مقالات
أحمد عبد الجواد
أحمد عبد الجواد

إعلامي وكاتب وشاعر

مقامات الصوفية (11)

مقام منفصل متصل ما الذي قطعناه من الطريق حين نلتفت إلى ما مضى لا يبدو الأمر كأننا انتقلنا بين مقالات متتابعة بقدر ما يبدو الأمر سيرًا هادئًا داخل طبقات متراكبة…

مشاركة:
حجم الخط:

مقام منفصل متصل
ما الذي قطعناه من الطريق

حين نلتفت إلى ما مضى لا يبدو الأمر كأننا انتقلنا بين مقالات متتابعة بقدر ما يبدو الأمر سيرًا هادئًا داخل طبقات متراكبة من الفهم؛ فقد بدأنا من السؤال الأول كيف يتكلم المتصوف قبل أن نسأل ماذا يقول النص الصوفي.. وكان الهم منذ البداية أن نقترب من اللغة لا من الشعارات وأن ننصت إلى الطريقة التي تتحول بها التجربة الداخلية إلى خطاب قادر على البقاء.

وفي المقامات الأولى اكتشفنا أن النص الصوفي لا يولد من فكرة مجردة بل من حركة نفس تبحث عن معناها؛ فالطريق لم يكن موضوعًا أدبيًا بل بنية شعورية تنظّم الرؤية للعالم. واللغة كانت فضاء اختبار.. والرمز ضرورة للتعبير عن تجربة تتجاوز المباشر. شيئًا فشيئًا بدأت عزيزي القارئ المتأمل معي في هذه المقامات إدراك أن التصوف لا يضيف معنى إلى اللغة بل يغيّر طريقة اشتغالها نفسها.

ثم اقتربنا من الشعر فبدت القصيدة الصوفية كأنها محاولة لكتابة ما لا يمكن القبض عليه.. الإيقاع صار امتدادًا للحالة الداخلية والصورة باتت بابًا نحو إدراك أوسع.. وفهمنا سويًا أن الشعر ممارسة وجدانية تصف مراحل العشق وعلاقته بالكون داخل اللغة الصوفية.. ومع الطواف بين أصوات متعددة ظهر أن التجربة واحدة وإن اختلفت الأسماء وأن القصيدة تتحول إلى مجال يعيش فيه القارئ التحول لا يقرأ عنه.

ومن الشعر انتقلنا إلى السرد فاكتشفنا أن الحكاية الصوفية تتجاوز الحدث إلى الوعي؛ فالشخصية تسير في طرق سردية كثيرة؛ لكنها تتحول في الداخل باستمرار.. والزمن يتباطأ كي يسمح للإدراك أن ينضج والنهاية تظل مفتوحة لأن الرحلة لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة، وهناك بدأ يتضح أن كثيرًا مما نعده اليوم تقنيات حديثة كان قد تشكل في نصوص روحية قديمة تبحث عن الإنسان لا عن المغامرة.

ثم جاءت لحظة النظر في المقامات نفسها فظهر أن التصوف لم يكتفِ بإنتاج نصوص لها مميزاتها الأدبية والفنية والفكرية؛ لكنه ابتكر شكلًا للكتابة: شكلًا كانت المعرفة درجات عبور للروح.. والنص طريقًا يتقدم فيه القارئ مقامًا بعد مقام حتى يجد نفسه وقد تغير دون أن يشعر بلحظة التحول.
وفي المقام الأخير تميّز الخط الفاصل بين النص الذي يعيش التجربة والنص الذي يشرحها.. وفيه أدركنا أن الوعظ يسعى إلى الإقناع بينما يسعى الأدب الصوفي إلى الكشف؛ فالأول يمنح إجابة والثاني يوقظ سؤالًا.. وبهذا التمييز اكتملت صورة القسم الأول من رحلتنا الروحية في رمضان.. القسم الذي طُفنا فيه لنصل إلى نتيجة مؤداها أن ما نبحث عنه ليس خطابًا دينيًا لكنه ظاهرة جمالية كاملة.

هكذا تبدو الرحلة إذا نظرنا إليها من علٍ. لم نكن ندرس التصوف كتراث معزول منقطع عن الحاضر.. لقد درسناه كقوة أعادت تشكيل علاقة الإنسان باللغة وبنفسه.. وكل مقام كان خطوة في إعادة تدريب العين على قراءة العمق خلف الكلمات؛ ولذا كانت هذه الوقفة ضرورية كي نستجمع شتات ما فات ليصبح الطريق أمامنا أكثر وضوحًا لأننا لم نعد نسأل ما هو التصوف ولا ما هي الكتابة الصوفية؛ نحن بصدد توسيع السؤال ليشمل الظاهرة بأكملها لنسأل ماذا فُعِلَ بالأدب حين عبر في حقل الخطاب الصوفي.
من هنا يبدأ العبور الجديد؛ فما سيأتي لن يكون شرحًا للنصوص الصوفية بل كشفًا لأثرها حين تسربت إلى الشعر والرواية الحديثة وأعادت تعريف الكتابة بوصفها تجربة وجود لا مجرد صناعة فنية.. والطريق الذي سرناه حتى الآن كان إعدادًا للرؤية التي ستبدأ في الاتساع من المقام القادم.

شارك المقال: