مقامات الصوفية (15)
فالمكان في التجربة الصوفية حالة عبور ينتقل السالك فيها بين المدن القلبية والمنازل الروحية، وكأنه يتنقل بين حالات إدراك

من جغرافيا السالك إلى فضاء الرواية الحديثة
إذا كان الزمن قد تبدّل في السرد الحديث فإن المكان لم يبقَ على حاله أيضًا؛ فالمكان في الرواية الكلاسيكية كان إطارًا واضحًا تتحرك فيه الشخصيات: سواءً كان مدينة أو قرية أو طريق محدد المعالم.. المهم أن وجوده ضروري لتثبيت الحدث أكثر مما هو ضروري لكشف المعنى، والقارئ يعرف أين يقف البطل ويعرف إلى أين يذهب ويعود.. الجغرافيا ثابتة بينما الحركة تقع فوقها.
غير أن السرد الحديث أعاد النظر في هذه العلاقة، المكان لم يعد مجرد خلفية بل صار جزءًا من التجربة الداخلية للشخصية، والمدينة لم تعد شوارع وبيوتًا فقط بل حالة شعورية يعيشها الإنسان، والأهم هو الطريق الذي لم يعد مسافة تقطعها الأقدام بقدر ما أصبح سؤالًا يرافق الوعي؛ وبهذا المعنى تغيرت وظيفة المكان في الرواية كما تغيرت وظيفة الزمن.

هذا التحول يقارب تصورًا أقدم عرفه الخطاب الصوفي حين جعل الطريق مركز التجربة، فالمكان في التجربة الصوفية حالة عبور ينتقل السالك فيها بين المدن القلبية والمنازل الروحية، وكأنه يتنقل بين حالات إدراك.. وما من صوفي إلا وله رحلة ولكن هذه الرحلة الخارجية ما هي إلا مرآة لرحلة أعمق؛ لذلك تبدو المدن في السير الصوفية أشبه بمحطات رمزية أكثر منها خرائط واقعية.
في سيرة محيي الدين بن عربي مثلًا تظهر المدن بوصفها فضاءات كشف: الأندلس ومكة ودمشق ليست مجرد أماكن للإقامة بل مراحل في تحول الوعي، فالسفر عند ابن عربي انفتاح على معنى جديد للوجود معنى يظهر بقدسية مكة وحضارة الأندلس وتشابك العلاقات في دمشق.. فكل مكان له معلم وعند ابن عربي المكان يتحول إلى تجربة.
وهذا التصور يظهر بصورة مختلفة في الرواية الحديثة؛ فالمدينة لم تعد فضاء محايدًا المدينة صارت كيانًا يشارك في تشكيل الشخصية.. في أعمال نجيب محفوظ تظهر القاهرة بوصفها عالمًا كاملًا من العلاقات والتوترات.. الأزقة والمقاهي والبيوت ليست مجرد ديكور هي عناصر حية تصنع مصير الشخصيات.. والمكان عند محفوظ يحمل ذاكرة ويصنع هوية.. البطل لا يعيش في المدينة بل يتشكل بها..

أما في رواية موت صغير لـ محمد حسن علوان فإن السفر بين المدن يعيد إحياء فكرة الطريق الصوفي داخل السرد المعاصر فالمدن تتعدد لكن المعنى يتوحد.. وكل انتقال جغرافي يكشف طبقة جديدة من الذات، والطريق يصبح طريقة لفهم العالم لا مجرد وسيلة للوصول إليه.. وكأن الرواية الحديثة اكتشفت أن الإنسان لا يعيش في فضاء موضوعي فقط لكنه يعيش في فضاء شعوري أيضًا.
هذا الاكتشاف يقارب الرؤية الصوفية التي ترى الطريق تجربة أكثر منه موقعًا؛ فالسالك قد يقطع مسافات طويلة دون أن يقترب من الحقيقة وقد يبلغ لحظة كشف وهو في المكان ذاته.. عزيزي القارئ إن كان ولابد أن تخرج بجملة من هذا المقال فلتكن تلك الجملة (المكان الحقيقي عند الصوفي هو ما يحدث في الداخل






