أحمد رجب شلتوت: تحولات المجتمع المصري من خلال ثقافة الكاسيت
لم يكن شريط الكاسيت من وجهة نظره مجرد وسيط تقني، ولكنه كان أداة أسهمت في إعادة تشكيل العلاقة بين السلطة والجمهور، بين المركز والهامش، بين الثقافة الرسمية والثقافة الشعبية

غلاف كتاب إعلام الجماهير
باحث أمريكي يرصد في كتاب إعلام الجماهير
ينجح كتاب “إعلام الجماهير: ثقافة الكاسيت في مصر” للمؤرخ الأمريكي أندرو سايمون، (صدر عن دار الشروق بالقاهرة -2025، بترجمة رائعة لبدر الرفاعي) في تحويل بتفصيلة صغيرة من تفصيلات الحياة اليومية.
وهي رواج شرائط الكاسيت في مصر، إلى مدخل واسع لقراءة تحولات عميقة شهدها المجتمع المصري خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.
يكشف من خلال هذه القراءة عن تاريخ موازٍ لا تسجله الوثائق الرسمية، بل تحفظه الأصوات المنفلتة من قبضة الدولة.
لم يكن شريط الكاسيت من وجهة نظره مجرد وسيط تقني، ولكنه كان أداة أسهمت في إعادة تشكيل العلاقة بين السلطة والجمهور، بين المركز والهامش، بين الثقافة الرسمية والثقافة الشعبية، ووضعت حجر الأساس لما نشهده اليوم من فوضى إعلامية في عصر الإنترنت.
كتاب جديد (النهار والشجن): إطلالات على عالم أسامة أنور عكاشة
أحمد رجب شلتوت يكتب: حينما يعيد الإبداع صياغة الهوية
أرشيف الظل
يشير مفهوم “أرشيف الظل”، في الكتاب تلك المواد غير الرسمية: أشرطة كاسيت، صور شخصية، مجلات، تسجيلات منزلية، وغيرها من المواد التي تقع خارج الأرشيف المؤسسي
هو بذلك يقترح، ضمنيًا، أن التاريخ الحقيقي للمجتمعات لا يوجد في الوثائق، ولكن فيما يُتداول يوميًا، وبالتالي يقترب من تقاليد الأنثروبولوجيا الثقافية، حيث يتعامل مع الأشياء بوصفها حوامل للمعنى.
من هنا يضع يده على التحول الأهم الذي أحدثه الكاسيت، متمثلا في تفكيك مركزية الإنتاج الثقافي.
فقبل ظهوره، كانت الإذاعة والتلفزيون الحكوميان يحتكران ما يُسمع، ويحددان الذوق العام، ويقرران من يمكنه الوصول إلى الجمهور.
لكن مع الكاسيت، أصبح بالإمكان نسخ الأشرطة وتوزيعها، وصار أي فرد قادرًا على التسجيل، وبالتالي، وبالتالي تحولت الثقافة من منتج مركزي إلى شبكة يتم تداولها شعبيا.
لم يعد الجمهور مجرد متلقٍ، بل صار منتجًا وموزعًا في الوقت نفسه، وهكذا تجسدت فكرة ديمقراطية الوسائط، التي قلصت من سلطة الدولة على الصوت، وهو ما سيصبح فيما بعد أحد أهم سمات العصر الرقمي.

الكاسيت والانفتاح
يربط سايمون بين انتشار الكاسيت وسياسات الانفتاح الاقتصادي في عهد السادات، حيث أدى تدفق السلع، وعودة العمالة من الخارج، إلى انتشار أجهزة التسجيل بشكل واسع.
فتحول الكاسيت إلى علامة اجتماعية، إذ أصبح مؤشرا على الرفاهية، وجزء من الهوية الاستهلاكية الجديدة، وفي نفس الوقت
أسهم انتشاره في صنع سوق ثقافية موازية، حيث تضاعف عدد شركات الكاسيت بشكل هائل، تلاها
ظاهرة القرصنة ثم نشوء اقتصاديات جديدة خارج الإطار الرسمي.
أيضا يعيد الكتاب قراءة الصراع حول ما أطلق عليه الفن الهابط، فمثلا النقد الذي وُجّه إلى أشرطة الكاسيت، خاصة المرتبطة بأغاني المطرب الشعبي أحمد عدوية، يراه سايمون صراعًا على السلطة الثقافية.
فالنخب التي اعتادت التحكم في الذوق العام، وجدت نفسها أمام موجة لا يمكن ضبطها، أصوات جديدة غير مرخص لها.
جمهور واسع يتبنى هذه الأصوات، وانتشار لا يمكن السيطرة عليه، وبالتالي فوصف هذا الفن بالهابط لم يكن حكما نقديا بقدر ما كان أداة إقصاء.
أيضا يشير الكتاب إلى أن انتشار الكاسيت أدى إلى ما اعتبره البعض تلوثًا سمعيًا، نتيجة كثافة الأصوات في الفضاء العام.
لكنه كان في حقيقته تعبيرا عن حضور الجماهير في المجال العام، وكسرا للصمت الذي تفرضه السلطة، وبالتالي يمكن اعتباره ديمقراطية صوتية في طورها الخام.
المعارضة في شرائط
يتوقف الكتاب مطولًا عند ظاهرتين صوتيتين شكّلتا، كلٌّ بطريقته، ضميرًا موازياً للخطاب الرسمي، وهما الشيخان كشك وإمام.
فمن خلال صوتيهما تحول الكاسيت إلى أداة اشتباك حيّ مع الواقع، وإلى وسيلة لإنتاج خطاب بديل يغزو البيوت والمقاهي، بعيدًا عن رقابة الدولة ومؤسساتها.
الشيخ كشك، واعظ كفيف حقق صوته حضورا طاغيا تجاوز حدود المسجد.
مزجت خطبه بين السخرية اللاذعة والنقد الاجتماعي والسياسي المباشر، ووجدت في الكاسيت وسيلتها المثلى للانتشار.
الكاسيت هنا أعاد تشكيل العلاقة بين الخطيب والجمهور، فأصبح صوت الخطيب قابلًا للتداول، ولإعادة التأويل.
مما منحه قدرة على الاستمرار والتراكم، وبالتالي تحولت خطبه إلى ما يشبه “أرشيفًا شعبيًا” للنقد، يُستدعى في كل لحظة توتر سياسي أو اجتماعي.
كذلك وجدت تجربة الشيخ إمام، في الكاسيت قناة انتشار مثالية، خاصة في ظل التضييق الرسمي على هذا النوع من الغناء.

الكاسيت هنا أصبح ناقلا للموقف وليس للصوت فقط.
يتمثل القاسم المشترك بين التجربتين من وجهة نظر الكتاب هو قدرتهما على استثمار هامش الحرية الذي أتاحه الكاسيت.
الفارق الجوهري بينهما يكمن في طبيعة الخطاب، فكشك يشتبك مع السلطة من داخل خطاب وعظي تقليدي في شكله، متمرد في مضمونه.
بينما إمام يقدم خطابًا غنائيًا صريحًا في احتجاجه، ينتمي إلى تقاليد الشعر العامي المقاوم.
ومع ذلك، فإن الكاسيت نجح في الجمع بينهما داخل الفضاء السمعي نفسه، بحيث يمكن لشريط واحد أن يجمع بين الخطبة والأغنية، في توليفة تعكس تعقيد المزاج الشعبي المصري.
مغامرة منهجية
يتميز الكتاب بالجمع بين التاريخ الاجتماعي والأنثروبولوجيا والسرد الصحفي، وهذا يمنحه حيوية واضحة.
لكنه في الوقت نفسه قد يطرح تساؤلات حول حدود الدقة الأكاديمية، خاصة في ظل اعتماده بشكل كبير على مصادر غير تقليدية.
لكن هذه المغامرة المنهجية تمثل انعكاسا لفكرة الكتاب، فإذا كان الواقع معقدًا ومتشظيًا، فإن أدوات البحث التقليدية لن تكون كافية لمقاربته.
وأخيرا فرغم أهمية الكتاب وما بذل فيه صاحبه من جهد إلا أنه تناول ثنائية الرسمي والشعبي بتبسيط شديد، وهي ثنائية معقدة بطبيعتها كانت تستلزم بحثا أعمق.
كذلك بالغ في الاعتماد على مركزية الكاسيت ومال إلى تعميمها، بحيث يبدو وكأن كل التحولات الاجتماعية ترجع إلى هذا الوسيط.
وهو ما قد يُغفل عوامل أخرى، كذلك لا يمكن افتراض أن تأثير الكاسيت كان متساويًا في كل البيئات الاجتماعية.





