ملف تحليلي: ليبيا من الاستقلال إلى الانقلاب (11)
حين أُعلن استقلال ليبيا عام 1951، لم يكن إدريس يدخل قصرًا ملكيًا مترفًا، بل يحمل عبئًا سياسيًا ثقيلًا، دولة بلا موارد كافية آنذاك، وبلا إدارة متمرسة،

بقلم د. محمد فؤاد
حين خرجت ليبيا من تحت عباءة الاحتلال الإيطالي، لم تخرج كدولة جاهزة، بل كمساحة جغرافية تبحث عن شكلها السياسي.
كانت برقة تحمل إرث السنوسية ومقاومة طويلة في الصحراء، وكانت طرابلس مدينة متوسطية ذات انفتاح تجاري وثقافي مختلف، فيما كان فزان فضاءً صحراويًا واسعًا أقل حضورًا في معادلات القرار، لم تكن هذه الأقاليم مجرد تقسيمات إدارية، بل كانت روايات تاريخية متجاورة، لكل منها ذاكرة وتجربة ونمط قيادة. ولذلك فإن ميلاد الدولة الليبية الحديثة في 1951 لم يكن حدثًا إداريًا فحسب، بل كان محاولة صعبة لجمع سرديات متعددة في إطار سياسي واحد.
الاستقلال جاء في سياق دولي خاص، العالم كان يخرج من الحرب العالمية الثانية، وموجة تصفية الاستعمار بدأت تجتاح آسيا وأفريقيا. لم تكن ليبيا نتيجة ثورة تحرير تقليدية فقط، بل نتيجة توازنات دولية ورعاية أممية. قرار الأمم المتحدة بإعلان الاستقلال كان لحظة فارقة، لكنه حمل في داخله تحديًا مبكرًا: كيف تُبنى دولة من أقاليم لم تعرف دولة مركزية موحدة قبل ذلك إلا لفترات قصيرة؟ وكيف يُصاغ عقد اجتماعي جامع في مجتمع قبلي الطابع، محدود الخبرة الإدارية، قليل الموارد آنذاك؟
اختيرت الصيغة الاتحادية في البداية، وكأنها اعتراف ضمني بواقع الجغرافيا. كان الملك إدريس السنوسي يمثل رمزًا دينيًا وسياسيًا في برقة، ويحمل شرعية مقاومة الاحتلال، لكنه في الوقت ذاته لم يكن قائدًا شعبويًا بالمعنى الثوري، بل رجل توافق هادئ، يميل إلى التدرج، ويُفضّل الاستقرار على المغامرة. في سنوات التأسيس الأولى، لم تكن الدولة غنية، ولم تكن مؤسساتها قوية، لكنها كانت تسير بخطوات محسوبة نحو بناء إدارة مركزية، وجيش ناشئ، ونظام قضائي، وبنية تعليمية في بداياتها.
لم يكن عهد الملكية خاليًا من الإنجاز. فقد وضعت أسس الإدارة الحديثة، وأُنشئت مؤسسات الدولة الأولى، وبدأت عملية بناء هوية وطنية فوق الانتماءات المحلية، ولو ببطء. لكن الهشاشة كانت كامنة في البنية نفسها. الاعتماد على النخب التقليدية، وضعف المشاركة السياسية الواسعة، وغياب حياة حزبية حقيقية، جعلت الدولة تبدو مستقرة في ظاهرها، لكنها محدودة الحيوية في عمقها. لم تكن هناك معارضة منظمة قادرة على العمل داخل النظام، بل كانت السياسة تدور في دوائر ضيقة.

ثم جاء النفط في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات، ليغير قواعد اللعبة بالكامل. فجأة، انتقلت ليبيا من دولة فقيرة تعتمد على المساعدات إلى دولة تملك موردًا استراتيجيًا قادرًا على تحويل مسارها الاقتصادي. ومع تدفق العائدات النفطية، بدأت عملية تحديث سريعة: طرق، بنية تحتية، تعليم، توسع إداري. بدا أن الدولة تدخل عصرًا جديدًا، وأنها قادرة على تجاوز فقر البدايات. لكن النفط حمل معه تحديًا خفيًا. فالدولة التي تعتمد على مورد ريعي خارجي، دون نظام ضرائبي واسع، لا تُضطر بالضرورة إلى بناء عقد سياسي متين مع مجتمعها. الثروة يمكن أن تُوزع دون مساءلة عميقة، والرضا يمكن أن يُشترى دون مشاركة سياسية واسعة.
في تلك السنوات، كان الإقليم يغلي. جمال عبد الناصر في مصر كان قد رسّخ خطاب القومية العربية، والوحدة، والتحرر من النفوذ الغربي. الجزائر خرجت من حرب استقلال دامية، وسوريا والعراق شهدا انقلابات عسكرية متكررة، وفلسطين كانت جرحًا مفتوحًا في الوعي العربي. في هذا المناخ، بدت الملكية الليبية، بتحالفاتها الغربية وهدوئها السياسي، أقرب إلى نموذج محافظ في زمن صاخب. لم يكن النظام الملكي معزولًا عن هذه التحولات، لكنه لم يتبنَّ خطابًا ثوريًا يوازيها. هذا الفارق بين الداخل الهادئ نسبيًا والإقليم المتحرك بقوة، خلق فجوة في الوجدان السياسي لدى جزء من الشباب الليبي، خاصة في المؤسسة العسكرية الناشئة.

تصدعات الملكية لم تأتِ في شكل انهيار مفاجئ، بل في شكل تآكل بطيء. غياب إصلاح سياسي أعمق، محدودية المشاركة الشعبية، شعور بعض المناطق بعدم التوازن في التنمية، وتأثير المد القومي العربي، كلها عوامل تراكمت. الملك إدريس، الذي كان رجل توازن في لحظة التأسيس، بدا في أواخر عهده أقل حضورًا في إدارة التفاصيل اليومية، وأقرب إلى رمز تاريخي منه إلى قائد يقود تحولات كبرى. ومع تقدم السن، ومع تغير المزاج الإقليمي، أصبحت الدولة في حاجة إلى تجديد لم يأتِ بالسرعة الكافية.
وفي الأول من سبتمبر 1969، تحركت مجموعة من الضباط الشباب في عملية عسكرية سريعة أنهت العهد الملكي دون مقاومة تُذكر. لم يكن المشهد دمويًا، ولم تكن هناك حرب أهلية، بل انتقال مباغت للسلطة. هل كان ما جرى ثورة تعبيرًا عن روح مرحلة عربية قومية؟ أم كان انقلابًا عسكريًا استثمر هشاشة بنية سياسية محافظة؟ ترك التاريخ هذا السؤال مفتوحًا، ولا يزال الليبيون يختلفون في توصيفه، لكن المؤكد أن ما حدث لم يكن لحظة منفصلة عن سياقها، بل كان نتيجة تراكمات داخلية وإقليمية.

مع سقوط الملكية، لم تسقط مؤسسات راسخة بقدر ما سقطت بنية كانت في طور النمو، تحمل إنجازًا في التأسيس، وهشاشة في الترسخ. وهنا تبدأ المرحلة التالية: كيف أعادت ثورة الفاتح تعريف الدولة نفسها، لا فقط شكل الحكم، وكيف تحولت ليبيا من ملكية دستورية ناشئة إلى نظام ثوري يسعى إلى إعادة صياغة السياسة والمجتمع من جذورهما.
الملك إدريس… رجل الزهد والسلطة الثقيلة
لم يكن إدريس السنوسي رجل انقلاب في طبعه، ولا قائد تعبئة جماهيرية، ولا خطيب ساحات، بل كان أقرب إلى صورة شيخ زاوية حملته الظروف إلى العرش أكثر مما سعى إليه. تكوَّن وعيه السياسي في بيئة دينية–صوفية داخل الحركة السنوسية، التي لم تكن مجرد طريقة روحية، بل شبكة اجتماعية ممتدة في الصحراء الليبية، تمزج بين الدين والإدارة المحلية، وبين المقاومة المسلحة والتنظيم الأهلي. ومن هذه البيئة خرج إدريس إلى معترك السياسة في زمن الاحتلال الإيطالي، لا بوصفه ثائرًا صاخبًا، بل وسيطًا حكيمًا بين القوة والواقع، بين الرغبة في المقاومة وإمكانات الصمود.

في شبابه، لم يكن إدريس يطمح إلى ملكٍ بالمعنى الحديث، بل إلى دور قيادي روحي وسياسي يحفظ للسنوسية موقعها في برقة، ويُبقي على تماسك مجتمعٍ صحراوي عاش عقودًا من الحرب والاستنزاف. لكن مسار التاريخ كان أكبر من حسابات الزوايا. ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتحوّل ليبيا إلى ملف دولي في الأمم المتحدة، برز إدريس بوصفه الشخصية الأكثر قبولًا دوليًا ومحليًا لقيادة الدولة الناشئة. لم يكن الأكثر كاريزما، لكنه كان الأكثر توافقًا.
حين أُعلن استقلال ليبيا عام 1951، لم يكن إدريس يدخل قصرًا ملكيًا مترفًا، بل يحمل عبئًا سياسيًا ثقيلًا، دولة بلا موارد كافية آنذاك، وبلا إدارة متمرسة، وبلا جيش قوي، وبلا تجربة سياسية سابقة في الحكم الوطني المستقل.
كانت السنوات الأولى اختبارًا يوميًا لقدرته على التوازن بين أقاليم مختلفة، ونخب متباينة، وضغوط خارجية لا تخفى في زمن الحرب الباردة. لم يكن خطابه ثوريًا، بل براغماتيًا. تحالف مع الغرب لضمان الاستقرار والمساعدات، وفضّل التدرج على الصدام، واختار المحافظة على البنية الاجتماعية القائمة بدل هزّها بإصلاحات جذرية.
شخصيته الخاصة لعبت دورًا حاسمًا في شكل الدولة. كان زاهدًا في المظاهر، قليل الظهور الإعلامي، ميالًا إلى العزلة في سنواته الأخيرة، يعتمد على دائرة ضيقة من المستشارين، ويُبقي مسافة بينه وبين الشارع السياسي الصاخب. هذا الزهد كان يُقرأ عند البعض بوصفه حكمة واتزانًا، ويُقرأ عند آخرين بوصفه ابتعادًا عن نبض التحولات. لم يكن إدريس رجل مشروع تحديث صاخب، لكنه كان رجل استقرار في زمن هشّ. غير أن الاستقرار، حين لا يُرافقه تجديد سياسي، يتحول تدريجيًا إلى جمود.
مع اكتشاف النفط وتدفق عائداته، تغيّرت طبيعة الدولة، لكن شخصية الملك لم تتغير بالسرعة ذاتها. دخلت ليبيا عصر الوفرة، بينما ظل أسلوب الحكم محافظًا تقليديًا، يعتمد على شبكات ولاء تقليدية، ويُبقي الحياة السياسية محدودة. لم تُفتح أبواب مشاركة واسعة، ولم تُنشأ حياة حزبية ديناميكية، وبقيت المؤسسة العسكرية شابة بلا دور سياسي واضح في البداية، لكنها كانت تتأثر بالمد القومي العربي الذي اجتاح المنطقة. جمال عبد الناصر في مصر لم يكن مجرد رئيس دولة مجاورة، بل كان رمزًا لجيل كامل من الضباط الشباب الذين رأوا في القومية العربية مشروعًا للتحرر والوحدة.
هنا بدأت الفجوة بين جيل الملك وجيل الضباط. لم يكن إدريس معاديًا للعروبة، لكنه لم يكن مستعدًا لتبني خطابها الثوري، ولا للدخول في مغامرات إقليمية. في المقابل، كانت المنطقة تشهد انقلابات عسكرية في سوريا والعراق، وثورات في الجزائر واليمن، وصعود خطاب “التحرر” و ”الوحدة” و ”الاشتراكية”. في هذا المناخ، بدا النظام الملكي الليبي محافظًا أكثر مما يحتمله المزاج الإقليمي.
حين وقع انقلاب الأول من سبتمبر 1969، كان إدريس خارج البلاد للعلاج في تركيا. لم يعد للقيادة مقاومة، ولم تُخض حرب أهلية دفاعًا عن العرش. سقط النظام في هدوء لافت، وكأن الدولة كانت تنتظر لحظة انتقال، أو كأنها لم تكن محصنة بما يكفي ضد هزة مفاجئة. هنا يظل السؤال مفتوحًا: هل كان ذلك تعبيرًا عن رضا ضمني بضرورة التغيير؟ أم نتيجة غياب شبكة دفاع مؤسسية قوية؟ التاريخ لا يقدم إجابة واحدة.

بعد الانقلاب، لم يُعدم إدريس، ولم يُسجن، بل عاش ما تبقى من حياته في المنفى. تنقل بين تركيا ثم استقر في مصر، حيث عاش بهدوء بعيدًا عن السياسة المباشرة. لم يظهر قائدًا لمنفى معارض، ولم يُصدر بيانات تعبئة، بل اختار الصمت حتى وفاته في القاهرة عام 1983. ربما كان ذلك انسجامًا مع شخصيته المتحفظة، وربما إدراكًا بأن الزمن الذي حمله إلى العرش لم يعد قائمًا.
أما أسرته، فقد تفرقت بين المنافي. بعض أفراد العائلة السنوسية استقروا في مصر وبريطانيا، وبعضهم ظل حاضرًا رمزيًا في الذاكرة السياسية الليبية، دون تأثير فعلي على مسار الحكم خلال العقود اللاحقة. بعد 2011، عاد اسم السنوسية إلى النقاش العام، ليس بوصفه مشروع عودة ملكية، بل بوصفه جزءًا من سؤال الهوية التاريخية للدولة الليبية. لكن العائلة نفسها لم تلعب دورًا سياسيًا حاسمًا في المرحلة الجديدة، وظلت أقرب إلى رمز تاريخي منها إلى فاعل مباشر.
قراءة الملك إدريس اليوم تقتضي الإنصاف، فقد أسس دولة من العدم تقريبًا، وحافظ على وحدة كيان جغرافي لم يكن معتادًا على المركزية، وأدار مرحلة انتقالية حساسة في سياق دولي معقد. لكنه في الوقت ذاته لم يُنجز تحديثًا سياسيًا عميقًا، ولم يُحصّن الدولة بدستور راسخ ومؤسسات قوية قادرة على الصمود بعده. كان رجل تأسيس، لا رجل تحولات جذرية، وكان نجاحه في التهدئة يقابله ضعف في تجديد البنية.
وحين سقط عهده، لم تُمحَ الدولة، بل دخلت مرحلة جديدة أعادت تعريف كل شيء: مفهوم الحكم، شكل المؤسسات، طبيعة الاقتصاد، وعلاقة ليبيا بمحيطها. وهنا تبدأ الحكاية التالية، حيث يظهر ضابط شاب سيحاول أن يعيد صياغة الدولة والمجتمع من جذورهما، وأن يخلط بين الدولة والنظام بطريقة لم تعرفها ليبيا من قبل.
في الجزء القادم، سنقترب من تلك المرحلة: من انقلاب الضباط إلى إعلان الجمهورية، إلى البنية الجماهيرية، إلى تحولات معمر القذافي عبر العقود، وعلاقته بدول الجوار، وخاصة مصر، وكيف تشكلت دولة مختلفة تمامًا عما عرفته ليبيا في عهد الملكية.
رابط المقال المختصر:









