خياراً سياسياً قابلاً للتعديل، بل هو قدرٌ جيوسياسي محتوم.
إن محاولة تصوير المقاومة كـ “عدوان” أو كجسم طارئ على الدولة هي سردية تتجاهل عمداً حقائق التاريخ؛ فالمقاومة في لبنان هي رد فعل “موضوعي” وقانوني على احتلال غاشم بدأ منذ السبعينيات وفرضته جغرافيا الصراع والدين.
“إن إنكار الواقع هو أقصر الطرق لتدمير الأوطان، والجغرافيا دائماً ما تنتصر على الأيديولوجيا.”






